Select Page

اعداد: الدكتور نصيف جاسم،،باحث في الشؤون الاعلامية للجماعات الراديكالية 

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات       

يحدد ((أبو بكر ناجي)) بكتابة((أدارة التوحش)) توظيف الإعلام الجهادي ، وكيفية التعامل مع الأسلوب الدعائي للأعلام، بالوظائف التالية:ـ

((أتباع استراتيجية إعلامية ، تستهدف وتركز على فئتين ، فئة الشعوب بحيث تدفع أكبر عدد منهم للانضمام للجهاد والقيام بالدعم الايجابي والتعاطف السلبي ممن لا يلتحق بالصف، الفئة الثانية ، جنود العدو أصحاب الرواتب الدنيا لدفعهم إلى الانضمام لصف المجاهدين أو على الأقل الفرار من خدمة العدو)).

ترجم تنظيم داعش ، تلك الوظائف من خلال تجنيد جيش إعلامي متخصص بالإعلام الالكتروني، يعملون تحت عناوين مختلفة، مثل المراكز والمؤسسات والسرايا والكتائب الإعلامية، ويسعى لنصرة تنظيم داعش ونشر ثقافتهم وخطاباتهم بكل الوسائل الإعلامية ، والتقنيات المتاحة، ويعتقدون أن عملهم واجب شرعي على كل مقاتل، وكل مجموعة لها وظيفتها المحددة ، وهم على شكل شبكات ، تتواجد كل شبكة في منتدى من المنتديات الجهادية أو موقع من مواقع التواصل الاجتماعي لدعم هدف من الأهداف التي يقررها الإعلام المركزي الخاص بتنظيم داعش(مركز الفجر للإعلام، مؤسسة الفرقان الإعلامية).

(تطوير الاستراتيجية الإعلامية، بحيث تصل وتستهدف بعمق القيادة الوسطى من جيوش (الردة) لدفعهم للانضمام للجهاد).

(أقامة خطة إعلامية ، تستهدف في كل هذه المراحل تبريرًا عقليًا وشرعيًا للعمليات خاصة لفئة الشعوب والخروج من أسر أستهدف أفراد الجماعات الإسلامية الأخرى ، فأنهم يفهمون كل شيء..!! وإنما الشعوب هي الرقم الصعب الذي سيكون ظهرنا ومددنا في المستقبل ، على أن يكون في هذه الخطة من الشفافية بل والاعتراف بالخطأ احيانًا ما يكشف أكاذيب وحيل العدو ، ويرسخ انطباع الصدق عنا عند الشعوب).

(هذه الخطة الإعلامية عندما تواكب مرحلة إدارة الوحش بصفة خاصة هدفها – الذي يجب أن تقوم اللجان الإعلامية بتخصيص من يخطط لها الآن – هو أن يطير جموع الشعوب إلى المناطق التي نديرها خاصة الشباب عندما تصل إليهم أخبارها بكل شفافية وصدق بما يشمل ما فيها من نقص في الأموال والانفس والثمرات).

(دور السياسة الإعلامية الحصول على تعاطف الشعوب أو تحييدهم على الأقل، ولكننا نقدر أن لنا في الشعوب مخزونًا للتحرك الفعال).

ترجم تنظيم داعش ، ذلك إلى تشكيل جيش الكتروني من مقاتلين متمرسين في العمل الإعلامي واستخدم التقنيات الحديثة في مجال الإخراج والتصوير ودمج المؤثرات السمعية والبصرية ، بالشكل الذي يلبي طموح استقطاب أكبر عدد من المشاهدين للمواد الإعلامية التي تبث، كون ((أبو بكر ناجي)) يعول كثيرًا على الإعلام للترويج لأفكارهم الجهادية وبث أخبار غزواتهم في العراق وسوريا إلى كل أنحاء العالم ، وهذا يتطلب توفير أجهزة ومعدات فنية فائقة التطور ، ويظهر ذلك واضحًا من خلال الصور والأفلام والرسائل الإعلامية الأخرى، التي تضاهي أكبر استديوهات العالم ((افلام هوليود)).

وظف تنظيم داعش، الصور والفيديوهات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت التي يظهر فيها مقاتلو التنظيم وهم يقطعون الرؤوس، التي انطوت على مشاهد عنف غير مسبوق ، واعتمدت كاستراتيجية جديدة للتنظيم في توظيف تلك المشاهد إعلاميًا، من أجل بث مزيد من الرعب في قلوب أعدائه، والتأكيد على أن الذبح بالسكين هو طريقة القتل المعتمدة، وهو المصير الأخير لمن يقع أسيرًا بين أيدي التنظيم ، وكان لعملية الذبح الجماعية التي قام بها تنظيم الدولة ، تطور لأساليب الحرب الإعلامية للتنظيم، بوجوه مكشوفة وهم يحملون سكاكينهم ، هذا التوظيف لمشاهد العنف من خلال بثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أثرّ في نفس المتلقي سواء كان فردًا أو مجتمعًا مدنيًا أم عسكريًا، أرهب القلوب، في سبيل أضعاف الحالة المعنوية للمقاتلين.

 

نشرت مواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة الانترنت ، شعارات مرافقة لعمليات الذبح ، (جئناكم بالذبح) و(الله أكبر والحمد لله) و (نصركم الله المجاهدين) و (بوركت أيديكم)، حيث كانت هذه الشعارات الدينية جزءًا من الردود الاحتفالية التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية، المرافقة لمشاهد الذبح، وهذا الاحتفال أشبه ما يكون ((طقوس)) ثابتة للتنظيم في كل عملية ذبح جماعية، وكان أبو مصعب الزرقاوي أول من قام بعملية ذبح علنية للأمريكي ((نيكولاس بيبرج)) وبث عملية الذبح عبر شبكات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ومن أشهر المتخصصين في ذبح المخالفين لتعليمات تنظيم داعش، والمقاتلين الأجانب الذين يتم أسرهم أو اختطافهم، شخصان ، أحدهما يدعى((البتار)) وهو أحد المقاتلين الذي لا يكشف عن أسمه ، ويتكلف بأغلب عمليات الذبح، فيما ينافسه في الذبح سوري يدعى((أبو سليمان))، وقد عمد التنظيم إلى نشر صورهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت، وبشكل واضح وهم يحملون أدواتهم ((سكاكين)).

نشر تنظيم داعش، أفلام فيديو ،وصور، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها عدد من المواطنين، وهم يحفرون قبورهم بأيدهم، ويدفنون وهم أحياء ، وما جرى من عمليات قتل جماعي، وذبح ، ودفن وهم أحياء لمقاتلين عراقيين، وقعوا في الأسر، بث التنظيم تلك العمليات بالصوت والصورة ، عبر شبكة الانترنت ومواقع الاتصال الاجتماعي، الغاية منها بث الرعب والترهيب،.

ودفع السكان المحلين أما إلى الفرار وعدم مقاتلتهم، أو يكون مصيرهم الذبح بوحشية، هذا التوظيف الإعلامي المبرمج من قبل تنظيم داعش، عبر شبكة الانترنت ، أدى إلى خلق حالة من الترهيب النفسي لدى المقاتل والفرد على حد سواء، الهدف منه أضعاف الروح القتالية والمعنوية للفرد، ونحن بذلك أمام تنظيم قادر بالتحكم بنوع وشكل الخطاب الإعلامي والدعائي عبر شبكات التواصل الاجتماعي ، بكل حرية دون رقابة ، ومخاطبة عموم المجتمعات الوطنية والعالمية،.

وهنا تكمن خطورة مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع الانترنت المتنوعة، من جعل الخطاب الإعلامي الجهادي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عالميًا، وهي بذلك تحقق جاذبية القوة الإعلامية التي تقوم بقلب الرسالة الإعلامية التقليدية، وإرسال رسالة إلى الجماهير ، أن التنظيم قوي وشرس وقادر على الإيذاء وتحقيق الانتصارات ، وأنه قادر على الانتقام من العدو، وتحقيق النصر.

نشرت مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع ((اليوتيوب)) أفلام فيديو ، يظهر فيه قطع يد أحد السراق، ورجم الزاني والزانية، وتعذيب أسرى، أو مخالفين لتعاليمهم، الهدف منها ليس تطبيق أحكام الشريعة فقط، وإنما تأتي من استراتيجية، ((التوحش، لبث الرعب، في النفوس، وما هذه الحملات الإعلامية، عبر تلك المواقع ، إلا رسالة للجميع ومن بينها الجماعات الإسلامية، التي تقف متفرجة، دون فعل للنصرة، أن أعلامنا يجب أن يصل إلى كل الفئات بصدق ومباشرة دون تضليل وبوضوح من أجل مصلحة الأمة)).

أن الصورة الذهنية السائدة عن تنظيم الدولة الإسلامية، ومقاتليها أنهم أو معظمهم ، مقاتلون من أصحاب الذقون الطويلة الرثة، يعيشون عقلية القرون الوسطى، غير متعلمين، لا يعرفون بما يحيط من حولهم، ثقافتهم محدودة، لا يمتلكون ناصية العلم، إلا أن الواقع غير الخيال النمطي، فمن الواضح أن صفوفهم تضم عقول متقدمة في جميع المجالات التقنية والعسكرية والعلمية والأدبية والدينية، ونخص بالذات الخبرة العملية في مجال الإعلام والدعاية ، فخبراء تنظيم “الدولة الإسلامية”، على إطلاع ومعرفة واسعة ، بفنون شبكة الانترنت، وبرامجها الالكترونية الواسعة .

ومن شاهد عمليات اعدام الصحافيين الأمريكيين((جيمس فولي وستيفن سوتلوف)) وبعدهما طريقة اعدام الناشطين البريطانيين في أعمال الإغاثة((آلنهنغ وديفيد هينز)) يدرك بدون شك، أن هناك أدمغة ذو خبرة واسعة بفنون الحرب النفسية والتأثير الإعلامي ، فقد ظهروا وهم يرتدون بدلة برتقالية ، على غرار تلك التي كان يرتديها معتقلو تنظيم القاعدة في قاعدة ((غوانتانامو الأمريكية)) ووقف إلى جانب كل واحد منهم أحد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية ، ملثمًا وحاملاً سكينًا مميزة بشكلها، الهدف من ذلك كله، إرسال رسالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة الانترنت، إلى كل دول العالم، وللتنظيمات الإسلامية الجهادية المماثلة، بأن عليها الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية ، وألا سيكون مصيرهم كما شاهدوه، وهذا ترجمة لأفكار أبو بكر ناجي (إدارة التوحش).

نلاحظ أن توظيف تنظيم “الدولة الإسلامية” داعش لمواقع التواصل الاجتماعي، وشبكة الانترنت ، كان شاملاً يمتد نشاطه إلى جميع المواقع بدون استثناء، إضافة إلى اعتماد مواقع قد تكون بعيدة عن الرقابة مثل موقع((ديلسبورا)) الذي يعتمد أجهزة خوادم مستقلة لا تخضع لسيطرة الشركة القائمة عليه، ويستخدم تنظيم الدولة الإسلامية ، أيضًا وسائل التواصل المغمورة نسبيًا مثل ((كويتر)) وهو موقع بولندي لمشاركة الافلام والبيانات.

نجح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في إثارة المجتمع الدولي والأقليمي من خلال فيلمه الوثائقي “لهيب الحرب” وذلك قبل أيام من بدء التحالف الدولي الهجوم على مقرات التنظيم في إطار إعلان الحرب على داعش.

والذي يصور مشاهد لاقتحامات وإعدامات وعمليات استشهادية نفذها التنظيم ضد من وصفوا بـ (الكفار) و(الخوارج) أو ضد خصومه الذين وصفهم بالمنافقين والمرتدين والصحوات ، استطاع أن يجذب الأنظار حول دقته وجودته وتطور التقنيات السينمائية المستخدمة في صنعه، حتى شُبّه بأفلام “هوليوود” وكانت رسالة الفيلم، والذي كان ناطقًا باللغة الإنجليزية، موجهّة بالأساس إلى المجتمع الدولي والتحالف الذي تم تشكيله لمحاربة التنظيم، متوعدًا الولايات المتحدة الأمريكية وأعوانها.

ربمّا كان “لهيب الحرب” هو العمل الأقوى والأضخم، لكنه ليس الوحيد، فالحالة الإعلامية لتنظيم “الدولة الإسلامية” داعش في العراق والشام تُعتبر من أقوى الحالات الإعلامية على مستوى التنظيمات “الجهادية”، بل وعلى مستوى الحالة الإعلامية لدول صغيرة، وجماعات كبرى لم تستطع أن تملك أدوات إعلامية مثل التي امتلكها تنظيم (داعش)، وتشمل مؤسسات الإنتاج الإعلامي، وهي أكثر من مؤسسة، ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى الألعاب الإلكترونية، وغيرها من الوسائل التي يعتمد عليها التنظيم بشكل كبير في ترسيخ وتعزيز قوته على الأرض، وفي إظهارها.

وإذا حاولنا هنا أن نصل إلى سبب الجدل الكبير الذي أثاره فيلم “لهيب الحرب” ربما سنصل إلى أن جودة العمل وضخامته وحدها ليست السبب، لاسيما أن للتنظيم أعمال أخرى مشابهة مثل “سلسلة صليل الصوارم” وغيرها من الأعمال التي لم يسمع عنها سوى القليل، لكن ما صاحب الفيلم من حالة دعائية ، وحالة دولية لا تتوقف عن تضخيم دور داعش الدولي والإقليمي، وإعلان الحرب ضدّه كان له الأثر الكبير في إثارة كل هذا الانتباه حول العمل.

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات