داعش والجهاديوندراسات

توسع تنظيم القاعدة في اليمن .. الواقع و التهديد المتوقع .بقلم الدكتور عماد علوّ

إعداد : اللواء الركن الدكتور عماد علوّ ـ خبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية

مستشار المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

المقدمة

عندما قتل الرجل الثاني في تنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» سعيد الشهري في هجوم لطائرة بدون طيار في اليمن بتاريخ 16 تموز/يوليو2013 ، تبين عمق الترابط بين هذا التنظيم وسائر فروعه في شبه الجزيرة العربية ، اثر عملية الاندماج لفروع تنظيم القاعدة السعودية واليمنية التي حصلت عام 2009.  حيث توالى عدد من قيادات تنظيم القاعدة على قيادة التنظيم في منطقة الجزيرة العربية .

نجحت استراتيجية الولايات المتحدة باستخدام الطائرات المسيرة بدون طيار في تحجيم التنظيم من خلال اغتيال قياداته البارزة في اليمن  ، الا أن المؤشرات الميدانية  تدل على أن تنظيم القاعدة في اليمن  لا يزال يمثل خِصماً مرناً قادراً على التكيف ، مع مختلف التطورات والمتغيرات الميدانية العسكرية والاجتماعية والاقتصادية على الساحة اليمنية الملتهبة .

والسؤال المطروح هو عن اسباب قوة تنظيم القاعدة في اليمن ؟ وما هي ابعاد  ونتائج الحرب ضد تنظيم القاعدة في اليمن ؟ وما هي الاستراتيجية المستقبلية لتنظيم القاعدة في اليمن ؟ في محاولته البقاء والتوسع بالاستفادة من الظروف الامنية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها اليمن في الوقت الراهن ؟

عمليات الفرع السعودي لتنظيم القاعدة

ومن الجدير بالذكر أن الفرع السعودي لتنظيم القاعدة قام بعدد من العمليات الارهابية في السعودية قبل الاندماج مع فرع اليمن  استهدف في معظمها رعايا أمريكان و كان من ابرزها ، الهجوم بالسيارة المفخخة على إدارة للحرس الوطني عام1995م ،  أدى إلى مقتل ستة أشخاص من بينهم خمسة أميركيين. هجوم عنيف بشاحنة مفخخة على قاعدة عسكرية أميركية بالخبر في يونيو عام 1996م خلف 19 قتيلاً وحوالي 500 جريح.

وكذلك هجوم بثلاث سيارات مفخخة على مجمع سكني بالرياض تقطنه غالبية غربية في مايو عام 2003م اسفر عن مقتل 26 شخصاً إضافة إلى مقتل تسعة من المهاجمين. ثم هجوم بشاحنة مفخخة استهدف مجمعاً سكنياً بالرياض في نوفمبر عام 2003م  اسفر عن سقوط 17 قتيلاً و100 جريح. كما قام التنظيم بهجوم بمدينة ينبع في الأول من مايو عام 2004م  خلف ستة قتلى غربيين .

ثم تبعه في نفس الشهر بهجوم ارهابي آخر  اقتحم فيه مجمعاً سكنياً في الخبر ويحتجز العشرات رهائن، أغلبهم موظفون في شركات نفط أجنبية، وخلفت العملية مقتل 19 غربياً وتمكن المهاجم من الفرار. في ديسمبر عام 2004م: هاجم تنظيم القاعدة في السعودية  مقر القنصلية الأميركية بمدينة جدة، وخلف الهجوم خمسة قتلى من عمال القنصلية إضافة إلى مقتل المهاجمين.

عمليات الفرع اليمني لتنظيم القاعدة

أما بالنسبة لفرع تنظيم القاعدة في اليمن  فلم يكن بالنشاط الذي كان عليه فرع التنظيم في السعودية حيث اقتصرت هجماته على بعض العمليات الصغيرة التي تتم خلالها مهاجمة أشخاص غربيين باستثناء الهجوم على المدمرة الأميركية كول في أكتوبر عام 2000م في خليج عدن الذي أسفر عن مقتل 17 جندياً أميركياً وإصابة 38 آخرين .

الا أن الولايات المتحدة ومن خلال عملاء المخابرات المركزية الأمريكية  اللذين يعملون في اليمن، تمكنت من قتل قائد سنان الحارثي، المعروف باسم أبو علي، عام 2002 ، وهو أحد المسؤولين عن تفجير المدمرة الأمريكية ، وذلك بإطلاق صاروخ من طائرة بدون طيار على السيارة التي كان يستقلها مع خمسة آخرين مشتبه بهم.  كما قام التنظيم في عام 2008 بالهجوم على السفارة الأميركية بصنعاء ، أدى إلى مقتل 16 شخصاً.

العمليات الارهابية بعد الاندماج

الا أنه بعد الاندماج تغير اسم التنظيم الى (تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية) وافتتح عملياته الارهابية  بمحاولة الاغتيال التي تعرض لها الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية السعودي في 28 أغسطس/ آب عام 2009م بمدينة جدة. كما حاول تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية تفجير طائرة أميركية في 25 ديسمبر/كانون الاول عام 2009م عندما كانت تقوم برحلة من أمستردام بهولندا إلى مدينة ديترويت بالولايات المتحدة قام بها النيجيري عمر الفاروق قبل أن يتم إحباطها.

وفي نهاية أكتوبر عام 2010م تم العثور في مطار دبي على طرود ملغومة في طائرة شحن متوجهة إلى الولايات المتحدة انطلاقاً من اليمن، تحتوي على متفجرات داخل طابعة من صنعاء إلى منظمتين يهوديتين في شيكاغو.واعتبر أنور العولقي الأمريكي المولد بأنه العقل المدبر لهذه العمليات وتم تصنيفه زعيماً للقاعدة في جزيرة العرب  ، وقد تمكن الولايات المتحدة من قتله في هجوم بطائرة بدون طيار في سبتمبر 2011.

كما قام  تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في ديسمبر 2013، بعملية اقتحام مستشفى العرضي الذي يقع داخل مجمع وزارة الدفاع اليمنية، متنكرين بلباس عسكري ويحملون أسلحة خفيفة ومتوسطة، غالبيتهم يحملون الجنسية السعودية، مما خلف 56 شخصا قتيل وإصابة 176 آخرين بجروح غالبيتهم من الأطباء والممرضات والمدنيين والاطفال ، مما أدى الى نقمة شعبية ازاء هذه المجزرة دفعت قاسم الريمي زعيم القاعدة الى اصدار  بيان يعتذر فيه عن مجزرة مستشفى العرضي.

في أبريل 2011، ظهر في اليمن تنظيم سلفي جهادي يقوده شخص يدعى عادل العباب داعيا” إلى القتال من أجل إقامة الشريعة (القانون الإسلامي) في اليمن. اطلق العباب اسم “أنصار الشريعة” على مجموعته ، ولكنه اعترف  لاحقا” بأنه جزء من القاعدة.

لقد شكل النشاط الارهابي المتصاعد لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية تهديدا” متصاعدا” للمصالح الامريكية بشكل عام في كل من اليمن والسعودية وكذلك تهديدا” للأمن والاستقرار في كل من اليمن والسعودية ، أكبر من فروع القاعدة في أفغانستان والعراق، مما دفع الدول الثلاث لتكثيف جهودها والتعاون من اجل التصدي للنشاط الارهابي لهذا التنظيم .

لذلك شنت كل من السعودية واليمن بالتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية عمليات عسكرية وامنية لمطاردة والتعقب لعناصر وقيادات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ، اسفرت في السعودية عن قتل الزعيم الثالث لتنظيم القاعدة في السعودية عبد العزيز المقرن وساعده الأيمن فيصل الدخيل، وكذلك تركي المطيري وإبراهيم الدريهم، في  يونيو 2004 .

تبعه قتل القائدان الكبيران: سعود حمود العتيبي زعيم تنظيم القاعدة في السعودية وعبدالكريم المجاطي في عام 2005،  وغيرها من العمليات التي استهدفت ملاحقة عناصر تنظيم القاعدة داخل الأراضي السعودية، مما دفع التنظيم الى الاعلان في نهاية 2008، عن فشله في حربه ضد المؤسسات الأمنية السعودية وطالب أتباعه بالتوجه إلى اليمن لتفادي الاعتقال من قبل المؤسسات الأمنية السعودية.

وبذلك انضم تنظيم القاعدة الفرع السعودي إلى الفرع اليمني ليكون الاندماج في يناير 2009 وكان نتيجة الاندماج تشكيل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. ساعد اندماج تنظيمي القاعدة في السعودية واليمن على اعطاء زخما” قويا” لعناصر التنظيم في معاودة نشاطهم وتوسيع رقعة نفوذهم في اليمن واتخاذه قاعدة انطلاق لشن عمليات ارهابية تمهيدا” لتأسيس امارة سلفية تابعة لتنظيم القاعدة في اليمن .

حيث نجح التنظيم بالاستيلاء على جزء كبير من الأراضي الجنوبية في أعقاب الثورة اليمنية في العام 2011. ثم نما وتوسّع من جديد بعد انطلاق الحملة العسكرية بقيادة السعودية ضد الحوثيين في آذار/مارس 2015، وبلغ أوج قوته في وقت لاحق من ذلك العام على إثر السيطرة على المكلا، خامس أكبر مدينة في اليمن، في أيلول/سبتمبر.

وقد تمكن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من استقطاب مجنّدين من الفصائل القبلية والسكان المحليين. في العام 2010، كانت التقديرات تشير إلى أن التنظيم يضم بضع مئات العناصر فقط، بيد أن أعدادهم سجّلت ارتفاعاً كبيراً لتبلغ 4000 بحلول العام 2017 – و6000 إلى 7000 بحلول العام 2018. يمتلك تنظيم القاعدة في جزيرة العرب حضوراً أقوى بالمقارنة مع المجموعات القتالية الأخرى مثل الدولة الإسلامية التي يُعتقَد أن عديد عناصرها يقتصر على بضع مئات فقط..

العلاقة بين تنظيم القاعدة في اليمن وتنظيم داعش الارهابي

أعلنت جماعة “مجاهدو اليمن” مبايعتهم تنظيم الدولة الإسلامية وزعيمه أبا بكر البغدادي في تسجيل صوتي بعنوان “البيعة اليمانية للدولة الإسلامية” في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2014 وبذلك سجل اول ظهور لتنظيم داعش الارهابي في اليمن .

وجماعة مجاهدو اليمن كانت قد انشقت عن تنظيم القاعدة في اليمن بعد أن حدثت خلافات داخل الأطر القيادية للقاعدة في اليمن حول مبايعة أبوبكر البغدادي، الذي كان – وعلى وقع انتصاراته السريعة والمتلاحقة- قد حول نفسه إلى مركز قيادة جديد ينافس القيادة العالمية للقاعدة بعد أن أعلن نفسه خليفة للمسلمين أواخر يونيو/حزيران 2014، سعيا إلى استقطاب واحتواء بقية فروع القاعدة في العالم.

وتشير التقارير المتيسرة إلى أن 80 عنصراً فقط هم من قاموا بإعلان فرع تنظيم داعش  في اليمن بقيادة “بلال الحربي” القيادي السعودي في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ليصل عددهم إلى 300 مقاتل في أواسط عام 2015. ويرجح حصول زيادة في أعداد أفراد التنظيم عام 2016 بعد التحاق حوالى 147 عنصراً سعودياً بالتنظيم في اليمن لسهولة الوصول إليها عبر الحدود اليمنية السعودية ، إضافة إلى التحاق مقاتلين أجانب عدة بالتنظيم أيضاً.

ويحتمل أن عدد المقاتلين قد وصل حتى نهاية عام 2017 إلى 500 مقاتل .  وقد شرع التنظيم في مطلع عام 2015 بالإعلان عن تبنيه سلسلة هجمات إرهابية في عدن وشبوة ، بلغت 33 عملية اغتيال وأربع هجمات بسيارات مفخخة، خلفت 34 قتيلا و43 مصابا، وذلك فقط خلال شهر يناير/كانون الثاني 2016. الا أنه سرعان ما ظهرت التوترات بين تنظيمي القاعدة وداعش في اليمن .

حيث وصل لدرجة الاقتتال في منتصف عام 2018، في منطقة “قيفة” في محافظة البيضاء وأسفر عن سقوط نحو 38 قتيلاً وعشرات الجرحى من الجانبين، ويعزى اسباب التوترات والخلاف بين التنظيمين الارهابيين، لأسباب عدة ترتبط بنوعية العدو المستهدف والاستراتيجية المتبعة في مواجهته.

علاوة على اختلافات فقهية وفكرية بين التنظيمين، وذلك برغم تقاسمها الأهداف المتوخاة من ذلك. وهذه الخلافات والتوترات بين التنظيمين في اليمن هي في الحقيقة امتداد للخلاف بين ايمن الظاهري  وابو بكر البغدادي الذي تفاقم عام 2013 حين أصدر الظواهري أمره للبغدادي بالامتثال لقيادة التنظيم العالمي .

وفي مطلع عام 2014 اندلع القتال بين التنظيمين وعلى إثره أنهى الظواهري رسميا علاقات “القاعدة” بـ”الدولة الاسلامية” التي أعادت تسمية نفسها بـ”الدولة الاسلامية في العراق والشام” وباتت تعرف اختصارا بـ”داعش”. الا ان هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا في عامي 2017 و2018 دعت الكثير من عناصر تنظيم داعش في اليمن للعودة والالتحاق بتنظيم القاعدة مرة اخرى .

الحرب ضد تنظيم القاعدة في اليمن

استنادا” لما سبق فان الحرب ضد تنظيم القاعدة في اليمن ، كان لابد لها ان تتخذ  شكلا” اوسع مما كانت عليه في السعودية ، حيث شن الجيش اليمني والاجهزة الامنية اليمنية بالتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية، عدد من العمليات العسكرية والامنية غطت مساحات جغرافية واسعة على خريطة الدولة اليمنية . كان منها على سبيل المثال عملية ضربة في الرأس في مدينة صعدة في عام 2010 ، وقتل فيها زعيم القاعدة عبد الله بن المحضار .

كما جرت معارك مع عناصر التنظيم في مدينة  لودر عام  2010 ومعركة قرية الحوطة في نفس العام .كما اشتبكت قوات يمنية مع عناصر القاعدة في عام 2011 في مدينة زنجبار قتل ما يقرب من 800 شخص من كلا الطرفين،  وهاتان المنطقتان (لودر وزنجبار) شهدتا سيطرة متبادلة بين تنظيم القاعدة والجيش اليمني للفترات اللاحقة حيث لم تتوقف الاشتباكات بينهما مما يؤشر مدى قوة وشراسة تنظيم القاعدة في اليمن .

وكانت جماعة انصار الشريعة المرتبطة بالقاعدة لها اليد الطولى والابرز في الاشتباكات والهجمات التي حصلت ضد الجيش اليمني في معارك لاحقة في ابين ورداع  وزنجبار المكلا خصوصا” في عامي 2012 و2013 .

استخدام الطائرات المسيرة بدون طيار

نجحت استراتيجية البنتاغون في استخدام الطائرات المسيرة بدون طيار في تصفية عدد كبير من ابرز قيادات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب . وكان من ابرز هذه القيادات  (ناصر عبد الحكيم الوحيشي) ، الملقب بأبو صير، أبرز قادة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي قتل اثر غارة أمريكية قامت بقتله بعد ثلاثة أيام من الهجوم على مدينة المكلا عاصمة حضرموت شرق اليمن، ويعد الوحيشي الرجل الثاني في التنظيم العالمي، كما شغل منصب السكرتير الخاص لأسامة بن لادن.

وجاءت عملية استهدف “الوحيشي” بعد تكثيف الطائرات الأمريكية لقتل قادة التنظيم في “المكلا” عقب سيطرة “أنصار الشريعة” فرع القاعدة في اليمن. ثم توالى مسلسل قتل العديد من قادة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب المتمركزين في اليمن من أمثال (أبراهيم العدني) الذي قتل بواسطة طائرة امريكية مسيرة وكذلك (عبد الرؤف الذهب) الذي قتل اثر انزال امريكي في قرية رداه .

كما قتل بعده (سلطان الذهب) الذي يعد من ابرز قادة التنظيم الارهابي في اليمن في سبتمبر 2013، بغارة جوية لطائرة أميركية بدون طيار شنتها على سيارة كان يستقلها الذهب ومرافقوه، في منطقة المناسح التابعة لمديرية رادع.وفي نوفمبر 2014 قتل القيادي في تنظيم القاعدة في اليمن  (شوقي البعداني – منشد التنظيم الأول)، بغارة أمريكية بطائرة بدون طيار في البيضاء.

أما السعودي (إبراهيم الربيش) أحد المتهمين بعملية الاغتيال الفاشلة للأمير محمد بن نايف عبدالعزيز مساعد وزير الداخلية 2009 فقد قتل هو الآخر اثر غارة امريكية لطائرة بدون طيار في اليمن في أبريل/نيسان 2015 .كما قتل في اليمن ايضا” اثر غارة امريكية مسيرة في الخامس من فبراير/شباط 2015، في محافظة شبوة (  حارث النضاري ) منفذ هجوم شارل ابيدو في باريس ويعتبر “النضاري” أبرز المفتين بالتنظيم في اليمن، وهو ما جعله يتمتع بنفوذ كبير.

وقد شهد عام 2015  بغارات امريكية بطائرات مسيرة في المكلا وحدها ، تصفية كل من القيادي البارز( خالد باقعيطي)، و ( مأمون عبد الحميد حاتم) ، و( أبو حفص المصري) .أما بمحافظة أبين جنوبي اليمن، فقد قتل ايضا” القائد في تنظيم القاعدة (جلال بلعيدي) الملقب بـ”أبو حمزة الزنجباري”، مع اثنين من مرافقيه ، في غارة جوية أمريكية.

أما السعودي (سعيد الشهري) أو “أبو سفيان الأزدي” ، الذي يعتبر من قادة تنظيم القاعدة العالمي وكان على صلة وثيقة بأسامة بن لادن ومن بعد بأيمن الظواهري ، فقد قتل الشهري بعملية نفذتها طائرة أميركية من دون طيار بتاريخ 16 تموز/يوليو2013. كما نجحت الطائرات المسيرة الامريكية في مايو/أيار 2015 بقتل القيادي في تنظيم القاعدة  “نصر الآنسي”، الشخصية المؤثرة في التنظيم، والذي يقول عنه خبراء، أنه لم يكن منظراً عقائدياً للتنظيم، بل خبيراً عسكرياً.

استراتيجية تنظيم القاعدة في جزيرة العرب

تقوم استراتيجية تنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» على خلق المجال العملياتي الذي يحتاجه لإعادة بناء تنظيماته وتوسيع حواضنه الاجتماعية ، من خلال ، شن حملة اغتيالات منسقة ضد مسؤولين يمنيين في أجهزة الأمن والجيش والاستخبارات في المحافظات الذي ينشط بها بشكل أكبر، مثل أبين وشبوة ومأرب وحضرموت والجوف والبيضاء.

أسفرت حملة الاغتيالات عن مقتل أكثر من تسعين شخص من المسؤولين وقادة القبائل اليمنيين؛ وكالعادة تم تنفيذها من خلال هجمات الدراجات النارية أو العمليات الانتحارية أو العبوات الناسفة.وقد تطلبت تلك العمليات معرفة بالروتين اليومي للضحايا والإعداد المسبق لفرق الاغتيال والمراقبة الدائمة للأهداف، الأمر الذي يشير إلى أن تنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية» يمتلك بنية تحتية منتشرة في أنحاء اليمن – تلك البنية الضخمة التي لم يكتشفها أفراد الاستخبارات.

وبالإضافة إلى ذلك، قام الـتنظيم بتوسيع جهوده لجمع الأموال (عن طريق السرقات والابتزاز والتهريب على سبيل المثال) واستخدم جهود الدعاية المختلفة لتخويف الناس وتثبيط حلفاء الحكومة المحليين والحفاظ على صورته العامة (على سبيل المثال، عن طريق النشرات والخطب والكتابة على الجدران).

وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدها التنظيم في الأعوام الماضية، الا أن تمكنه من المشاركة في الحرب الاهلية الدائرة في اليمن اليوم  مكنته من الحصول على دعم مالي وعسكري، وتحوله من مستهدف بالحرب إلى جزء منها. إضافة إلى استفادته دعائياً من سيطرة «أنصار الله» على محافظات شافعية، حيث حرص على تسويق معركته في سياق طائفي، سني شيعي، لاستقطاب أبناء القبائل.

عدا عن حصوله على أموال طائلة من عائدات ميناء المكلا أثناء سيطرته على عاصمة محافظة حضرموت طوال 15 شهراً.إلى جانب ذلك كله، فإن استمرار الحرب السعودية في اليمن مكسب في حد ذاته، على اعتبار أن التنظيم ليس هدفاً لها . وعليه فانه من الواضح ان استراتيجية تنظيم القاعدة في جزيرة العرب  باتت تركز بصورة أكبر على الأهداف الداخلية، وتكييف استراتيجيته بهدف استقطاب اليمنيين المحرومين، بالإضافة إلى التعاون مع الفصائل القبلية المحلية.

ففي حين أن التنظيم لا يزال يطبّق أيديولوجية القاعدة السلفية المتشددة، بما في ذلك فرض قانون جزائي إسلامي في محافظة أبين، محاولا” إظهار نفسه بصورة معتدلة بغية كسب ثقة اليمنيين ودعمهم ، فيما تستمر الدولة اليمنية في التفكّك، وتركّز الفصائل المتناحرة على الحل العسكري بدلاً من الحل الديبلوماسي. غالب الظن أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب سيواصل توسّعه واستغلاله للإحباطات اليمنية التي تزداد سوءاً بسبب الحرب التي ألحقت أضراراً بالبنى التحتية للدولة وساهمت في الأزمة الإنسانية المروّعة التي تتخبط فيها البلاد .

وهذا ما أكدته ، صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، التي رأت أن الحرب الأهلية الدائرة في اليمن «سمحت بعودة الجماعات الجهادية المسلحة، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، مشيرة إلى استغلال تلك التنظيمات لحالة «الفراغ الأمني والحكومي»، التي أعقبت التدخل العسكري من جانب «التحالف»، الذي تقوده السعودية منذ العام 2015.

وأردف التقرير، الذي أعدته الباحثة في جامعة «أوكسفورد»، إليزابيت كيندال، أن «الحيثيات المتعلقة بحملة مكافحة الإرهاب، وبالآثار الأوسع للحرب» الدائرة في اليمن، أفضت إلى «تمكين وتعزيز قوة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، والجماعات المسلحة الأخرى».

وبالحديث عن أوجه استفادة تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» من حرب اليمن، لفتت كيندال إلى نجاح التنظيم المتشدد في زيادة عديد عناصره وعتاده الحربي، منذ بدء الحرب في العام 2015، وذلك عبر استيلائه على معدات عسكرية (عائدة للجيش اليمني)، وإقدام مقاتليه على سرقة البنك المركزي، حتى نجح في أبريل من العام نفسه، في تأسيس «دولة أمر واقع»، في مناطق شرق اليمن، قبل أن يضطر للانسحاب منها في العام 2016، إثر هجوم نفذته قوات إماراتية، بدعم أمريكي.

استنتاج نهائي

في حال ظلّ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يُقدِّم نفسه في صورة الفريق الذي يساهم في استتباب الوضع اليمني ، فسوف تكون للتنظيم الإرهابي قاعدة دعم محتملة أكبر حجماً مما هي عليه الان لاسيما وان اعداد كبيرة من تنظيم الدولة (داعش) في اليمن قد انشق عن التنظيم وانظم الى القاعدة في جزيرة العرب في اليمن .

ولذلك فان مراقبين تابعين للأمم المتحدة كشفوا في تقرير لهم رفع الى مجلس الامن أن تنظيم القاعدة لا يزال “صامدا بشكل ملفت”، ويشكل خطرا أكبر من تنظيم داعش في بعض المناطق . ويوضح التقرير، أن فرع القاعدة في اليمن يشكل مركزا للتواصل لمجمل التنظيم.

ولذلك فإننا نتوقع أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب  المتمركز في اليمن ، سيشكل تهديدا” كبيرا” لأمن واستقرار الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي كما سيشكل تهديدا” حقيقيا” لأمن الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الاحمر وبحر العرب في المستقبل خصوصا” بعد تراجع نشاط بقية تنظيمات السلفية الجهادية في العراق وسوريا وليبيا وغيرها من الدول التي كان ينشط بها تنظيم داعش الارهابي .

رابط مختصر:https://www.europarabct.com/?p=49921

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

emadallow@yahoo.com

اللواء الركن الدكتور عماد علوّ

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق