داعش والجهاديون

تنظيم “داعش” يعيد بناء صفوف منظومته الإعلامية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

مرصد الأزهر يدعو إلى التوقف عن الجزم بزوال الخطر الداعشي

العرب اللندنية ـ على مدار أشهر عمل الباحثون بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف على الإجابة عن جملة من الأسئلة التي تتعلق بالاستراتيجية الإعلامية لتنظيم داعش، ووقع توثيق نتائج هذا العمل البحثي في دراسة من جزأين، تضمنت إجابة عن تساؤلات تتعلق بمصير ووضع الآلة الإعلامية التي طالما اعتمد عليها التنظيم في استقطاب عناصره وكسب مناصرين.

واختير لهذه الدراسة عنوان “هل ترنحت الآلة الإعلامية لداعش؟”، وجاء تركيز الدراسة على الآلة الإعلامية الداعشية لتكون مفتاحًا للوصول إلى إجابات، وذلك لما تمثله هذه الآلة من أهمية ساهمت بشكل كبير في انتشار التنظيم وتضاعف أعداد المنضمين إليه. ومن يقرأ كلمات زعيم التنظيم أبوبكر البغدادي التي قال فيها “إن الجهاد الإعلامي هو نصف الجهاد”، يُدرك أن داعش ركز منذ بداية ظهوره -وحتى يومنا هذا- على الإعلام، واتخذه طريقًا لتحقيق مآربه.

في بداية العام الجاري 2018، وعقب سقوط التنظيم في مدينة الموصل العراقية وبعض المدن السورية بدأ داعش يعيد بناء صفوف منظومته الإعلامية، وبالفعل ظهرت علامات انتعاشٍ طفيفٍ فيها؛ فأعاد بناء معظم مواقعه الإلكترونية ومؤسسات الدعاية التابعة له خاصة في أفغانستان وباكستان، وبدأ في إصدار منتجاتٍ أكثرَ تحديثًا وأفضلَ جودة وإتقانا، ولكن هذا الانتعاش لا يعني – بأي حال من الأحوال- عودةَ وسائل الإعلام الداعشية إلى قوتها السابقة التي كانت عامي 2014 و2015.

“إن الجهاد الإعلامي هو نصف الجهاد”، كلمة قالها زعيم تنظيم داعش أبوبكر البغدادي، وهي تؤكد أن التنظيم صبَّ كلَّ تركيزه على الإعلام منذ بداية ظهوره حتى يومنا هذا، وخاصة في الفترة التي تلت سقوطه في العراق وسوريا، والدليل على ذلك محاولاته المستميتة لإبقاء آلته الإعلامية حيةً؛ فهذا بالنسبة له يمثل البقاء على قيد الحياة، ولذلك نجده يثبت وجوده من خلال نشر بعض المقاطع المصورة التي ما زال يتَّكئ عليها لإثبات وجوده.

ويؤكد مرصد الأزهر -على سبيل المثال- أن التنظيم قام بنشر الترجمة الأردية لمجلة “سنتِ خولة” الخاصة بالمرأة، والتي كانت تصدر باللغة الإنكليزية فقط، إضافة إلى ترجمته مجلتي “بَيتك” و”الأنفال” حيث تم إطلاقهما في نوفمبر من عام 2017 وبالتحديد في الفترة التي تلت سقوط التنظيم.

وبالنظر إلى هاتين المجلتين نجد أنهما متقنتان ومطبوعتان بالألوان، وتحتوي كل منهما على أخبار وتقارير تتناول النشاط التشغيلي لداعش، وانفوغرافيك عالي الجودة، ومقابلات مع كبار الشخصيات في داعش، ومقالات حول الفكر الجهادي.

إضافة إلى ما سبق أنتج داعش عقب سقوطه في العراق وسوريا العديد من مقاطع الفيديو، مثل إصداره في 18 مارس عام 2018 الذي حمل عنوان “تأسيس الدولة الإسلامية”، وهو من إنتاج مؤسسة “الفرقان”، ويأتي ضمن سلسلة فيديوهات بعنوان “الحياة”، ويتميز الفيديو بالدقة والجودة العالية، واستعان فيه التنظيم بأشهر الكلمات للرموز الجهادية التي تمثل المرجعية الفكرية لتنظيم داعش مثل أسامة بن لادن، وأنور العولقي، وأبويحيي الليبي، وأبوعمر البغدادي، وأبومصعب الزرقاوي.

وفي نهاية الفيديو وجه التنظيم رسالة للمجاهدين دعاهم فيها إلى تبني فكرة “العنف العشوائي”، وجاء مضمون الرسالة كالتالي: اصنع الإرهاب وافعله أينما كنت وفي أي مكان وفي أي وقت.كما نشر التنظيم مؤخرًا مقطعًا مرئيًا بعنوان “إليك أيها المناصر”، يحمل رسالةً واضحةً وقويةً إلى كل المؤمنين بفكره في أنحاء العالم بشحذ الهمم وتوجيه النظر نحو الحروب الإلكترونية.

وكانت هذه الرسالة واضحة في المشهد الذي تكرر كثيرًا في ذلك الإصدار والذي يأتي في صورة شاب لا تظهر ملامحه، بجواره جهاز لاب توب، ينتشر منه الضوء في الصورة كلها، في إشارة إلى أن هذا “السلاح الإلكتروني” سيكون بديلًا مؤقتًا عن السلاح العسكري والبشري، وتم التركيز في هذه الرسالة على أن النبي في الإسلام استخدم الإعلام كأداة قوية وفعالة في نشر الدين وذكر مثالًا على ذلك تمثل في الدور الذي كان يقوم به الصحابي حسان بن ثابت، مؤكدًا على أن أي نصر يحرزه الجهاديون على الأرض هو نصر أحرزه الإعلاميون الدواعش بالمشاركة كذلك.

وطلب إصدار “إليك أيها المناصر” من المناصرين والمؤمنين بفكره العكوفَ على مختلف مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر وترويج أفكار التنظيم لكسب أعضاء جدد، وفي خطوة جديدة حثَّ داعش أتباعه في هذا الإصدار على عدم تصديق الأخبار التي تنشر عن التنظيم إلا من خلال منصاته الإعلامية الرسمية التي ذكرها تحديدًا وتفصيلًا بالاسم، وغير خافٍ أن هذه الخطوة ما هي إلا محاولة بائسة من التنظيم ليحفظ لأتباعه تماسكهم النفسي بعدما حاقت بهم الهزائم الحسية والمعنوية على حد السواء.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا المقطع هو الأول من نوعه الذي يخاطب فيه التنظيم “المناصر”، بعد أن كانت استراتيجيته في توجيه خطاباته تستهدف بالدرجة الأولى أتباعه وأفراده، وفي هذا تأكيد واضح على ضعف وفقر التنظيم وقلة أفراده وأتباعه في الفترة الراهنة، وأنه بدأ بالفعل استراتيجية تجنيد واستقطاب أعضاء جدد يؤمنون بالفكر التكفيري. وجميع ما سبق يؤكد الرؤية الاستباقية التي أشار فيها مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، إلى أن داعش سينحسر على الأرض قليلًا؛ ليدشن نفسه إعلاميًا ويعود للظهور في بؤر أخرى غير التي هُزم فيها.

ويتابع مرصد الأزهر لمكافحة التطرف قضية مصير تنظيم داعش والتطورات التي يمر بها بكل اهتمام، انطلاقًا من المهمة التي أخذها على عاتقه منذ تأسيسه؛ فالمرصد لا يقتصر دوره على الرد على هذا الإطار الأيديولوجي الذي شكلته الجماعات المتطرفة وتقديم المعرفة الصحيحة حول هذه القضايا التي يستند عليها الإطار الفكري، ولكنه أيضًا يرصد تحركات هذه الجماعات، في محاولة استشراف مستقبلها من خلال كل ما يتم رصده ومتابعته على مدار الساعة.

ومن هنا، فإن المرصد يرى ضرورة التوقف قليلًا عن الجزم بزوال الخطر الداعشي؛ إذ أن هناك دلائل تشير إلى وجود المزيد من الأعمال الإجرامية في جعبة هذا التنظيم، ومن ثَمَّ فإن التريث وعدم القطع بزواله، وتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية على مستوى العالم، أمر ضروري من أجل عدم السماح للتنظيم بمفاجأة العالم بظهوره مرة أخرى في صورة جديدة.

كما يؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف على أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام في المعركة مع الإرهابيين، من ناحية التأثير في الجمهور وإقناعه، وهنا تظهر المسؤولية الكبرى التي تتحملها مختلف وسائل الإعلام في كيفية التعاطي مع ظاهرة التطرف والإرهاب من ناحية التغطية الإعلامية للأحداث الإرهابية، وعلى الإعلام أن ينتبه كي لا يصير ناقلًا لرسالة التنظيم الإرهابي من خلال بث مقاطع الرعب التي تحاول بها التنظيمات المتطرفة جذب المزيد من الأتباع.

كما يرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أهمية وضع استراتيجية إعلامية واضحة الملامح وهادفة إلى مكافحة التطرف والإرهاب من خلال تدريب العاملين بوسائل الإعلام خاصة مقدمي البرامج التلفزيونية على آليات التعامل مع القضايا المتعلقة بالإرهاب والأمن القومي بطريقة مهنية بعيدة عن الانفعالية والمبالغة والانسياق وراء الأيديولوجيا، ويؤكد المرصد على أهمية الرجوع إلى مصادر موثوقة قبل نشر أيّ أخبار تتعلق بالإرهاب.

رابط مختصر     https://wp.me/p8HDP0-c2C  

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق