Select Page

التأسلم الاجتماعي.. ألغام جاهزة للانفجار

العرب اللندنية ـ الدراسات الناقدة للإسلام السياسي ركزت على الأخطار السياسية والأمنية، وأغفلت أبعادا أخرى أكثر خطورة من الأبعاد العسكرية والأمنية على أهميتها. لتيارات الإسلام السياسي أثر اجتماعي خفي وعميق نبع من عمليات أسلمة دؤوبة جرت خلال عقود، توصلت، بتفاوت مستويات النجاح، إلى تسريب الأفكار الإسلامية إلى المجتمع المسلم.

من أبسط تعريفات الأحزاب السياسية وأوجزها أنها تنظيمات لقوى اجتماعية يجمعها توجه فكري وتسعى إلى الحكم. الوصول إلى السلطة هدف التنظيمات والأحزاب السياسية، وما تسيّس من تنظيمات وجماعات اتخذت من “الدعوة” والشعارات الإسلامية جسرا إلى العرش.

في العمل السياسي يتبارى المتنافسون في استمالة الجماهير، وفي مجتمعات ما قبل “الدولة” تكون الغلبة في هذه التعبئة لخطاب الإسلام السياسي، ويكفي رفع راية “الإسلام هو الحل” لإيهام البسطاء الطامعين في عدل الله بالإسهام في تحقيق “حكم الشريعة”، وتعزية اليائسين من هذا العدل بأن الآخرة خير وأبقى.

ترفض حركات وتنظيمات “الإسلام السياسي” هذا المصطلح، كما كان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام يرفض اسم “داعش”، ويلح على أنه “الدولة الإسلامية”، واستطاع فرض مصطلحه على وكالات الأنباء العالمية، ثم اختفى التنظيم وذاب رجاله إلى حين، وظل “داعش” اسما للدولة الزائلة، واتهاما يلاحق من يتبنى أفكارها بالتدعيش.

وفي الاختبار سقطت تجربة الإسلام السياسي الذي لم يكن إلا وجها آخر للرأسمالية العالمية بقناع ديني. ولفترات قادمة، في حياة هذا الجيل الذي شهد الصعود والانهيار، لن يشكل ما كان يعرف بالإسلام السياسي إزعاجا سياسيا، أما الخطر القائم فهو التأسلم الاجتماعي، ألغام قابلة للانفجار تصيبنا شظاياها الطائشة بعد قرن من عمليات الأسلمة الاجتماعية، برعاية السلطة أو صمتها، وبتمويل عابر للحدود يتدفق بسخاء، يستهدف تشويه وجه الإسلام الحضاري في مصر.

قبل بضع سنوات سألت مخرجة إيرانية في مهرجان سينمائي بنيودلهي: كيف تحتملين صرامة الرقابة في بلادك؟ فرفعت الشال عن كتفيها، وغطت به شعرها إلا قليلا وقالت “هكذا”.

 سلوك دال على أن مظاهر التأسلم ذات طابع سياسي يسهل التحايل عليه لارتهانه بسلطة الملالي، ولكن التأسلم الاجتماعي بمضيّ الوقت يسري في الدم، عقيدة يصعب التخلي عنها، توجه سلوك أصحابها ولا تقتلع إلا بمجاهدة صادقة للنفس. استلاب لا يستبعد معه ارتكاب جرائم تقربا إلى الله، ولن يعدم أي مصري أن يلاحظ ما أصاب قريبا أو أكثر في عائلته، بعد الانخراط في تنظيمات سلفية غير سياسية، فتشوهت روحه وضاق صدره بأهله ولازمته الجهامة، وبدلا من البر بوالديه قاطعهما بحجة أنهما من العصاة.

أما غير المسلمين فهم منقوصو الحقوق، إلا “أن تبروهم”، وأن يعطوا الجزية وهم صاغرون، ويحرمون من بناء كنائس جديدة وترميم ما ينهار من الكنائس القائمة، هذا ما استقر في نفسي منذ الصغر، وما تعلمته من قراءتي مجلة “الدعوة” لسان حال الإخوان، وسمعته من خطب ينصت لمثلها الذين مسهم شيطان التأسلم الاجتماعي، فيسارعون إلى الجهاد بالهجوم على بيت يتعبد فيه مسيحيون.

للإسلام السياسي طموح إلى السلطة، وينكسر إذا اختبرت شعاراتِه تجربة، وأثبتت فساده أو عدم كفاءته. ولا طموح إلى الحكم في حالات التأسلم الاجتماعي، ولهذا يصعب نزعه، فالوزير مثلا يخرج من الوزارة بإقالة أو استقالة قد تنهي مستقبله السياسي، في حين يظل وكلاء الوزارة والموظفون في وظائفهم مع أي وزير وأي حكومة، هم عابرون للأنظمة، لا يعنيهم قضاء ثورة على حكم ملكي وإعلانها النظام الجمهوري.

لا يشعر المواطن البسيط بخطورة التأسلم إلا إذا مس أمنه الشخصي. أركب مترو الأنفاق يوميا، وأجد أحيانا في المقاعد المخصصة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة شابا ملتحيا يفتعل التأثر وهو يقرأ القرآن، فأشير إلى عجوز يرهقها الوقوف، لعله ينتبه ويلتقط الإشارة فينهض، وهو يعبس ويتجاهلني، ويستعيد تصنّعه للخشوع، ويواصل القراءة غير مبال بالاعتداء على مقعد مخصص لغيره. أقول له صراحة لعله يخجل إن هذه الأم صاحبة هذا المقعد، فتفاجئني العجوز بالزهد في القعود، وتتحامل على ضعفها، وترجوني بصدق أن أتركه، وتدعوه إلى البقاء لكي يستمر في القراءة.

هنا لم يعد القرآن الكريم يحث على التراحم والعطف على كبار السن، ولا يدعو هذا الشاب إلى احترام القواعد بمنح هذا الحق/ المقعد لأصحابه، وإنما يريد هذا الشاب أن “يتخلص” من العبء بقراءة حزب أو جزء كل يوم. خرج القرآن “من القلب”، وأصبح “على القلب”، مجرد ترديد لآيات نزع منها حكمة التنزيل. مثل عامل في ورشة لإصلاح السيارات جادل في تحريم تناول الطعام مع المسيحيين.

الشاب تشبّع بسماع خطب يحلو لأصحابها استعادة سجع السلف بعناوين مثل “الأدلة والبراهين على أن اليهود والنصارى من المشركين”، ويعود من صلاة الجمعة وصلاة العيد بكتيبات أشبه بقذائف جاهزة للعدوان، ولا تحتاج إلى قواعد لإطلاقها، منها فتاوى محمد بن صالح العثيمين وغيره ممن عكّروا المزاج المصري في فترات الضعف، حين فرط أنور السادات في رصيدنا الرمزي.

وأغلب هذه الفتاوى يحض على الكراهية، وينشغل بوهم التفوق الإسلامي، فيرد على من لا يكفر اليهود والنصارى، كما انشغل صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان بما يسميه حكم الدين في تسمية النصارى بالمسيحيين. ليس في الأمر سخرية، فقد جربت القراءة له ولأمثاله في سنوات الصبا، وكنت أفرح كلما وجدت تشددا في مواجهة ما حسبته تساهلا مثل كتاب يوسف القرضاوي “الحلال والحرام في الإسلام”، وأسعفني في منتصف الثمانينات كتاب بن فوزان “الإعلام ببيان أخطاء الشيخ القرضاوي في كتاب الحلال والحرام”، ولم أسأل كيف عبر البحر الأحمر لأشتريه من مكتبة في شارع العباسي بمدينة المحلة الكبرى؟

أنظر إلى الوراء فأراني في هذا الشاب الذي يرفض تناول الطعام مع المسيحيين، ويبخل عليهم بأنهم مسيحيون فيسميهم النصارى. أذكّره بآية “وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم”، فيرد بثقة “وأنا مالي بالقرآن؟”، فأثق بنجاح التأسلم الاجتماعي في تجريف روح التحضر، وترك الأعصاب عارية تتكهرب مع إثارة أي نقاش، ولا مانع من امتداد يد إلى سلاح، لتنهي الحوار بالضربة القاضية.