اختر صفحة

اعداد: ميشيل حنا الحاج كاتب ومفكر عربي

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

احتمال تولي الذئاب المنفردة عام 2016، عمليات الارهاب الخارجي

من الواضح أن تنظيم القاعدة، سيظل مشغولا طوال عام 2016، وربما في بعض الأعوام التالية أيضا، بمحاولاته مقاومة القوات الأميركية والأفغانية التي تسعى للقضاء عليه وعلى تنظيم طالبان الذي يؤازرها ويقدم الحماية لها.

فالحرب الأميركية في أفغانستان والتي بدأت منذ عام 2001، لم تزل قائمة، ولا توجد تباشير لتحقيق نصر حاسم على هذين التنظيمين. وكل ما استطاعت القوات الأميركية أن تفعله، هو اجبار قوات هذين التنظيمين على الصعود الى أعالي الجبال الوعرة، اضافة الى التوقف توقفا شبه تام عن تنفيذ عمليات كبرى خارج أفغانستان، كما كان مألوفا في السابق من تنظيم القاعدة على الأقل، التي عرفت بعملياتها الخارجية الكبرى، كتفجير السفارتين الأميركيتين في افريقيا عام 1998، وكذلك البرجين في أميركا عام 2001.

والأمر كذلك بالنسبة للدولة الاسلامية “داعش”. فهي تواجه الآن حربا تشنها عليها الولايات المتحدة منذ منتصف عام 2014 ، ولكنها بدت الى حين حربا رحيمة وليست جدية، مما مكنها من مواصلة تنفيذ عمليات ارهابية خارجية دون أن تحول الحرب الأميركية ضدها، بينها وبين مواصلتها تنفيذ عمليات كهذه. وكان آخرها الهجمات في باريس في شهر تشرين ثاني 2015، وكذلك عملية التفجير في حافلة يستخدمها الحرس الرئاسي في تونس في العام ذاته، والتفجير في الضاحية الجنوبية في بيروت، في وقت سابق على عمليتي باريس وتونس، وغيرها من الغزوات (كما تسميها الدولة الاسلامية) الخارجية الداعشية.

الا أن هذه عمليات ربما كان قد خطط وأعد لها منذ فترة، أي قبل اشتداد الحرب على داعش في الربع الأخير من عام 2015، نتيجة التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، والذي بات يلاحق الارهابيين في القطر السوري بمنتهى الجدية. ويكفي أن نلاحظ بأن الطائرات السورية والروسية معا، باتت تنفذ يوميا ما يقارب أو يتجاوز الخمسين غلرة جوية في اليوم الواحد، والتي لوحظت بشكل واضح مؤخرا في الاغارات الكثيفة على الارهابيين من جبهة النصرة ومؤازريهم المتمترسين في مدينة “الشيخ مسكين”، وكذلك في اغارتهم على الدولة الاسلامية التي تواجدت الى حين في مدينة تدمر. فهذه الاغارات الروسية الكثيفة، مقارنة بما كان ينفذه التحالف الأميركي من تسع الى عشر غارات في اليوم، تشكل نقلة نوعية واضحة في كيفية التعامل الجدي مع الارهابيين وأنصارهم.

فالتنافس الذي بدأ في الربع الأخير من عام 2015، بين التحالف الأميركي والتحالف الروسي، ومحوره مقاتلة الارهابيين والارهاب، شكل نقطة تبدل نوعية وواضحة المعالم، قد لا تترك مجالا كبيرا لداعش مستقبلا، للاعداد ولتنفيذ عمليات ارهابية خارجية كبرى كما فعلت في السنتين السابقتين، أو على الأقل، في المحافظة على مستوى كم وحجم العمليات الكبرى الخارجية التي اعتادت تنفيذها في السنتين الماضيتين.

ومن أجل ذلك، قد تضطر الدولة الاسلامية، وخصوصا بعد انضمام فرنسا بشكل جدي الى التحالف المقاتل ضدها اثر هجمات باريس، وارسالها حاملة طائراتها التي تحمل اسم تشارلز ديغول الى المنطقة للمشاركة في العمليات العسكرية ضدها … للمحافظة على هيبتها العسكرية والظهور بمظهر القوي القادر على مجابهة كل الهجمات عليها رغم استفحالها، الى الاكتفاء وربما الاكثار من انتهاج أسلوبها المعتاد الموسوم بالكر والفر، اضافة الى نهج مفاجأة أعدائها بمهاجمة مناطق تتسم بالضعف ويمكن اجتياحها بسهولة.

وتجلى ذلك بوضوح في عام 2015، عندما باتت تواجه في “الرمادي” هجوما عراقيا قويا مؤازرا بغارات أميركية على تلك المدينة، في وقت تواجه فيه أيضا هجوما سوريا شرسا على مدينة تدمر ومن ثم “الشيخ مسكين” في سوريا. وهنا لجأت الى تنفيذ عملية ما، لكن في داخل مدينة الرمادي، اذ تظاهر بعض المقاتلين الداعشيين المتنكرين بالزي العسكري للجيش العراقي، بأنهم قد جاءوا لانقاذ بعض العائلات العراقية في أحد الأحياء في مدينة الرمادي، ولكنهم تحت هذا الغطاء، قاموا بقتل أفراد من عدة أسر سورية بلغ عدد ضحاياهم فيها أربعين أو أكثر. بل وقامت بعمل أكثر عنفا ومكرا، عندما انتقلوا من الدفاع الى الهجوم، فنفذوا هجوما مفاجئا على قاعدة للجيش العراقي في الأنبار، وهي قاعدة غير بعيدة عن مدينة الرمادي، وذلك بغية مشاغلة القوات العراقية التي تقوم بعملياتها داخل مدينة الرمادي.

وعلى الصعيد السوري، وتأكيدا على احتفاظهم بالقدرة على الحركة رغم ما يواجهونه من غارات في ادلب والشيخ مسكين، قاموا بتنفيذ هجوم انتحاري في القامشلي أدى الى مقتل ستة عشرة من الأكراد، كما هاجموا وسيطروا على جبل التركمان المحاذي للحدود التركية. وهذا وذاك يؤكدان على وجود مخططين عسكريين ذوي خبرة عالية في التخطيط والمناورة العسكرية في داخل ذاك التنظيم.

الا أن المرجح بأن انشغالهم بهذه الحرب ضدهم، والتي باتت الآن حربا شرسة جدية وتنافسية، ورغم ما يوجد لديهم من مخططين وخبراء… قد يحول هذا الانشغال بينهم وبين مواصلة القدرة على مواصلة التخطيط لتنفيذ عمليات ارهابية خارجية، على الأقل بالكم الذي كانت قد حققته في عام 2015 وشمل الهجوم على متحف باردو في تونس، وتفجير في تركيا، وعمليات أخرى كثيرة نفذتها الدولة الاسلامية هنا وهناك بما فيها عمليات انتحارية نفذت في السعودية، وأخرى في العراق، وثالثة في اليمن، وكان آخرها ما عرف بهجوم باريس. فكل من هذه العمليات، حصدت العديد من الأرواح البشرية، وبلغ عدد ضحايا بعضها المائة قتيل أو أكثر.

هل تقوم الذئاب المنفردة في عام 2016 بعمليات ارهابية نيابة عن الدولة الاسلامية؟

وأنا لست منجما أو متنبئا، ولكني أقول ما أكتبه هنا استنادا الى التحليل المنطقي والنتائج المعقولة والمتوقعة التي سوف يؤدي اليها هذا التنافس القائم الآن بين التحالفين الروسي والأميركي، والذي بدأت فرنسا الآن المشاركة فيه، والذي سوف يزيد من حرارة مطاردة الدولة الاسلامية زيادة ملحوظة، ويضيف مزيدا من السوء والحرج الى وضع الدولة الاسلامية السيء، وخصوصا اذا تحول هذا التنافس بينهما (أميركا وروسيا) بأعجوبة قد لا تكون مرجحة، الى تعاون وتنسيق مشترك بينهما يسعى حقا لانجاز هدف واحد، وهو القضاء على ارهاب الدولة الاسلامية، مما سيزيد من اضطرار تلك “الدولة” لاتخاذ موقع الدفاع والحرص على البقاء، تاركا لها فرصا أقل ومجالا أضعف للمناورة بعمليات خارجية أيضا…وان فعلت، فقد تكون عمليات محدودة، وأقل عددا وحجما وعنفا مما اعتدناه منها سابقا كما سبق ونوهت.

ومن هنا بات من المرجح أن يظهر احتمال تصاعد عدد العمليات التي تنفذها “الذئاب المنفردة” التي اقتنعت وتبنت أفكار الدولة الاسلامية، دون أن تنخرط في صفوفها، أو تنتمي الى عضويتها، رغم تبنيها بحرارة تامة وقناعة كبيرة، لأفكارها ومعتقداتها.

فملاحظة بعض المؤازرين عن بعد .. للدولة الاسلامية، والموصوفون بالذئاب المنفردة، للمعاناة التي تواجهها الدولة الاسلامية، مثلهم الأعلى.. في مرحلة التنافس بين عدة أطراف على مقاتلتها، ربما سيدفع بعضهم، من باب التضامن مع الدولة الاسلامية، لأن ينشطوا قريبا بشكل أوسع مما سبق، في محاولة للادلاء بدلوهم لملء الفراغ الذي أفرزته العمليات القتالية ضد التنظيم الذي تبنوا أفكاره، وآمنوا برؤيته ومعتقداته، وعاهدوا أنفسهم والله على نشرها واقناع الآخرين بأهميتها وضرورتها.

فكون ظروف الحرب القاهرة قد حدت، أو جمدت، من قدرات الدولة الاسلامية التي آمنوا بها وبمعتقداتها، على المضي قدما بالسير في مخططاتها لنشر تلك الدعوة التي أرادوا انتشارها لتعم أركان المعمورة كلها… قد تستدرج بعض الذئاب المنفردة للتفكير، مضطرين أو مندفعين بحمى معتقداتهم، بوجود حاجة باتت ماسة، لأن يقدموا على تنفيذ عمليات انفرادية من قبلهم، بديلا عن الدولة، في محاولة لملء الفراغ الذي تركه انشغال الدولة الاسلامية بمهماتها القتالية في داخل الميدان السوري والعراقي والليبي، بل واليمني أحيانا.

فبما أن الذئاب المنفردة، كما سبق وشرحت في الفصل السابق، هم مجموعة من الناس، الأغلب في سن الشباب أو المراهقة، اعتنقوا الأفكار والمعتقدات المتطرفة التي تنادي بها الدولة الاسلامية (والقاعدة من قبلها)، دون الانخراط فعليا أو رسميا في صفوف تنظيمها، ولكن صمموا على العمل انفراديا لنصرتها، قد لاحظوا الآن تراجع ومحدودية عمليات الدولة الاسلامية، أمهم الرؤوم، كما ونوعا… باتوا الآن أكثر اقتناعا (وحماسا) بأن عمليتهم المنفردة التي يتمنون ويتطلعون الى تنفيذها، أصبحت الآن من ناحية وسيلة ناجحة وضرورية لنشر تلك الدعوة التي آمنوا واقتنعوا بها، ومن ناحية أخرى وسيلة مثلى للابقاء على صوت تلك الدعوة مسموعا بعد اضطرار أمهم الرؤوم، أي الدولة الاسلامية، للصمت المحدود وربما المؤقت، نتيجة الظروف القاهرة التي تحيط بتلك الدولة العتيدة.

فاذا كان بعضهم قد التحق فعلا بصفوف تلك الدولة، وغادروا بلادهم للمشاركة فعليا وعمليا في القتال الى جانب مقاتلي الدولة المتواجدين في سوريا أو في العراق أو في ليبيا وربما في اليمن أيضا، فان البعض الآخر الذين لم يكونوا أقل رغبة في المشاركة الفعلية في القتال، لكن حالت ظروفهم الخاصة دون المشاركة فيه عمليا كما فعل الآخرون… قد يجدون أنفسهم الآن مندفعين، وخصوصا في ظروف انشغال مقاتلي الدولة الاسلامية في حربها ضد (الصليبيين) الجدد من أميركيين وروس وفرنسيين… نحو المشاركة في تلك الحرب بأساليبهم الخاصة، وقدراتهم الخاصة، وهم مقيمون في بلادهم، فيقدمون من تلقاء أنفسهم على تنفيذ عمليات ارهابية دون استلام تعليمات أو توجيهات من التنظيم … لعدم وجود اتصال ما به، بل وينفذونها دون الحاجة لاستلام دعم مادي (مالي) منها، أو مواد أولية يحتاجونها في تنفيذ ما يخططون له تطوعا ومن تلقاء أنفسهم، بدافع من العقيدة أو القناعة التي رسخت في عقولهم. وقد نفذ أولئك فعلا عدة عمليات منفردة خلال الأعوام 2013 و 2014، وذلك رغم ازدهار نشاط الدولة الاسلامية في تلك المرحلة، وعدم حاجتها الفعلية لدعم الذئاب المنفردة.

لكن عام 2015 كان عاما هادئا نسبيا ومبتعدا عن وقوع حوادث تنفذها الذئاب المنفردة، ربما نتيجة ملاحظة أولئك بأن داعش كانت تنفذ ما فيه الكفاية من العمليات الخارجية. اذ نفذت في بدايات عام 2015 هجومها الشهير على مجلة شارلي أبيدو، وآخر على متحف باردو في تونس، كما نفذت في 20 آذار عملية انتحارية في أحد جوامع اليمن، وتفجير آخر في وقت لاحق بأحد جوامع الكويت، ثم في مدينة “سوسة” بتونس، ثم في “ديالا” – عاصمة احدى المحافظات العراقية، وهجوم انتحاري آخر في الضاحية الجنوبية من بيروت نفذ في الثاني عشر من تشرين ثاني. وبعده بيوم أو يومين، نفذ الهجوم الكبير في باريس والذي أدى الى مقتل 130 مواطنا فرنسيا، وقد سبقت الاشارة تفصيلا الى بعض هذه العمليات.

ولكن عندما سكنت العمليات الخارجية للدولة الاسلامية لوقت قصير في الأيام الأخيرة لعام 2015، بعد ظهور العملية التنافسية بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي ، جاء دور الذئاب المنفردة للعودة الى العمل والنشاط.

ففي الثاني من كانون أول 2015، قبل انقضاء العام بأيام قليلة، وقع الهجوم المفاجىء وغير المتوقع والسابق ذكره، على مركز طبي في مدينة “بيرناردينو”، أحد مدن ولاية كاليفورنيا، أكبر الولايات الأميركية. وبطبيعة الحال، لم يكن هناك في حينه، ارتباط أكيد بين توقف العمليات الخارجية للدولة الاسلامية ازاء اشتداد العمليات العسكرية ضدها، … وتنفيذ هذه العملية الموصوفة بعملية ذئاب منفردة. فهو احتمال بدا باهتا في لحظاته الأولى، ولم يعززه الا جنوح الذئاب المنفردة لاحقا، لتنفيذ سلسلة طويلة من عملياتهم ضد أهداف غربية.

وفر المهاجمان للمركز الطبي في بيرناردينو، بعد أن قتلوا فيه 14 أميركيا وجرحوا 22 آخرين. ولكن شرطة الولاية لاحقتهما، وعند العثور عليهما، جرى تبادل لاطلاق النار مع شرطة الولاية، انتهى بمقتل المهاجمين، تاركين وراءهما طفلتهما التي أبقيت وحيدة في منزل والديها، الأمر الذي أثار دهشة الكثيرين. فكيف تخلى هذين الزوجين عن طفلتهما الوحيدة من أجل تحقيق أفكار دينية متشددة سيطرت تماما، كما يبدو، على عقليهما اللذين تخدرا بمفاهيم غير حضارية على الاطلاق.

 

*حقوق النشر محفوظة للمركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

ميشيل حنا الحاج