Select Page

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات       

مرصد الأزهر: بين القتال في ” تلعفر والرقة ودير الزور” وتهديد الأمن القومي والمجتمعي في أوروبا

مرصد الآزهر ـ 26 أغسطس 2017 ـ داعش، مقابر جماعية في الموصل، وأسلحة ثقيلة واستماتة في الدفاع عن تلعفر بشمال غرب العراق، وحروب دامية في الرقة، ونقل للمعدات والمقاتلين إلى دير الزور في سوريا، وسكاكين تطعن الأبرياء وسيارات تدهس المارة في عواصم ومدن أوروبا شملت برلين وباريس وبرشلونه وكامبريلس (أسبانيا) وتوركو (فنلندا) وسيبريا (روسيا). مشاهد وممارسات داعشية اهتمت بها الصحف الألمانية وغيرها من المواقع الإخبارية العالمية، التي يتابعها مرصد الأزهر عن كثب ليقف على آخر المستجدات على ساحة مقاومة التنظيمات الإرهابية.

نبدأ من مدينة تلعفر التي تبعد ثمانين كيلو مترًا غرب الموصل، وتمثل حلقة الوصل والإمداد بين التواجد الداعشي في العراق ومراكز قوته في عدد من المدن السورية، المدينة التي تتكون من 13 منطقة لم تسيطر القوات العراقية إلا على ثلثها حتى الآن، فيما تتحدث القوات الإعلامية الناطقة باسم الجيش العراقي عن تقدم كبير يصل إلى نصف المناطق التابعة للمدينة.

وفيما يتابع مرصد الأزهر ذلك فإنه يؤكد على أن عدم سيطرة القوات العراقية بما فيها قوات مكافحة الإرهاب التي دربتها الولايات المتحدة الأمريكية وقوات الحشد الشعبي مدعومة بالقوات الجوية حتى الآن على القلعة القديمة في وسط المدينة ينبئ بأن المعركة مازالت طويلة، لا سيما وأن الأنباء الواردة من هناك تؤكد أن التواجد الداعشي في تلعفر لا نعلم عنه الكثير، وبخاصة عندما تتضارب الأنباء عن عدد المقاتلين فتتحدث تارة عن ألفي مقاتل على لسان القوات العراقية والأمريكية وتارة أخرى عن “عشرة آلاف” أو “أربعين ألف مقاتل” كما أشارت بعض المواقع الألمانية دون ذكر مصدر موثوق.

الأمر الهام الذي يؤكد عليه مرصد الأزهر هنا هو أن طرد القوات الداعشية من تلعفر يعني القضاء على التواجد الداعشي المسلح داخل دولة العرق التي يجب أن تتخذ إجراءات أمنية صارمة تحول دون تسرب المقاتلين إليها مرة أخرى من الأراضي السورية على أقل تقدير.

ومن تلعفر إلى الموصل، التي استمر فيها القتال ضد التنظيم الداعشي قرابة العشرة أشهر، حيث أشارت الأنباء أمس إلى العثور على مقابر جماعية تضم رفات خمسمائة شخص أعدمتهم داعش بعد سجنهم في بادش شمال غرب الموصل، الأمر الذي يؤكد مدى إجرام هذا التنظيم الذي تشير ممارساته إلى وحشية وانتقامية في القتل والتدمير لم نعهدها من قبل.

فقد دأب التنظيم على اتباع سياسة “الأرض المحروقة” حيث لا يترك التنظيم خلفه أي مظهر من مظاهر الحياة لمن قام بأسرهم، حتى الآثار القديمة ينتهي بها الحال إلى الدمار بداعي أنها أصنام تُعبد من دون الله. المناطق التي تركها التنظيم الداعشي للقوات العراقية شاهد تاريخي على هذه السياسة الإرهابية، في هذا الصدد يذكِّر المرصد قرَّاءه بالمقابر الجماعية الأخرى التي كانت القوات العراقية قد عثرت عليها في مارس الماضي وجد فيها كذلك خمسمائة قتيل أعدمتهم داعش، هذا بالإضافة إلى ما قام به التنظيم الإرهابي من إعدامات لأكثر من 600 شخصًا في سجن بادش في يونيو عام 2014، الخبر الذي أعلنت عنه آنذاك منظمة هيومان رايتس.

ومن العراق إلى سوريا حيث المعركة حامية الوطيس في الرقة التي تقودها قوات سوريا الديمقراطية مدعومة من التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، المعركة التي بدأت في نوفمبر لعام 2016 وبدأت تكثف عملياتها منتصف يونيو الماضي بعد هروب عدد كبير من قوات التنظيم الداعشي وقياداته من الموصل، وعلى الرغم من إعلان قوات التحالف أن غارتها قتلت “تركي البنعلي” مفتي داعش، و”فواز الراوي” المسؤول عن التمويل في التنظيم الداعش منذ شهرين، وعلى الرغم أيضًا من إعلان قوات سوريا أنها سيطرت على 60 % من الرقة.

إلا أن أحدث الأخبار تشير إلى أن قوات التحالف وقوات سوريا تواجهان استماتة من جانب تنظيم داعش الذي قتل أمس 34 جنديًا من صفوفها (تقول الروايات الداعشية أنهم قتلوا 100 جنديًا)، واستطاع إعادة قوات النظام السوري 30 كيلوا مترًا غرب معدان في شرق الرقة، بعد أن نجحت قوات النظام السوري في الوصول إليها في وقت سابق.

والمرصد يعرب هنا عن قلقه الشديد إزاء تأخر حسم المعركة في الرقة بسبب المدنيين العالقين هناك الذين يعانون من سيطرة التنظيم الداعشي ومن أحكامه الإرهابية والاتهامات التي دأب التنظيم على توجيهها لهم، مثل الاتهام بدعم القوات السورية ومن ثم الحكم على المتهمين بالردة ثم قتلهم. أحد أشهر الراوايات في هذا الشأن رواية السيد “جاسم محمد رجا” الذي استطاع في شهر يوليو الماضي الفرار من التنظيم في الرقة بعد أن وجهوا لها اتهامات بـ “وقوفه مع عسكري والتجارة بالدخان وأنه فرد من أفراد الجيش الحر”، ثم أصدر التنظيم حكمًا عليه بقطع رأسه لأنه “مرتد”، قبل أن يتمكن من الهرب بمساعدة أحد الأشخاص في السجن.

الأمر الآخر الذي يثير القلق في هذه المدينة هي الإصابات المتكررة لعدد من المدنيين جراء القصف الذي تقوم به قوات التحالف، حيث وثّق المرصد السوري مقتل 700 مدني حتى الآن بينهم 100 طفل، ويمتد القلق إلى فرار عددٍ آخر من المدينة إلى المخيمات وحدود الدول المجاورة، فطبقًا لتقديرات الأمم المتحدة فر من المدينة عشرات الآلاف حتى الأن، فضلًا عن أن عدد العالقين في الميدنة تحت وطأة الحرب يبلغ حوالي 25 ألف مواطن سوري.

وعلى جانب آخر يحذر مرصد الأزهر من أن التنظيم الداعشي بدأ في نقل معداته وأسلحته الثقيلة وقياداته إلى دير الزور جنوب مدينة الرقة، الأمر الذي يتطلب التحرك السريع اتجاه هذه المدينة أو مراقبة الطرق التي تربطها بالرقة، ويخشى المرصد من أن الهجوم على دير زور الذي سيبدأ في غضون أسابيع، كما جاء في تصريحات “أحمد أبو خولة” المسؤول العسكري بقوات سوريا الديمقراطية لوكالة رويترز أمس الجمعة، قد تكون خطوة متأخرة تعطي لداعش فرصة أكبر لإعادة تنظيم صفوفه ونقل أسلحته الثقيلة من الرقة إلى الجنوب، فضلًا عن المذابح التي يقوم بها في صفوف المواطنين هناك.

الأنباء التي أعلنت عنها روسيا قبل أربعة أيام من أن سلاحها الجوي نجح في تدمير طابور طويل من مقاتلي تنظيم الدولة، كان في طريقه إلى مدينة دير الزور هي أنباء تؤكد خطة تنظيم داعش واستراتيجيته في التحصن بهذه المدينة، التي سيطر عليها وفرض فيها التجنيد الإجباري على أصحاب الأعمار بين 20 و 30 عامًا في بيان قام بتوزيعه في الرابع من أغسطس الجاري لم يستثن فيه إلا من أسماهم “أصحاب الأعذار الشرعية.

تصريحات “وسام بن حسين بن علي بوساحة” الداعشي التونسي (27 عامًا) الذي فر من التنظيم مطلع هذا الشهر، والتي قال فيها أنهم يأخذون المال ويصادرون كل شيء من منازل الأهالي، تصريحات تنبئ عن ممارسات إجرامية ممنهجة يتخذها التنظيم الإرهابي في جنوب شرق سوريا لحماية نفسه وتوفير الأموال اللازمة لشراء الأسلحة وتمويل عمليته العسكرية على حساب المدنيين القاطنين في المنطقة التي يسيطر عليها.

من المنطقة النزاع المسلح إلى ممارسات الذئاب المنفردة في أوروبا، حيث يصر التنظيم الداعشي من النيل من شباب المسلمين في أوروبا وغسل أدمغتهم واستغلال طاقاتهم في تنفيذ عمليات إرهابية منفردة يضرب بها التنظيم أمن العواصم والمدن الأوروبية.

عمليات الطعن والدهس التي نفذها منتمون لداعش أو متعاطفون معه تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن التنظيم الداعشي يريد إيصال عدد من الرسائل إلى المجتمع الدولي مفادها أنه مازال على قيد الحياة وأنه قادر على تهديد أمن أقوى وأكبر المدن الغربية، لا سيما وأنه نجح في الآونة الأخيرة في استهداف مدنٍ  في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأسبانيا وروسيا وفنلندا، رسالة أخرى يريد التنظيم الداعشي التأكيد علها وهي أن تأثيره على الشباب المسلم هناك عن طريق آلته الإعلامية على الشبكة العنكبوتية مازل مستمر وقوي.

الندااءات التي وجهها التنظيم إلى هؤلاء الشباب باستهداف المدنيين بأسلحة غير تقليدية كالسيارات والسكاكين وجدت بكل أسف آذانًا صاغية.

والمرصد من جانبه يؤكد أن هذه الرسائل تعني أن التنظيم لم يكن ليلجأ إلى هذه الاستراتيجية لولا ما يعانيه في العراق وسوريا من انحسار واضح على الأرض ونقص في موارده البشرية والمادية، الأمر الذي دفعه للانتقام بهذه الصورة الجبانة التي لا يسقط ضحاياها إلا من بين صفوف المدنيين العزل، أو رجال الشرطة العاملين في مجال الأمن كما حدث في فرنسا.

الأمر الثاني هو استغلال التنظيم الإهابي لتعاليم الدين الإسلامي لبث سمومه في أدمغة الشباب ولإقناعهم بوجوب قتل المخالفين في الدين أينما كانوا بدعوى أنهم “كفار” على حد زعمه، وهي قراءات دينية مغلوطة ومزيفة ينساق خلفها بعض الشباب ممن واجهتهم مشكلات اجتماعية أو اقتصادية في المجتمع الغربي أدت إلى وقوع كثير منهم بين مطرقة التأثير الداعشي وسندان عدم الرغبة – أو عدم القدرة – على الاندماج في المجتمع.

وفي هذا الصدد يهيب المرصد بالمجتمع الغربي التصدي لهذه العمليات الإرهابية ومحاسبة المتورطين فيها واتخاذ إجراءات أمنية وقائية، حتى لو استدعت هذه الإجراءات تهجير المتورطين الأجانب في دعم هذا التنظيم أو تسليمهم لسلطات بلادهم.