داعش والجهاديوندراساتمكافحة الإرهاب

تنظيم داعش عام 2018 العراق أنموذجا. بقلم الدكتور هشام الهاشمي

 كتب الدكتور هشام الهاشمي، خبير في الجماعات المتطرفة ومكافحة الإرهاب والتطرف ـ بغداد

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

منذ اكتوبر/تشرين الاول 2010، تنظيم داعش مرة بأربعة مراحل؛

ـ عام 2010 تجميع النواة الصلبة حول البغدادي،

ـ عام 2013 إعلان توحيد فرعي العراق والشام والانفصال عن القاعدة،

ـ عام 2014 كسر الحدود وإعلان بيعة الخلافة للبغدادي وتسمية حدود ارض الخلافة والتمكين.

ـ عام 2015 بدأ معارك التحرير بالضد من احتلال داعش في ارض التمكين وحتى نهاية عام 2017 اعلان هزيمتهم الكاملة في العراق و 98%‎ من سوريا 97%‎ من ليبيا و98‎%‎ من سيناء.

قبل اربع سنوات اعلن التحالف الدولي للقضاء على إمكانيات داعش العسكرية وطرده من المدن والقرى المكتضة بالسكان، وعرقلة تدفق هجرة المقاتلين الأجانب الى ارض الصرع، ومن ثم عرقلة العودة العكسية، وتجفيف منابع تمويل الإرهاب من رأس المال الثابت والمتحرك وفك شيفرة داعش في الادارة والمالية والقضاء كوادر ديوان المال والركاز والزكاة المركزي، واستهداف مراكز تطوير وتصنيع داعش العسكري والكيميائي، واستهداف قياداته من الصف الأول حيث تم قتل 42 قائدا مؤسسا من أصل 43 وهم النواة الصلبة، وقتل قرابة 79 قائدا من الصف الاول، واستبدال معظم القيادات الميدانية والوسطى في اكثر من هزيمة وقاطع عمليات، والقضاء على كوادر ووسائل ديوان الإعلام المركزي لداعش وخاصة “ابو محمد فرقان” الشهير بالدكتور وائل عادل حسن الفياض ومقتل “ابو محمد العدناني” طه صبحي فلاحة، واستهداف اهم قيادات اللجنة المفوضة في تنظيم داعش التي تعتبر بمثابة رئاسة الوزراء حيث قتل رئيس اللجنة المفوضة اياد عبد الرحمن العبيدي(أبو صالح حيفا) ونائبه اياد حامد محل الجميلي (أبو يحيى العراقي)، وتم تسنيم هذه المهمة لعناصر اقل قيمة تاريخية وكارزمة وخبرة إدارية وامنية ومالية وتنظيمية، وهمال مشتاق طالب الجنابي(أبو عمر اوجبار90) ويساعده أنور حمد الجنابي(الملقب حجي عارف)..

منذ نيسان/ابريل 2013 أصدر تنظيم داعش 104 إصدارا مرئيا وصوتيا ولكنه قدم إصدارًا مرئيًّا من نوع مختلف (صرح الخلافة)، يحمل في مضمونه الهيكلية المؤسساتية للتنظيم، الأكثر راديكالية بين التنظيمات الإسلامية المتشددة، محاولًا إظهار طريقة حكم الخلافة واللامركزية في الإسلام الأصل، وهو ما أكده المعلق على الإصدار بقوله “لا يتسنى للخليفة مباشرة جميع أعمال الدولة بمفرد فذاك أمر متعذر لا بد من المعين”.

تضمن الإصدار من حديث عن الهيكلية التنظيمية، يبدأ الإصدار بافتتاحية الهيكلية من متزعمه “أبو بكر البغدادي”، تلاه “مجلس الشورى”، ومن ثم “اللجنة المفوضة” التي تتلقى أوامرها من الهيئة السابقة، أي مجلس الشورى.

بحسب الإصدار، الذي تبلغ مدته الزمنية أربعة عشرة دقيقة وثمانية وخمسون ثانية، تشرف “اللجنة المفوضة”، على ما يسمى بـ”المكاتب والهيئات”، التي تضم خمسة مكاتب، والتي تتابع عمل الدواوين الأربعة عشر، أما بالنسبة لأماكن تواجد التنظيم، فأنه يتحدث عن تواجده في 35 مدينة، عرفها باسم “الولايات”، وقسمها إلى تسعة عشرة “ولاية” في سوريا والعراق، مستخدمًا وصف العراق والشام طبعًا، و16 “ولاية” في دول أخرى.

وجاء ترتيب الأماكن التي يتواجد فيها التنظيم في سوريا والعراق هي “الجزيرة، البركة، الخير، الرقة، دمشق، حلب، حمص، حماة، الفرات” عام 2018 اختزلها بولاية الشام.

“بغداد، الأنبار، صلاح الدين، الفلوجة، ديالى، شمال بغداد، الجنوب، نينوى، كركوك، دجلة” اختزلها عام 2018 بولاية العراق.

فيما ضمت الأماكن الأخرى مناطق “نجد، الحجاز، سيناء، برقة، طرابلس، فزان، الجزائر، غرب إفريقيا، اللواء الأخضر، خراسان، القوقاز، عدن، أبين، شبوة، حضرموت، صنعاء، البيضاء” اختزلها بأربع ولايات؛ ولاية خراسان فيها (اقل من 1000 مقاتلا ناشطا وقرابة 4000 مقاتلا خاملا)، وولاية غرب افريقيا( فيها قرابة 3000مقاتلا ناشطا وقرابة 12000 مقاتلا خاملا)، وولاية الحرمين واليمن( فيها اقل من  500مقاتلا ناشطا وقرابة 2000 مقاتلا خاملا)، ولاية سيناء (فيها اقل من 200 مقاتلا وقرابة 800 مقاتلا خاملا).

في عام 2018 بدا لنا أن ارض الخلافة اختفت تقريباً عدا جيب مناطق في شرق الفرات “السوسة والشعفة والهجين” في سورية، وأصبحت التقديرات تؤشر ان المقاتلين النشطين في تنظيم داعش/ ولاية العراق قرابة 2000 مقاتلا وفِي معيتهم من الدعم اللوجستي قرابة 8000 مقاتلا خاملا “خلايا نائمة عسكريا” في سورية هناك قرابة 3000 مقاتلا ناشطا وفِي معيتهم من الدعم اللوجستي قرابة 12000 مقاتلا خاملاً.

وبحسب تقارير نشرتها الفورن بولسي وصحف اقتصادية غربية تهتم في اقتصاد الحرب؛ الذروة المالية لتنظيم داعش (حزيران/يونيو 2015-آذار/مارس 2015) داعش استولت على قرابة 5.5 الى7 مليار دولار امريكي من صادرات النفط وودائع البنوك وبيع السلاح وتهريب الآثار ومصادرة المعدات والأملاك الحكومية واخذ الأتاوات وبيع المخدرات وفرض الضرائب والزكوات، المراقبون يؤكدون ان داعش نجحت في اخرج قرابة 700 مليون دولار عبر عمليات غسيل الأموال لشبكة الراوي” فواز محمد جبير الراوي” الى خارج العراق وسورية وليبيا وقامت باستثمارها بتجارات وصناعات وعقارات وتكنلوجيا.. واستثمارات أخرى مختلفة من أجل الانتفاع من أرباحها فيما بعد 2017، وايضاً نجحت في استثمار قرابة 400-600 مليون دولار في داخل العراق وسورية من أجل استعمالها كتمويل ذاتي في كل ولاية على حدة، وعلى هذا فأن داعش في عام 2018 لا تزال تستحوذ على قرابة 1.5-2 مليار دولار وهذا يؤكد مقولة أنها “أغنى تنظيم ارهابي في التاريخ الحديث”.

بحسب مراقبين أن الأمر قد يبدو وكأن داعش انسحبت ببساطة، لكن هذا بعيد كل البُعد عن الواقع فهي عادت الى العمل التنظيمي لعام 2010 حيث عادت من حيث بدأت (البحث عن تجميع نواة صلبة جديدة ومن ثم تمويل ذاتي وترتيب الاوراق والتربص بالثغرات الأمنية للعودة الى ارض التمكين والخلافة).

أن عدم موت او مقتل او القبض على مؤسس التنظيم يجعله الضامن لصموده في كتنظيم سري طويلا وبتكتيك (المقاتل الشبح) و(معارك الاذراع الطويلة) تحول نفسها من جماعة خلافة الأرض الى جماعة التمهيد لأرض الخلافة من جديد. وعندها سوف تدخل بعمليات انتقامية وثأرية من العشائر السنية والصحوات ومعارك متشابكة مع فصائل من المنتسبين لتنظيمات إسلامية سنية وشيعية، ثم استهداف القوات النظامية من المعسكرات والثكنات والمقرات الأمنية والسجون ورجال الاستخبارات والتحقيقات وصولا للقضاة، عمليات واسعة لن تسلم منها اوربا وامريكا من الجماعات المنتظمة ومن الأنصار كذائب منفردة انتشرت من جنوب شرق اوربا إلى شمال غرب اوربا.

في عام 2018 هيكلية داعش فقدت ال14 ديوانًا وهي بمثابة وزارت في مناطق سيطرته، وهي “ديوان القضاء والمظالم، ديوان الدعوة والمساجد، ديوان الجند، ديوان بيت المال، ديوان التعليم، ديوان الزراعة، ديوان الفيئ والغنائم، ديوان الحسبة، ديوان الزكاة، ديوان الأمن العام، ديوان الإعلام المركزي، ديوان الصحة، ديوان الركاز، ديوان الخدمات”. وبحسب اعترافات صدام الجمل (أبو رقية الانصاري) والدكتور إسماعيل العيثاوي (أبو زيد العراقي) وجعلت الهيكلية كالتالي بالنسبة للولايات المختزلة؛

-الوالي وهو نائب للبغدادي على تلك الولاية وعضو مجلس الشورى وعضو اللجنة المفوضة.

-وله ثلاثة نواب؛ نائب الوالي للمراكز الأمنية والاستخبارية والعسكرية والتصنيع والتطوير والبريد الخاص،

ونائب الوالي للمراكز الشرعية والقضاء والدعوة والمظالم والبيعة والمساجد والعشائر، ونائب الوالي للمراكز الخدمية والإعلامية والصحة والمالية والزكاة والضرائب.

-تقسم الولاية الى قواطع وبصلاحيات لامركزية يعطيها البغدادي للوالي.

وإلى جانب الدواوين، هناك هيئات ومكاتب رسمية، وهي: “هيئة الهجرة، هيئة شؤون الأسرى والشهداء، مكتب البحوث والدراسات، إدارة الولايات البعيدة، مكاتب العلاقات العامة والعشائر”. هذه المكاتب أيضا انحسرت الى شبكة واحدة مختصة بإدارة العمليات خارج الولايات، وهيكليتها تشبه هيكلية الولايات خاصة لو فرضنا ان اوربا كلها ولاية واحدة وفيها قواطع.

هذا المكتب يعتبر هو الأخطر بالنسبة للغرب مع عودة لمقاتلين قرابة 3000-3500 غير مسيطر عليهم وهم خارج قوائم المطلوبين امنيا في اوربا وغالبهم ممن تدرب عسكريا وامنيا وشرعيا عبى إدارة الخلايا من 9-21 عنصرا شبكة تسيطر على مفارز من عشرات المسلحين الذين يعتنقون الفكر الجهادي المتطرف. فبعد شهور قليلة من اخذها وضع الاستقرار، يقفون متحدّين في التزامهم بأفكاره وتوجهاته، لقد هزمت داعش في ارض التمكين لكن عقيدتها ومنهجها مستمرة في عقول وقلوب عناصرها.

وفي مرحلة التمهيد الثانية سوف تركز هذه الشبكة الخارجية على قتال دول التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين، لكن مع بداية عام 2021، ومع ظهور الازمة الاقتصادية المنتظرة، قد يحدث تغيير كامل ومفاجئ لأهداف التنظيم ربما تعود أيام 2014 في بلدان افريقية، فبدلاً من توجيه الهجمات بشكل مباشر في العراق وسورية، فقد وجّه البغدادي في خطابه الأخير اب/اغسطس2018 قدرات داعش بالهجرة العكسية وغرب افريقيا وخراسان التي تهدف الى الانتقام من انظمة الحكم العربية، والقتل العشوائي في اوربا.

وحين سيطر داعش على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، كانت ما تزال رسمياً جزءاً من تنظيم المجتمعات المحلية، وفي الجزء الأعظم كانت مستمرة بتطبيق أفكار السلفية الجهادية والاخوانية القطبية، أما الآن فداعش غير مرتبط بالمجتمعات المحلية ولديها مناهجها الخاصة ودعاتها ومنظريها هي تشبه الى حد كبير خليط بين تجربة الزرقاوي وتجربة البغدادي أبو عمر، ولكن فلول داعش في العراق التي ظلت موالية للبغدادي حققت مكاسب مذهلة بحد ذاتها فيما أطلقت عليها (مثلثات الموت) انطلاقا شباط/فبراير2018.

ففي سوريا، يتبع أكثر من 15 ألف مقاتلا وخاملا، وفقاً لتقارير استخبارية بحثية وصحفية محلية، راية عقيدة ومنهج داعش، وغالباً ما يفرضون البيعة ولو بالقتل على الجهاديين السابقين في القاعدة وفروعها والفصائل الاخرى.

وفي اليمن المضطرب، فإن داعش تقوى بسبب المال والدعم الذي يصل لها من الامارة بقيادة البغدادي في السعودية والخليج والاردن نجح الامن الى حد ما من تحييد خطرهم واخترق غالب خلاياهم وشبكاتهم. ومنذ بداية الازمة الداخلية في اليمن، فإن ذراع داعش ازداد عدد أفراده بأكثر من 3 أضعاف، من عشرات إلى ما لا يقل عن 3 مائة مقاتل، وفقاً لتقديرات صحفية.

وغرب إفريقيا، ازداد أعداد المقاتلين في داعش، والتي تضم ما لا يقل عن 3 آلاف مقاتل، بحسب تقديرات مختصة، وتستمر الجماعة في اجتذاب المجندين، بما فيهم أفراد من المجتمع الافريقي المهاجر في أمريكا وأروبا؛ تستهدف بشكل متكرر السياح الغربيين وعمّال الإغاثة، ودمجت مؤخراً عدة فصائل متباينة في السابق، وشكلت تجمعاً جهادياً..

ومن هنا نرى مكاسب داعش على مستوى العالم في الأعداد والقوة، وحتى في أفغانستان، المكان الذي خسر فيه أكثر من 2000 جندي أمريكي أرواحهم في قتال القاعدة وطالبان الحليفة منذ 11/9، اكتشفت القوات الأمريكية عام 2015 أكبر مقرات للقيادة والسيطرة لداعش بعد العراق وسوريا وليبيا.

وعلى الصعيد ذاته، فإن مثل هذه الولايات الستة والمال الوفير والخبرة التخصيصية والعقيدة الجهادية والالوف من الموارد البشرية منتشرة أكثر الآن ومدربة بشكل أفضل، ومنظمة كما لم تكن داعش من قبل حين كانت في ارض التمكين.

ولطالما كان الزرقاوي والمهاجر والبغدادي الاول والبغدادي الثاني يأملون بكسر الحدود وإعلان الخلافة وفرض احكامها واقعا بشبكة معولمة تتعامل باحتراف مع تحديات الاستراتيجيات الدولية المختلفة لمكافحة امد الجهادي، ولدى داعش في تنظيمها الثاني للتمهيد لأرض التمكين الجديدة أفضليات تميزها عن تنظيم داعش الذي مهد لأرض التمكين السابقة. فبينما عملت داعش في المرحلة السابقة على التفنن في صناعة الاعداء وسفك الدماء والدفاع المستميت عن “ارض الخلافة” في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان وسيناء، فإن انتشار داعش السري والمعقد في المرحلة الحالية على مدى 3 قارات يجعل من المستحيل اجتثاثها من جذورها.

داعش عام 2018 العراق أنموذجا:

لقد حصلت مناطق صلاح الدين ونينوى والأنبار وشمال ديالى وجنوب كركوك على تحريرها، وتنتمي هذه المناطق الى العرب السنة ويشاركهم معظم المكونات والأقليات الدينية والقومية العراقيّة، المناطق الحضرية فيها تنتمي إلى المجتمع الليبرالي وغالبهم من الطبقة الوسطى والتجار واصحاب الحرف والصناعات والمهن وطرق الحياة المواكبة للحداثة، والقرى والأرياف الى المجتمعات المتدينة والمحافظة، حيث المجتمع الزراعي ونمط الاقتصاد التقليدي، وطرق الحياة بطيئة التكييف مع الحداثة.

هذا الخليط المتباين ومتعدد الثقافات أنتج تمرد ديني متطرّف يسعى لأحياء الخلافة على منهاج النبوة وسلف الأمة بحسب تأويله وتحريفه وفهمه النصوص العقائدية والفقهية والسلوكية، وجعل وسيلته الحصرية هي السلاح ” الجهاد” وتبني إكراه الناس على الأحكام الدينية بالحديد والنار .. حاملا معه الكراهية ونظرية الفسطاطين التي دعا لها اسامة بن لادن، ومنهجية ابو مصعب السوري، وتجربة الزرقاوي، وادارة التوحش للحكايمة، وحماسات ابو حمزة المهاجر والعدناني، وبيعة البغدادي.. ميراثا غير متوازن وطاقة شبابية وتجارب قتالية متوحشة وخبرات ومهن أمنية وعسكرية ولوجستية.

وحيث ان القوات المشتركة العراقية أعلنت النصر على تنظيم داعش عسكريا نصرا خسرت به داعش ارض التمكين وقدرتها على رفع رايتها على اَي بناية مدنية او حكومية او عسكرية على ارض العراق، وتحولت الى فلول تسكن البوادي والصحاري والجبال والتلال والمناطق الزراعية الوعرة، تعمل على تمويل نفسها ذاتيا، وإنهاك القوى القتالية الماسكة للأرض والمرابطة في الطرق الرابطة بين المحافظات وعلى أطراف المدن والقرى والحدود، فصارت تستهدف المواطن العراقي على الهوية مرة واُخرى على الولاء السياسي والمذهبي، فكثيرا ما يبدو أن أيسر الطرق للحصول على المال هو ترهيب العزل من الأهالي ومن ثم فرض الآتاوت عليهم، وتسليط الاضواء على ضعف الحلول الأمنية الحكومية، وبالتالي يفقد المواطن ثقته بقدرة القوات الأمنية على حمايته، وهنا يأتي دور الإرهابي بالاستيلاء على إرادة المواطن وماله، وبالفعل قد تزايد معدل العمليات الإرهابي على الطرق والقرى وأطراف المدن خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وينطبق هذا الوضع كثيرا على ما كتبته في مقالتي عن مثلثات الموت، أصبحت المئات من القرى الصغير المنتشرة في أطراف تلك المدن تفقد شعورها بالتحرر من احتلال داعش خاصة في الليل.

صحيح أن طرق؛ ديالى_كركوك، صلاح الدين_كركوك، بغداد_كركوك، تلقى اهتماما كبيرا من لدن الاعلام والقيادة المشتركة العراقية، لكن هناك مناطق جنوب نينوى وغرب الأنبار وشمال شرق ديالى وجنوب غرب كركوك وغرب صلاح الدين وجزيرة سامراء هي بحاجة الى اهتمام وقرارات حاسمة وضربات شديدة.

ربما تكون هناك إجراءات أمنية تقليدية مسلم بها، لكنها لا تحمل دلالة او قرائن استباب الأمن وتمكين الاستقرار، وكأن احداث الصينية وجنوب الحضر وغرب حوض الثرثار لم تثير اهتماما لدى المخطط العسكري والاستخباري العراقي.

ماذا كان دور المواطن خلال تلك الحوادث؟ ومدى تورطه فيها؟

هنا ينبغي ان نفرق بين مواطن يتواصل مع الأجهزة الاستخباري بكل جدية ومتابعة ودوائر الاستخبارات والمعلومات لا تهتم او تبدي استجابة!، والمواطن الذي لا يريد ان يتورط بعملية الإبلاغ عن التحركات المشتبه بها، فغالب الأهالي الذين عادوا كان لديهم نشاطا واسعا في تقديم المعلومات لكن صدموا، بإهمالها وعدم الاهتمام بها، حتى بات احدهم يخاف على نفسه، حينما يأتي الداعشي ويعاتبه او يهدده بعد ان تم فضحه..

لقد تعددت هذه الإشكاليات وبمدن وقرى محررة، ومن جانب دوائر معلومات واستخبارات مختلفة الجهات، لكن من الصعب بالفعل كشفها لبغداد او لقيادات العمليات المسؤولة، أو حتى مجرد إثباتها، اصبح المواطن يحسب حساب لردات الفعل الغاضبة من ضابط او محقق كسول او فاسد، لكن يبقى هناك احتمال قائم وواقعي دائما، ليس كل ما اخبر عنه المواطن صادقا بالضرورة، وهناك دائما تهويل بشأن مصلي المساجد واصحاب اللحى، وتضخيم تورط الضباط والبعثية السابقين.

بشكل عام ينبغي ان تتعامل دوائر المعلومات باحترام وبحذر مع تقارير وشهادة المواطن باختلاف أنواعها، فالمواطن يمارس وأجبه وبنفس الوقت يرغب بالسرية، وكأنه شخص مجهول، ويبقى اسمه وشخصيته الحقيقة غير معلومة، حفاظا على حياته وسرية تقريره وشهادته..

وايضاً فأن دور المواطن الشريف لا يمكن الا ان يكون مؤثرا وفعالا، فالمواطن يعلم ان أمن مدينته وقريته هو قراره، وبالتالي هو صانع وشريك بالأمن مع رجل الأمن.

أهم الخطوات الاستباقية، التركيز في البحث عن مراكز التحكم لداعش وليس على تسكين وتهدئة تعرضاتها الإرهابية، لأنها مواطن القوة الداعشية، في تلال حمرين ومطيبجة وصحراء البعاج وجزيرة الحضر ووادي حوران، تحديداً يمكن إجبار قيادات داعش وفلولها على التراجع ومغادرة العراق، مناطق جنوب اقليم كردستان أرض صراع الأصدقاء والنيران الصّديقة، ولن تجد بغداد واربيل لها خلاص الا بالحوار الجاد وفق تعاليم القانون ومواد الدستور، ومن خلال أنقرة وطهران إذا اتفق الطرفان بشكل واضح، على تقويض محاولات استقلال الكرد في العراق كخطوة جراحية حتمية.

‏ظهور مثلثات الموت بالبقعة المنسية من جغرافيا العراق، ومن بغداد خاصة، مثلثات الموت بالنسبة للمخطط الداعشي كأرض التمكين فهي خالية من نقاط الرصد الاستخباري، وبالأمكان أن تكون ساحة لعمليات ارهابية ولجمع المال ولعودة الأنشطة الإعلامية ولخلط الاوراق الطائفية والقومية، هذه المثلثات تضم فلول وشتات داعش التي تمهد الى صناعة حاضنة من جديد وإلى معسكرات ومخازن واستثمارات سرية، لتصل بعد ذلك إلى ميدان المواجهة المباشرة.

حرب الفلول والخلايا النائمة…

تجاهل النكسات الأمنية لا يعالجها ولن يهزم العدو؛ فمنذ مطلع آذار ولغاية 22 آذار نفذت داعش عمليات إرهابية في مناطق متعددة من العراق وخاصة مناطق شمال شرق ديالى وغرب الانبار وجنوب ديالى، خريطة العمليات الأرهابية تؤكد أن داعش لديها عمل ممنهج ليحقق ثلاثة اهداف؛

1.قطع الطرق الخارجية بين المحافظات وصناعة مثلثات للموت والأذهاب في مناطق لها تضاريس معقدة.

2.ضرب التقارب المجتمعي الذي نتج في مراحل توحد العراقيين بالضد من داعش من خلال القتل على الهوية الطائفية والمذهبية والسياسية.

3.حصار أطراف المدن اقتصاديا وتحويل المناطق الزراعية والمفتوحة الى مقرات للقيادة والسيطرة…

في جنوب كركوك لازلنا نهتم بالعمليات الإرهابية كأعراض جانبيّة ونقدم المسكنات والمهدئات لها وباستجابة بطيئة وندع علاج اصل المرض والخلل الذي ولد تلك الأعراض.

يبقى السؤال المهم: ماذا بعد، وماذا علينا أن نفعل؟

حشدت القوات المشتركة العراقية، كل قوتها وإمكاناتها العسكرية في “مثلث المنطقة المحصورة/ديالى-صلاح الدين-كركوك”، بينما على الجانب الآخر، مجرد فلول من بقايا داعش وخلايا متمردة قوميّة غير نظامية، تُمارس نوعا من حروب الشوارع الهجينة، وتضرب أهدافاً غير متوقعة من المدنيين بعمليات غادرة او سيطرات وهمية أو كمائن مفاجئة، أو مرابطات وسيطرات عسكرية منعزلة، فتحدث خسائر ملموسة ومؤثرة.

تعيش اطراف وارياف المدن المحررة هناك حالة من الخوف، والشعور بالخطر، والحل لن يكون الا بمعركة الاستخبارات والعمليات الخاصّة والقوات المناطقية.

‏إذا كانت المعركة عسكريا على داعش انتهت بنصر القوات المسلحة العراقية وحلفائها، فأن الحرب على الإرهاب لم تنتهي، بل لاتزال مستمرة لأجتثاث اسباب وجذور الإرهاب وملاحقة مخلفاته وشتاته وفلوله وخلاياه النائمة بوسائل أخرى عامودها الفقري الاستخبارات والتعاون المجتمعي، وذلك على أساس أن الأصل في مكافحة الإرهاب والتطرّف العنيف هو رفض المجتمع وتعاون أفراده مع الحكومة.

‏عودة مفارز داعش والجماعات المتمردة، الى النكاية والمبادرة في اختيار الزمان والمكان والهدف، بسيطرات وهمية وكمائن مخطط لها مسبقًا، يعني إعادة تجديد هياكل تنظيماتها “تنظيم الظل”، ما يزيد من الأحمال الاستخبارية والاقتصادية على حكومة العبادي، الأمر الذي يتطلب إنهاء ملف عودة النازحين لكن بعناية تمحيص وتدقيق أمني مركّز، علاوة على تفعيل أسباب استقرار مناطق جنوب اقليم كردستان في ظل تراجع الوفاق السياسي بين بغداد وكردستان والخلاف على إدارة تلك المناطق، وضرورة إغلاق كل ملف عالق يعرقل حقوق الحشد الشعبي والعشائري والمناطقي.

يوماً بعد يوم، تتزايد تعقيدات المشهد الاقتصادي والأمني في المناطق المحررة، في محصلة لتزايد المشاكل وضعف الحلول، وتدخلات اللوبيات المحلية والمناطقية والحزبية، وظهور قوى مجتمعية تتمتّع بعلاقاتها مع منظمات المجتمع المدني الإغاثية والمنظمات الدولية التي تعمل على برامج إعادة التأهيل والعمران، فضلاً عن بروز القوى العشائرية والأثنية والطائفية والقومية في محيط الموصل وتحالفها مع بغداد. ليبقى المواطن أمام كل تلك العشوائيات الإدارية، قابعاً في دوامة الفقر وانعدام الخدمات والتهديدات الإرهابية.

ولبدء الحكاية من نهايتها، لا بد من الانطلاق من تعزيز الثقة بالهوية الوطنية العراقيّة، واضعاف سلطة العشائر والطوائف المسلحة، والأعتراف بالآخر والأعتذار منه، عمليات تحرير محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك والانبار  ونينوى، كانت مكلفة جدا من حيث التضحيات بالأرواح والخسائر بالأموال والعمران والتراث، وكانت نقطة التحوّل الكبرى في تاريخ انتصارات القوات المسلحة العراقيّة بكل صنوفها، التي كان هدفها القضاء على داعش عسكريا واجتثاث جذور حواضنها الفكرية واجهاض قدراتها اللوجيستية والمالية وافشال غوايتها الإعلامية وفضح وحشية وقذارة ممارساتها الإرهابيين.

إن تعدد القوات المسلحة على أراضي المدن المحررة والمستقرة نسبياً، وتعدد اللجان الحكومية المتدخلة بموضوع الاعمار ومقاولات عودة النازحين وتأمين الخدمات الضرورية، أحدث تعقيدات كبيرة في المشهد الاقتصادي والأمني، سببها تعدد مصالح تلك القوى وتناقضاتها؛ الحكومات المحلية ضعيفة وهي بحاجة الى تحركات الحكومة الاتحادية.

وأدركت كل من بغداد والمنظمات الدوليّة والسفارات الكبيرة، ومن خلال دعمهم لعودة قرابة 2,6 مليون نازح داخلي الى المدن المحررة، واتهامهم القوى الميدانية باستخدامه أساليب «دعائية انتخابية»، لصناعة أكثرية انتخابية حزبية، بعد أن اتهمت بغداد هذه القوى في عرقلة جهود التعايش والاندماج المجتمعي.

إن «تنافس الأحزاب» على حصصهم من مقاولات الإعمار، لا يأبه بخسارات العراقيين لأرواحهم وممتلكاتهم؛ فالكيانات السياسية تدعم من ينتخبها لأجل مصالحها السياسيّة، وقياداتها تأمل الحصول على ثقل حكومي، يقود إلى زيادة ثرواتها وتوسع سلطاتها.

لقد بات واضحاً أن دوائر المعلومات والاستخبارات لا بد أن تعتمد على المُواطن في المناطق المحررة وفي العديد من المناطق المستقرة نسبيا لمنع فلول داعش من عودة خلاياها الأمنية، فالسيطرات الوهمية وتكرار الكمائن وعمليات الخطف والاغتيالات وركن العجلات المفخخة والعبوات الناسفة واطلاق قذائف الهاونات، كلها حوادث واقعية تستند إلى حقائق ومعطيات موثقة، فقد كشفت التحقيقات الأمنية في محافظتي نينوى وكركوك التي أجرتها الدوائر الأمنية العراقيّة مع عناصر الخلايا الإرهابية التي تم إلقاء القبض عليها في الشهرين الماضيين بوضوح، أنها بدأت بترتيب أوراقها التنظيمية واصبح باستطاعتهم المبادرة بعمليات ارهابية محدودة ونوعية.

تشخيص الأسباب واقتراح الحلول

لم تغب عن ذاكرة العراقيين بعد “كمين السعدونية” حادثة ذهب ضحيتها 27 شهيدا في جنوب غرب كركوك، امس كان هناك ظهورا لسيطرة وهمية على طريق العظيم الرابط بين بغداد وديالى وكركوك وصلاح الدين، على هذا الطريق ومنذ عام 2006 غيّب المئات من الأبرياء، ولم يعرف مصير أعداد كبيرة منهم حتى اليوم، في مشهد مرعب سيطرة وهمية لداعش تقتل على الهوية المذهبية والطائفية 10 مواطنيين وتمثل بجثثهم، في منطقة نبهت عليها كثيرا ووصفتها بأنها خاصرة هشة وأن القوات المتواجدة لا تكفي لكي تنتشر في كامل تلك المساحات الواسعة ذات التضاريس المتنوعة والصعبة فلا بد من إعادة تكتيكات ملاحقة الفلول وأساليب واليات التطهير الأمنية وصناعة المصادر الاستخباراتية المحلية وتقوية الجهد المعلوماتي من أجل معالجة تلك الخروقات، بدأت حوادث الإرهاب تعود من جديد لتعيد معها الرعب والخوف.

شرطة الطرق الخارجية تحتاج الى؛

-تسيّر دوريات على مدار 24 ساعة ولكل 5-10كم.

-واضافة نقاط وابراج مراقبة محصنة.

-ومراكز امنية للاستجابة السريعة.

-مراقبة بالكامرات والطائرات بدون طيار.

-بالاضافة الى ارقام ساخنة وتقوية بث شبكات الاتصالات التي تكاد تكون معدومة هناك.

من خلال حوار مع بعض ضباط وعناصر قوات حماية الطرق الخارجيّة فهم يحمّلون مسؤولية هذا الخلل الأمني؛

-السلاح السائب.

– عدم وجود باجات تعريفية موحدة.

– حرية التجول بسيّارات الدولة المصفحة والمظللة.

– والزي العسكري.

-والتداخل في الصلاحيات المحليّة.

-عدم وجود تنسيق في تأشير حركات العجلات المسلحة.

-وايضا من خلال حواجز مؤقتة تنصبها في الطرق الخارجية قوات أمنية خارج قواطع مسؤوليتها، بحجة البحث عن مطلوبين، بينما لا تستطيع شرطة الطرق الخارجية اعتراض طريقها.

-نصب السيطرات غير المرخصة من قبل القيادة المشتركة العراقيّة، والتي ينبغي أن تحاسب قانونيا كسيطرات وهمية.

مفارز فلول داعش تتربص بهذه الخروقات ونقاط الضعف وتحاول الانتفاع من هشاشة تلك المناطق لتشكل خطرا كبيرا على امن الطريق  والأمن المجتمعي لان القتل على الهوية هو اخطر أنواع العمليات الأرهابية التي في الغالب تدفع الى ردات فعل انتقامية تصيب الابرياء من الطوائف والعشائر في مناطق السيطرات الوهمية.

البادية الغربية

منذ ديسمبر/كانون الأول 2017 تتعرض المناطق الحدودية المحصورة بين جنوب غرب نينوى وشمال القائم ، لسلسة هجمات عنيفة، في ما يبدو محاولةً من مفارز فلول داعش في قاطعي نينوى والأنبار بإدامة كسر الحدود بين العراق وسوريا، وإيجاد ثغرات للتسلل من مناطق أم جريص وتل صفوگ وشمال الرمانة،  عمليات انغماسية وانتحارية لاقتحام مخيمات وثكنات قوات الحشد الشعبي “حشد شمر وحشد لواء علي الأكبر وحشد الطفوف وحشد كتائب حزب الله وحشد النجباء وحشد جند الإمام وحشد البوريشة وحشد البومحل وحشد الكرابلة” و”قوات حرس الحدود والفرقة 20 و16 جيش عراقي عمليات نينوى والفرق 1 و7و8 من عمليات الجزيرة” وإنهاك تلك القوات المرابطة التي تصنف بأنها غير مدربة على مرابطات الحدود وايضاً أنها ضعيفة التقنيات والتجهيزات القتالية الخاصة بمسك الحدود، والحدود غير مجهزة بخنادق وبأبراج مراقبة واُخرى للقنص، ولا توجد منظومة مراقبة بالكاميرات الحرارية، او بطائرات بدون طيار.

كل ذلك عبر الاستهداف الناري الكثيف للمرابطات الثابتة في صحراء الأنبار وبادية نينوى؛ من أجل الضغط على القوات حتى تغض الطرف عن عمليات التسلل.

في حوار مع امر سرية في الفرقة الاولى المتواجدة غرب الانبار؛ يقول “اذا تركنا مفارز داعش تتحرك بحريتها دون التعرض لها فهي لا تتصادم معنا ولا تهاجمنا في أوقات ضعفنا، هذا ما أدركناه بعد خسارتنا العشرات من القتلى والمعدات، وايضاً داعش أوصلت لنا الرسالة عبر جنود تم خطفهم واطلق سراح بعضهم.”

القوات العراقية المرابطة عند الحدود الغربية تستعين بمرابض المدفعية الفرنسية والدنماركية وطائرات التحالف الدولي، لكن قوات التحالف الدولي لا ترغب ان تقدم المساعدة للقواطع التي ترابط بها قوات الحشد الشعبي الشيعي وخاصة في مناطق “عكاشات والفوسفات والقائم” وقد أدى عدم الانسجام هذا الى تصادم بين المدفعية الدنماركية وقوات الطفوف من الحشد الشعبي في منطقة عكاشات، وهناك 4 تهم متبادلة حتى الآن، إلى سقوط أكثر من 8 قذائف مدفعية بالقرب من معسكرات الحشد الشعبي في مناطق القائم.

وتسعى قيادة عمليات الجزيرة بالتعاون مع القيادة المشتركة وقيادة حرس الحدود الى الاستعداد لخطر تسلل قرابة 500-800 عنصر داعشي من أصول عراقية عندما تنطلق معارك التحالف الدولي وحلفائه في جيب الهجين والسوسة والشعفة اخرى 2‎%‎ من شرق سورية تسيطر عليها داعش، كما صرح بذلك اللواء قاسم المحمدي قائد عمليات الجزيرة، لمنع تكرار سيناريو السويداء ومن قبل سيناريو تدمر حينما عادت مفارز داعش بعملية نوعية وقتلت العشرات من المواطنين؛ إذ أدى الهجوم المباغة الداعشي الكثيف إلى إجبار الفصائل المسلحة السورية على مغادرة المدينة والفشل في حماية أهلها. فهل يتكرر سيناريو السويداء في البعاج والحضر وراوة والقائم والرطبة ؟ أم هل يمكن لقوات الحشد المناطقي الصمود والاستمرار في المقاومة؟ وما هي إمكانيات الصمود في هذه الحالة؟

تقع مدن البادية الغربية، غرب وشمال غرب العراق، كما يدل اسمها على ذلك، في غرب محافظة الانبار وجنوب غرب محافظة نينوى وغرب محافظة صلاح الدين، وسُميت بهذا الاسم لأنها عبارة عن صحراء وتلال وجزيرة ترابية، وتشكّل تاريخيًا جزءًا من جغرافيا العشائر العربية البدوية والرحالة والتي تعيش على تجارة الحدود والمواشي، وتبلغ مساحتها نحو 25‎%‎ من مساحة العراق، وتضم مجموعة من المدن ومئات من القرى أكبر مدنها القائم والبعاج والحضر وراوة والرمانة وعكاشات وفوسفات والرطبة… يبلغ عدد سكان البادية الغربية أكثر من نصف مليون نسمة. اشتهرت مدن هذه المناطق بأنها مدن متدينة مسلمة سنية ومن عشائر متداخلة مع العشائر الحدودية السورية والأردنية والسعودية، وابناء هذه العشائر اشتركوا بمقاومة القوات الأمريكية.

وبالنظر إلى كونها منطقة متدينة ومحافظة وذات تضاريس جغرافية وظروف بيئية قاسية، مثّلث ملجأً آمنًا للفصائل المسلحة السنية المقاومة والمتطرفة على مدى 15 سنة الماضية.

كانت البادية الغربية تمثّل إحدى مناطق مثلثات الموت الأربع الرئيسة إلى جانب مثلث الوديان “وادي حوران ووادي الابيض ووادي القدف”، ومناطق شمال وشرق العراق، ومنطقة شمال سامراء وجنوب الشرقاط وصولا لجبال مكحول، هذه المثلثات نشأت نتيجة اجتماع فلول داعش التي خسرت معاركها في نينوى والحويجة وغرب الأنبار، وبعد فرض القانون على المناطق المتنازع عليها بين بغداد وكردستان في اكتوبر/تشرين الأول 2017.

كانت فكرة مثلثات الموت تهدف إلى اعادة ترتيب أوراق داعش وتأهيل أفرادها وايضاً التمويل الذاتي وصناعة الفوضى على الطرق الرئيسية “طريق بغداد_كركوك، وطريق بيجي_حديثة، وطريق الرمادي_طريبل، وطريق الرمادي_القائم..” والإعداد لقواعد تحكم وسيطرة تنطلق منها مفارز داعش للقيام بعمليات ثائرية على المختارين والشيوخ وقادة الحشود العشائرية والمناطقية، وإنهاك المرابطات على الطرق الدولية والمتقدمة في عمق الصحراء؛ وفق الرؤية التي أسس لها البغدادي في خطابه التسجيلي الأخير اغسطس/اب 2018 التي برزت بعض ملامحها خلال عشرات الهجمات الفردية المفارز القادمة من اطرف المدن والقرى المهجورة والتي ركزت على الحشد المناطقي والعشائري..

خمسة أهداف رئيسة تسعى القوات المشتركة العراقية بمساعدة التحالف الدولي لتمكين الاستقرار في البادية الغربية العراقية:

1 ـ عدم السماح لداعش بإقامة معسكرات عسكرية وشرعية ومخازن وملاذات ومراكز للقيادة والسيطرة تسمح لها بالانبعاث مجددًا وفق تكتيك “مرحلة التمهيد لأرض التمكين”، وعدم السماح بأن تعود البادية الغربية لتصبح قاعدة أو منطلقًا للتخطيط أو تجنيد أو تمويل أو شن هجمات ضد القرى والمدن المحررة، أو ضد دول جوار غرب العراق.

2 ـ إيجاد حلول لتدريب وتمكين الحشود المناطقية والعشائرية من إجل مسكها للقرى والمدن، وتنظيم عودة النازحين، وانهاء ملف القرى المهجورة قسرا، والوصول لحلول قانونية عادلة بخصوص عرف الحلاء العشائري لعوائل انتمى ابنائها مع داعش.

3 ـ توفير الظروف التي تسمح بالمصالحة الوطنية وتمكين منظمات المجتمع المدني من تنشيط برامجها الخاصة بمكافحة التطرّف العنيف ونشر قيم التحاور والتعايش والتسامح وترشيد الخطاب الديني المتشدد.

4 ـ إيقاف تهريب السلاح والآثار والنفط ومنع زراعة المخدرات والمتاجرة بها، وتوفير فرص العمل التي تشجع على عودة الحياة والأسواق لتلك المدن والقرى واعادة اعمار وترميم البنى التحتية وعودة المراكز لإدارة الحكم المحلي والشرطة المحلية وفتح المحاكم النظامية.

اعتبرت بعض فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران عملًا عدائيًا يستهدف جهودها وتضحياتها في البادية الغربية ويستهدف بالخصوص افراغ الحدود من اَي وجود للحشد الشعبي الولائي وقطع الطريق البري “طهران_بيروت”؛ إذ رفضت قيادة التحالف الدولي العمل في اَي قرية او مدينة بجانب الحشد الشعبي حتى بصفة إسناد ثانوي، ومارست ضغوطًا على القيادة المشتركة العراقية لأستبادل قوات الحشد الشعبي بقوات الحشد العشائري او المناطقي، وأنشأت الولايات المتحدة معسكرات مؤقتة في مناطق مختلفة هناك.

من جهة ثانية، حاولت قيادة الحشد الشعبي الانسحاب من البادية الغربية وتقف عند خط طول 43 عدا مناطق سنجار وأم شبابيط وأم اجريص وتل صفوگ والرمانة وعكاشات والفوسفات، بالاضافة الى مطار تلعفر وبالقرب من قاعدة القيارة ومدينة الصينية جنوب بيجي..

لكن يبدو أن هذا الاقتراح لم يلاق قبولا من قبل التحالف الدولي وايضاً اربك العلاقة بين العبادي قائد العام للقوات المسلحة وقيادة الحشد الشعبي..

لكن تحقيق الأهداف الخاصة بالقوات المشركة العراقية ربما لا يكون بالسهولة نفسها التي تحققت في كركوك والمناطق المتنازع عليها قبل عام؛ ويعود ذلك إلى أن إمكانات التفاهمات السياسية والعسكرية في المناطق المتنازع عليها أفضل منها في البادية الغربية، على الرغم من أن المنطقة تعيش التحرير منذ اكثر من عام.

والخيارات التي أمام القيادة المشتركة العراقية – إنْ قررت اخراج الحشد الشعبي من مناطق البادية الغربية – ليست مشجعة، خاصة أنّ تجهيزات واستعدادات الحشد العشائري لا تكفي للصمود طويلا امام هجمة واسعة لفلول داعش.

زيادةً على ذلك، تمكنت فلول داعش، خلال السنة الماضية، من بناء شبكة كبيرة من الأنفاق حتى إنه يمكن القول إن هناك بيوتات بكاملها تعيش تحت الأرض، كما أن الطبيعة القاسية للمناطقة، وخبرة أهلها بالتكيف معها، أمران يسمحان لفلول داعش من الصمود طويلا الا اذا تم محاربتهم بالقوات المناطقية واحياء منهج الصحوات التي انتصرت على القاعدة 2006-2011، ذلك أنّ العشائر قادرة على تحقيق النصر الذاتي في هذا المجال بشرط الاسناد الحكومي الجاد والمستمر. وما يمكن أن يمثل فرقًا حقيقيًا هنا، هو، وحدة العشائر في محاربة داعش، وتجنب بعض الاعمال التي تصنف انها تنتهك القانون وحقوق الإنسان اواقتتال طائفي او قومي لم يعد لهما من مبرر منطقي للاستمرار مع تشكيل حكومة جديدة.

ارض الفلول

النصر العسكري لم يبق سبيل لفلول داعش يمكن أن تستخدمه في المدن الحضرية والقرى الكبيرة المكتضة بالسكان التي كانت تعرف بأرض التمكين والرباط عند مقاتلي تنظيم داعش، فأصبحت عناصره مكشوفة والسكان هم عدوهم المباشر، في ارض الفلول( التلال والبوادي والصحاري والوديان والقرى النائية المهجورة)تمتلك الفلول القدرة على التمويل الذاتي والتنقل عبر مفارز صغيرة والتصعيد المناطقي(مثلثات الموت) وهذا لا يمنع خطر التصعيد في المُدن.

يعمل الداعشي في ارض الفلول على توسيع دائرة نفوذه في القرى النائية من خلال الهجمات التعرضية والاغتيالات وعمليات الخطف لمختارين القرى وشيوخ العشائر وقادة الحشد العشائري والمناطقي الموالين للحكومة.

القوات المشتركة العراقية مع أنها تعاظمت قدراتها القتالية واللوجستية التقليدية لكنها لا تزال  ضعيفة على وجه التحديد في إيجاد قوات وتقنيات ومعلومات خاصة بمطاردة الفلول، ولأن الحكومة تفتقر إلى برامج تمكين الاستقرار قابلة للتنفيذ لتنشيط دور مجتمع مدني قوي يتجاوز الانقسامات العرقية والدينية، ويستطيع التحاور والتسامح والتعايش، ومن ثم تشخص الأفكار والأعمال التكفيرية والمتطرفة والتعاون مع الحكومة لإيقافها او تعطيلها بالكلية بحسب القانون السائد.

عودة سريعة غير متوقعة لعمليات داعش بالقرب من المدن المحررة وفِي المناطق المتنازع عليها، خريطة هذه العودة في أرض الفلول، من أجل:

1 ـ استخدام تكتيكات “المقاتل الشبح” والعمل على صناعة بيئة موظفة موثوق بها وان كانت غير مبايعة للتنظيم، وذلك بتوظيف مجموعة من الانصار العاطلين عن العمل في القرى النائية للدعم اللوجستي، وهذا ما تم تأكيده من قبل مديرية استخبارات محافظة صلاح الدين، فقد تكرر إلقاء القبض على رجال وشباب لم يؤشر عليهم أمنيا او قضائيا من قبل الانتماء لداعش، يعملون بمقابل مالي على نقل المواد الغذائية والطبية والصحية والوقود والدراجات النارية والهوائية الى مضافات داعش في مطيبيجة وجبال مكحول وحوض العظيم

2ـ  مفارز انغماسية متعددة مهمتها إثارة الفوضى القومية والدينية في تلك المدن لتكون لاعب اساسي ضمن اهداف الفوضى الداخلية والحرب الأهلية..من خلال التخادم مع أحزاب فاسدة وقوى معارضة عنيفة وقرابات عشائرية …حيث تعتمد العمليات على مفارز من 9-11 عنصرا تم تدريبهم على صناعة الكمائن والعبوات والقنص والمناورة، حيث يمنع استخدام اَي شبكة اتصالات للهاتف الجوال خلال تواجدهم في معسكرات ومقرات ارض الفلول، عزلة وسرية وتدريبات قاسية وتبادل أفكار وخبرات وخطب دينية ترفع مستوى الكراهية والحقد..

3 ـ بالاطلاع على انواع وموديلات الدراجات الهوائية والنارية تأكد أن معظمها تم شرائها من الأسواق المحلية في ديالى وكركوك وصلاح الدين، واستخدمت ضمن تكتيكات حرب العصابات، فهي سريعة الحركة وغالبها من نوع “القفاز” واقتصادية بالوقود ونوعيتها تتكيف مع التلال والوديان والأرض الوعرة، وبالامكان ان يحمل السائق معه عدة، مثل الصواريخ المضادة للدروع، والرمانات اليدوية، والعبوات الناسفة لنصب الكمائن، والسلاح الخفيف والمتوسط لمهاجمة مدنيين أو هجمات انتحارية باستخدام الدراجة المفخخة.

لتدمير الأهداف ولاستنزاف وإرهاق القوات العراقية وإرغامهم على الانسحاب…

4 ـ ارض الفلول منها تشكلت داعش في 2013 في جنوب غرب نينوى وشمال شرق ديالى وانطلقت لتحتل 32‎%‎ من ارض العراق عام 2014، هي ارض التمهيد لارض التمكين، معسكرات ومخازن ومقرات للتحكم والسيطرة، والإغارة على الطرق لأخذ الاتاوات وخطف المسافرين وأنهاك الاقتصاد والأستقرار، هذه المناطق المفتوحة تساعدهم على إقامة معسكرات التدريب لتلك المفارز، تدريبات عسكرية خاصة واُخرى على فنون القتال وحرب الشوارع وتدريبهم على القتل بالذبح والحرق والسيارات المفخخة، وهي مناطق صالحة لزراعة المخدرات وايضاً إقامة مختبرات لتطوير وتصنيع السموم والمواد الكيميائيّة…

ولذا بات من المهم للقوات المشتركة العراقية أن تعتمد أسلوب الصحوات في مطاردة الفلول، وايضاً استخدام منهج الحرب الهجينة ضمن سياساتها الدفاعية والهجومية من أجل اجتثاث قدرات فلول داعش .. والعمل الجاد على تطوير قوات خاصة بمطاردة الفلول، وتوفير الموارد البشرية والتقنية والاقتصادية والمعلوماتية كافة لتلك القوات، والسعي لتفعيل دور المواطن في الابلاغ عن الحالات المشتبه بها، وتنظيم حروب اعلامية استباقية مهنية قائمة على التجارب الناجحة والحرص على هوية المواطنة والانتماء بشتى الطرق وبتوعية المواطنين للمخاطر القائمة والمستقبلية.

رابط مختصر….    https://www.europarabct.com/?p=48160

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق