المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
تهديدات إيران لأوروبا وتدابير المواجهة
رغم حرص أوروبا على أن تنأى بنفسها بعيدًا، عن التوترات الراهنة بين واشنطن وتل أبيب من ناحية وطهران من ناحية أخرى، إلا أنها ستظل هدفًا محتملًا لإيران، التي سعت على مدار سنوات لنشر شبكات التجسس، وتجنيد عملاء لصالحها، على أراضي أوروبا. ومع شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما المفاجئة ضد إيران، في 28 فبراير 2026، انهارت الثقة تمامًا بين أطراف الصراع، ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على العلاقة بين أوروبا وطهران، ويجعل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية بأوروبا في مرمى الهجمات الإيرانية، في حال تصاعد المواجهات العسكرية الفترة المقبلة.
التهديدات الصاروخية
ـ مدى الصواريخ: رغم تركيز الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على مواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية منذ 28 فبراير 2026، فإن الهجمات الصاروخية الإيرانية لم تتوقف. وشهدت تحولًا تكتيكًيا ولجأت إيران لإطلاق صواريخ بعيدة المدى من عمق أراضيها، بعد أن ألحقت الغارات الجوية في بداية الحرب خسائر فادحة، بالقواعد الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ. تشير التقديرات إلى أن إيران تطلق عددًا أقل بكثير من الصواريخ، بمعدل (12) صاروخًا يوميًا، ولكن اختلفت الأهداف، ووجهتها لأهداف أقل تحصينًا في إسرائيل ودول الخليج، ما نتج عنه أضرارًا أكبر.
يقول الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، إن “إيران لا تشن هجمات واسعة النطاق كما كانوا يفعلون في الأيام الأولى للحرب، ولكنها تحقق هدف محدد”. يشير مدير برنامج إيران بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بهنام بن طالبلو، إلى أن إنهاء الحرب مع تضرر ترسانة الصواريخ الإيرانية فقط، يعني إمكانية إعادة بنائها بمرور الوقت، مع استخراج الصواريخ من القواعد تحت الأرض. وتقول الباحثة غير المقيمة ببرنامج السياسة النووية بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي “نيكول غراجيفسكي”، إن “الضربات المتكررة على مقر قيادة الصواريخ قرب مدينة يزد، والتي تحمل رأسًا حربيًا، ويبلغ مداه أكثر من (1200) ميل، تشير إلى قدرة إيران للتكييف مع الغارات الجوية”. تمثل مدينة “يزد” الصحراوية هدفًا صعبًا، حيث حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل استهدافها في حرب الـ (12) يومًا، والحرب الحالية أيضًا.
يشير القائد الأعلى للقوات الأمريكية بالمنطقة، الأدميرال براد كوبر، إلى أن بلاده قصفت (10) آلاف هدفًا في إيران، وقصفت إسرائيل آلافًا أخرى، ما أدى لانخفاض معدلات إطلاق الصواريخ والمسيرات الإيرانية، بأكثر من (90%)، وتدمير أكثر من ثلثي منشآت الصواريخ والمسيرات والسفن الحربية الإيرانية. وأعلنت إسرائيل، تدمير أو تعطيل نحو (330) منصة إطلاق صواريخ متنقلة من أصل (470) منصة إيرانية. لكن أطلقت إيران صواريخ “خرمشهر”، ذات المدى الأطول والحمولة الأثقل في ترسانتها، في 21 مارس 2026، على مدينتي ديمونا وعراد بإسرائيل. ترى الباحثة بمركز ستيمسون “كيلي غريكو”، أن وتيرة الضربات الإيرانية تصاعدت عن ما كانت عليه في بداية الحرب، لامتلاك إيران مراكز قيادة صواريخ مستقلة في أنحاء البلاد، ويكفي كل مركز إطلاق صاروخ أو اثنين يوميًا للحفاظ على المعدل الحالي.
قبل الحرب، كان لدى إيران أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية بالشرق الأوسط، بحسب مكتب مدير وكالة الاستخبارات الوطنية الأمريكية. وقدرت إسرائيل امتلاك إيران (2500) صاروخ باليستي قبل الحرب. بينما تحدث محللون آخرون عن (6) آلاف صاروخ. أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية، أن الترسانة تضم صواريخ من أنواع مختلفة، يصل مداها إلى (2000) كم قادرة على ضرب إسرائيل، وبسرعات تصل إلى (17) ألف كم/الساعة. عملت إيران على تطوير برنامجها الصاروخي لسنوات، ليشمل أنظمة “فاتح” و”شهاب-2″ و”ذو الفقار”، ويبلغ مداها (800) كم، ورغم أن هذا المدى غير كافٍ لاستهداف إسرائيل، لكن اعتمدت على وكلائها بالمنطقة في هذه الضربات، وصواريخ باليستية متوسطة المدى مثل “شهاب-3″، وسجيل” و”خرمشهر”، ليصل مداها (2000) كم.
ـ القدرة على الوصول إلى أوروبا: إن استهداف إيران، في 20 مارس 2026، لجزيرة “دييغو غارسيا” بالمحيط الهندي، والتي تضم قاعدة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، وتقع على بعد حوالي (4) ألف كيلومتر من أراضيها. جرس إنذار لدول أوروبا. ويقول مدير مركز مبادرات الأمن القومي وأستاذ علوم هندسة الطيران والفضاء بجامعة كولورادو بولدر، “إيان بويد”، “مدى الصاروخ يقارب ضعف أقصى مدى أعلنت عنه إيران لصواريخها الباليستية، وتقع أجزاء من أوروبا الغربية ضمن دائرة نصف قطرها (4) آلاف كم من إيران”، مشيرًا إلى احتمالية تطوير إيران نوعًا من الصواريخ لديها، ربما صاروخ خرمشهر، ما يجعله تحديًا كبيرًا لأوروبا.
صمود ترسانة الصواريخ الإيرانية أمام الضربات الأمريكية الإسرائيلية، يشير إلى أن قدراتها تمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. إذ حذرت الخبيرة في الشؤون الإيرانية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، جاناتان سايه، من قدرات طهران التي قد تصل للمملكة المتحدة، منوهة إلى أن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، قد استُخدمت على الأراضي الأوروبية عبر روسيا، لكن الفرق الآن هو أن النظام الإيراني يستطيع إطلاقها مباشرة من أراضيه. رغم عدم نجاح الضربة على القاعدة الأمريكية البريطانية، فإنها تشير إلى تحول الصراع من الحدود الإقليمية إلى أبعد من ذلك. يوضح خبير الدفاع بمعهد واشنطن للشرق الأدنى، فرزين نديمي، أن إيران تمتلك منذ فترة طويلة القدرة التقنية، على توسيع مدى صواريخها، من حيث تعديل الحمولة وتكنولوجيا الإطلاق الفضائي ذات الاستخدام المزدوج، مرجحًا وضع ما يسمى باسم “مدينة الصواريخ” بالقرب من البنية التحتية المدنية.
يوضح سام لير، الباحث المشارك في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، أن مركبات إطلاق الصواريخ الفضائية الإيرانية، مثل “صاروخ قائم -100” الذي يعمل بالوقود الصلب التابع للحرس الثوري الإيراني، يمكنه الوصول لمدى أطول من قوة الصواريخ الإقليمية الخاصة به، إذا تم استخدامه في عملية الإطلاق الباليستية بدلًا من استخدامه كمركبة إطلاق فضائي. يقول جيفري لويس، الباحث المتميز في مجال الأمن العالمي بكلية ميدلبوري، إن “إيران كانت تعمل على تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، تم إعادة توجيهه للإطلاق من الفضاء، ولكن كان المرشد الإيراني آنذاك، علي خامنئي، قد فرض حدًا أقصى يبلغ (2000) كم، في 2017، وكانوا ينتظرون تغيير خامنئي رأيه أو أن يرحل، وهو الآن قد رحل”. ويرجح تريتا باريس، المؤسس المشارك لمعهد كوينسي للحكم المسؤول، أن الأراضي الأمريكية آمنة من ضربات إيران، ما يجعل أراضي الدول الأوروبية مثل بريطانيا ورومانيا، التي سمحت لواشنطن باستخدام قواعدها العسكرية، في مرمى الهجمات الإيرانية. خلايا الاستخبارات الإيرانية في أوروبا … التهديدات والتداعيات الأمنية في ظل حرب إيران
التهديدات الاستخباراتية
ـ شبكات التجسس: كشف المدير العام لجهاز الأمن الداخلي البريطاني “MI5″، كين ماكالوم، في 16 أكتوبر 2024، أن السلطات تعاملت منذ يناير 2022، مع (20) مؤامرة مدعومة من إيران تستهدف المواطنين والمقيمين ببريطانيا. وقبلها كشف محققون في ألمانيا وفرنسا، أن عملاء إيرانيين يعملون عبر تجار مخدرات أوروبيين مقيمين بإيران، استأجروا مجرمين أوروبيين لمراقبة اليهود في باريس وميونيخ. في الفترة (2021-2024) وقعت (54) عملية استهداف لمعارضين إيرانيين ودبلوماسيين إسرائيليين ومؤسسات يهودية في أوروبا. أشارت صحيفة “دي فيلت” الألمانية، في 10 ديسمبر 2025، إلى تجنيد المعارضين بألمانيا كمخبرين عن طريق ابتزاز أقاربهم بإيران، ويُطلب منهم حضور فعاليات وتجمعات للمعارضة الإيرانية بألمانيا. وسجل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، (79) حالة تجسس بهذا النهج في 2025. أكد المكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور “BfV”، ارتفاع حاد لأنشطة التجسس الإيرانية، باستهداف المعارضة وخاصة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
نوهت السلطات الألمانية، في 17 مارس 2026، إلى محاولة أجهزة المخابرات الإيرانية للتجسس على أبناء الجالية الإيرانية بالخارج، ومعارضي نظام طهران بألمانيا. قال المكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور، إن وزارة الاستخبارات الإيرانية وفيلق القدس ومنظمة استخبارات الحرس الثوري، تراقب التجمعات وتحاول تحديد المعارضين. تلجأ الاستخبارات الإيرانية لتطبيق “واتساب” في العديد من محاولات التجسس وتجنيد العملاء. يرى رئيس لجنة الرقابة البرلمانية على أجهزة المخابرات الفيدرالية “مارك هنريشمان”، أن النظام الإيراني يخوض معركة شرسة من أجل البقاء، بمد أذرعه لما هو أبعد من حدوده. أبلغت صحيفة “التلغراف”، في 28 مارس 2026، أن إيران تستغل البيئة المتساهلة في بريطانيا كقاعدة لحملاتها الاستخباراتية. وتم اتهام قناة “برس تي في”، الناطقة باللغة الإنجليزية التابعة لهيئة الإذاعة والتليفزيون الإيرانية الرسمية، ولديها استوديو بلندن واجهة لتجنيد العملاء. وأشارت تقارير إلى أن القناة أنشأت فعليًا قائمة بأهداف لأشخاص، عبر تقاريرها عن الجمعيات الخيرية اليهودية والمدارس والمنظمات المجتمعية. قد وجهت محكمة “وستمنستر” الجزئية تهمة التجسس، لصالح طهران لرجلين إيرانيين بعد أن زُعم أنهما قاما بمراقبة عدائية، للسفارة الإسرائيلية وأقدم كنيس يهودي ببريطانيا.
ـ العمليات السيبرانية: تخشى الحكومات الأوروبية من تصاعد الهجمات الإلكترونية عقب الحرب، وفي 5 مارس 2026، أعلنت بولندا، أنها تحقق بشأن هجوم إلكتروني فاشل مركزه الأبحاث النووية، شنته مجموعات قرصنة مرتبطة بإيران. في 10 مارس 2026، قالت السلطات الألبانية، إن مجموعة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، تمكنت من اختراق حسابات البريد الإلكتروني لأعضاء البرلمان. قد حذر جو روك، مدير شركة “Recorded Future” المتخصصة في الاستخبارات السيبرانية، من نوايا إيران وقدراتها على التهديدات السيبرانية. للمخترقين الإيرانيين سواء من داخل الحكومة أو من خارجها، تاريخًا في استهداف الحكومات والمؤسسات الأوروبية، بسرقة البيانات والتجسس والتضليل الإلكتروني، مما يجعل إيران ضمن (4) من خصوم رئيسيين لأوروبا في مجال الأمن السيبراني. وتعرض رئيس وفد البرلمان الأوروبي المعني بإيران، في 2025، لتجسس إلكتروني يعتقد أنه مرتبط بإيران. وحدد محلل الأمن السيبراني، نحو (12) مجموعة تهديد متطورة بأسماء غريبة ويعتقد أنها تعمل تحت السيطرة المباشرة لحكومة طهران.
بحسب ليواكيم فاغنر، المتحدث باسم وكالة الأمن السيبراني الألمانية “BSI”، فإن من المرجح أن تكون مجموعات القرصنة الإيرانية، موزعة عبر مناطق مختلفة وأن توجيه ضربة لمركز قيادة لا يزيل التهديدات السيبرانية الإيرانية. تكمن خطورة الهجمات السيبرانية الإيرانية، في الهجمات التلاعبية المعروفة بـ “الهندسة الاجتماعية”، وفقًا لتصريحات كلوتيلد بومونت، كبيرة محللي السياسات في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية. وأكد مارك مونتغمري، المدير الأول لمركز الابتكار السيبراني والتكنولوجي التابع لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن عمليات التأثير الإيرانية أكثر تطورًا من قدراتها على شن الهجمات الإلكترونية. قبل بداية الحرب، خضعت البنية التحتية الحيوية، والخدمات المالية والشبكات الحكومية، وتطبيقات الهواتف المحمولة، للتجسس الرقمي من قبل إيران، وتعد جماعات التهديد المستمرة الإيرانية، بما فيها “Seedworm”، و”APT34″، و” CyberAvengers”، مصدرًا للمخاوف في الغرب. أمن الملاحة البحرية، التجربة الأوروبية في حماية الممرات المائية خلال النزاعات
التهديدات غير التقليدية
ـ دعم الجماعات المسلحة: إن معاناة إيران من الضغوط وخسارتها لجزء كبير من شبكاتها بالمنطقة، لم تمنعها من دعم باقي الوكلاء المتبقين والجماعات المسلحة، يقول غريغ ر.كلاين أستاذ مساعد في معهد الأمن والشؤون العالمية بجامعة لايدن، إن الحوثيين في اليمن، وقوات الحشد الشعبي والمقاومة الإسلامية بالعراق، عناصر أساسية لإيران الآن، ونظرًا لأنه تم استخدامهم من قبل ضد أوروبا، فمن المتوقع حدوث ردود فعل على اغتيال المرشد الإيراني. أشار تقرير جهاز المخابرات الهولندي “AIVD” 2024، إلى تورط إيران في محاولة اغتيال ناشط إيراني من قبل أعضاء مشتبه بهم في شبكات إجرامية، ومحاولة اغتيال السياسي الإسباني أليخو فيدال كوادراس. وأثبت ادعاء محكمة ولاية “دوسلدورف” الألمانية، أن إيران رعت عضوًا سابقًا في جماعة “ملائكة الجحيم”، للتخطيط لهجوم كنيس يهودي في بوخوم. يوضح غريغ ر. كلاين، أنه من المثير للاهتمام، انطلاق نشاط تنظيم القاعدة من إيران، التي تدعمه أحيانًا بالأسلحة والتمويل، ورغم اختلاف الأيديولوجية بينهما، إلا أن عرقلة المصالح الأمريكية هدف يجمعهما، وبتولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الإيراني، الأكثر تشددًا من والده، فقد يكون منفتحًا على تسخير القاعدة كسلاح ضمن شبكته، وتزويدها بمواد لصنع متفجرات.
ـ الحرب الهجينة: بالتزامن مع الحرب الراهنة، عادت الشبكات الإرهابية الإيرانية للواجهة، وفي 8 مارس 2026، وقع انفجار خارج السفارة الأمريكية بأوسلو. في 9 مارس 2026، انفجرت قنبلة في كنيس يهودي بمدينة ليبج البلجيكية، والقت الشرطة البريطانية لمكافحة الإرهاب، القبض على (4) رجال إيرانيين للاشتباه في تجسسهم على مواقع يهودية. في 23 مارس 2026، أضرم مجهولون في لندن النيران، في (4) سيارات تابعة لخدمة إسعاف يهودية تطوعية. قد يعد هجوم أوسلو موجة من الهجمات المسلحة، ويحمل بصمات هجوم بالوكالة نفذته جماعة “فوكستروت” الإيرانية، التي ترتبط بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وتتلقى أوامرًا منها. ومنحت إيران لزعيم الجماعة ملاذًا آمنًا، وفي يونيو 2025، حذرت السفارة الأمريكية بالسويد، مواطنيها، من احتمالية استهداف إيران للمصالح الأمريكية هناك، باستخدام جماعة فوكستروت. تبنت جماعة تدعى “أصحاب اليمين الإسلامية” هجوم لييج، ونشرته عبر مقطع فيديو على قنوات “تليغرام” و”إكس” التابعة لمليشيات عراقية موالية لإيران. وبعدها تبنت هجمات أخرى في روتردام وأمستردام والمملكة المتحدة. بتحليل البصمة الرقمية لهذه الجماعة، واستغلالها لكلمات مفتاحية باللغة العربية والذكاء الاصطناعي، يرجح أنها جماعة جديدة تأسست لاستهداف مصالح أمريكية وإسرائيلية في أوروبا بعد الحرب. يشير هذا السلوك إلى تبني إيران التهديدات الهجينة كأداة لتحقيق مصالحها في الخارج، بتوجيه جماعة جديدة وتنفيذ سلسلة هجمات في توقيتات متقاربة في مدن أوروبية مختلفة، مع اعتمادها على جماعات إجرامية مثل “فوكتسروت” و”رومبا” في السويد لتنفيذ هجمات إرهابية.
التدابير الأوروبية
الدفاع الصاروخي: عززت أوروبا من أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي عبر عقد برامج واتفاقيات، وقد أطلقت دول الاتحاد الأوروبي مبادرة “مظلة سماء أوروبا”، لتبادل الوصول لأنظمة دفاع جوي متعددة. وقعت ألمانيا مع السويد في 23 يونيو 2025، عقدًا لشراء (7) بطاريات “IRIS-T SLM”، ومن المتوقع تسليمهم ما بين (2028-2030). وانضمت سويسرا في 22 يوليو 2025 للعقد، لشراء (5) بطاريات مماثلة تقدم أولها في (2027)، وتتميز هذه الأنظمة بالقدرة على اعتراض الصواريخ والطائرات على مدى متوسط، مدعومة برادارات متقدمة. في سبتمبر 2025، أعلنت الدنمارك عن خطة شاملة لشراء (8) بطاريات دفاع جوية متوسطة إلى بعيدة المدى، لنشرها بدءًا من 2028. خلال (2025-2026) أبرمت ألمانيا وهولندا ورومانيا، صفقات مع الولايات المتحدة، لشراء بطاريات باتريوت جديدة. نشر الناتو في 10 مارس 2026، بطارية باتريوت ثالثة، في قاعدة “إنجرليك” التركية بعد اعتراض صاروخ باليستي إيراني تم إطلاقه باتجاه المنطقة.
ـ التعاون الأمني: كثفت أوروبا من الإجراءات الأمنية والتعاون الاستخباراتي، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية في يناير 2026، اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لرصد مؤسسات إعلامية، ذات صلة بإيران، ولتنسيق الجهود لتعزيز قدرات أجهزة الشرطة لرصد الجرائم العابرة للحدود. حذرت وكالة “يوروبول”، في 5 مارس 2026، من خطر متزايد للإرهاب والجرائم المنظمة من منظمات مرتبطة بوكلاء إيران بالمنطقة. في 17 مارس 2026، أعلنت وزارة العدل الهولندية، أن بلادها تحقق في دور محتمل لإيران في تفجير كنيس بروتردام. اعتقل جهاز مكافحة الإرهاب البريطاني، في 25 مارس 2026، شخصين مشتبه بهما، لمحاولتهما إحراق سيارات إسعاف تابعة للجالية اليهودية في لندن. وفي 1 أبريل 2026، اعتقلت (3) آخرين في القضية نفسها.
ـ العقوبات والردع: فرضت بريطانيا، في 2 فبراير 2026، عقوبات على (10) مسؤولين إيرانيين وكيان ومنظمة، لدورهم في قمع الاحتجاجات. أدرج الاتحاد الأوروبي في 19 فبراير 2026، الحرس الثوري الإيراني، على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرض الاتحاد الأوروبي في مارس 2026، حظرًا على شركة “إيمينت” الإيرانية في مجال تكنولوجيا المعلومات، لاتهامها بشن هجمات إلكترونية ضد دول الاتحاد. عمل الاتحاد على توسيع قائمة الأفراد والكيانات المدرجة، وفي 16 مارس 2026، أضيف (16) شخصًا و(3) كيانات من بينهم، قيادات في الحرس الثوري الإيراني، وأجهزة أمن إيرانية، لقائمة العقوبات، ما يرفع إجمالي المدرجين إلى (263) فردًا و(53) كيانًا. حرب إيران ـ كيف تؤثر على مستوى التهديد الأمني في فرنسا وأوروبا؟
تقييم وقراءة مستقبلية
– إن مواصلة إيران لإطلاق صواريخ تجاه إسرائيل ودول الخليج، يعني أن هدف واشنطن وتل أبيب الرئيسي من الحرب لم يتحقق، وهو تدمير القدرات الصاروخية لإيران، ما يشير إلى احتمالية طول أمد الحرب إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا بريًا على الأراضي الإيرانية أو احتلت جزيرة “خرج” الإيرانية. وقد تلجأ إيران إلى تطوير أنواع الصواريخ واستخداماتها، لضرب أهداف أكثر عمقًا وأوسع بالمنطقة، وخاصة في وسط إسرائيل المنطقة الأضعف في التصدي للهجمات الإيرانية، ما يجعلها ثغرة أمنية تستغلها طهران الأيام المقبلة.
– رغم إعلان دول أوروبا بشكل صريح، عدم انخراطها في الصراع بين واشنطن وتل أبيب ضد طهران، ورفض بعض الدول مرور طائرات الإمدادات العسكرية الأمريكية لإسرائيل في مجالها الجوي، فإن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية بأوروبا، من الممكن أن تصبح عرضة للهجمات الإيرانية سواء بالهجمات الصاروخية أو السيبرانية، لإرسال رسالة لواشنطن، بأن العامل الجغرافي لن يمنع طهران من تهديد أمن واشنطن، وأن تضعها في مأزق مع أوروبا، وتمارس ضغطًا لإنهاء الحرب بشروط أمريكية محدودة.
– تمر العلاقات بين أوروبا وإيران بمرحلة معقدة، خاصة وأن أوروبا تحرص على التوازن في التصريحات والقرارات المتعلقة بحرب إيران، وفي المقابل تشكك إيران في الموقف الأوروبي، وترى أن موقف إسبانيا وبلجيكا لا يعبر عن الرؤية الأوروبية بصورة عامة، كما ستواجه أوروبا الفترة المقبلة، تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية جسيمة، جراء توسع دائرة الحرب وتصاعد الهجمات، ما سيدفعها إلى الضغط على واشنطن للتوصل إلى اتفاق لوقف الهجمات، سواء بالرفض للانضمام إلى التصعيد العسكري، أو بتقديم مسارات دبلوماسية للتهدئة.
– من المرجح أن سقوط النظام الإيراني، يزيد القلق الأوروبي، من وقوع إيران في فوضى، لاسيما وأن العلاقة بين المؤسسات الدينية والأمنية متشابكة، وقد يستغل تنظيم “داعش خراسان” هذه الظروف، للتمدد وتهديد الأمن الأوروبي، لأنه ينظر إلى إيران كدولة معادية على عكس تنظيم القاعدة، الذي تجمعه بعض المصالح بإيران حاليًا، وقد يعزز داعش من نفوذه في إيران، مما يضع أوروبا في مرمى أي هجمات إرهابية محتملة، في حال سقوط النظام الإيراني الآن.
– لا تشكل التهديدات الإلكترونية الإيرانية على أوروبا، خطورة في التوقيت الراهن على عكس السنوات السابقة، ويتعلق الأمر بانشغال إيران بإدارة قدراتها العسكرية وتطوير الصواريخ الباليستية، بصورة تتناسب مع مستجدات الحرب وأهدافها، لاسيما وأن البنية التحتية العسكرية والمدنية لإيران، تضررت بصورة كبيرة جراء ضربات واشنطن وتل أبيب، ما يرجح اعتماد طهران على شبكات التجسس والعملاء بأوروبا، كمحاولة لجمع المعلومات عن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، استعدادًا لأي تصعيد محتمل الأيام المقبلة.
– تمثل الحرب الهجينة من إيران، أخطر أنواع التهديدات لأمن أوروبا، لأنها تعتمد على جماعات متطرفة بجانب منظمات الجريمة المنظمة، ما قد يجعل التتبع مسألة شاقة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ويزيد من صعوبة التنبؤ بالسلوك الإجرامي وتداعياته.
– لاتزال أوروبا تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية، لمواجهة التهديدات الصاروخية الإيرانية والهجمات السيبرانية، والتهديدات القادمة من الوكلاء والجماعات المسلحة، ولكن ستظل التحديات أمام هذه الخطوة، نظرًا للعقبات القانونية والسياسية، بشأن توفير منظومة دفاع مشتركة، في ظل تباين قوانين وأولويات ميزانية كل دولة، وفقدان الثقة في واشنطن، بعد رفض أوروبا حرب إيران والانضمام لعملية عسكرية بمضيق هرمز.
– من المحتمل أن تسرع أوروبا من بناء صناعة دفاع مشتركة، ودعم أنظمة الدفاع الجوي، مع استمرار صناع القرار في الموازنة بين الردع العسكري والخطاب الدبلوماسي المتزن، لضمان أمن القارة من أي تهديدات إيرانية حالية ومستقبلية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116827
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Iran steps up cyberattacks against the West
Iranian External Operations in Europe: The Criminal Connection
Spies among us: Iran’s secret services threaten regime opponents in Germany
Iran launched missiles at US-UK military base in the Indian Ocean. Here’s what that says about its capabilities
