اختر صفحة

“تنظيم الدولة” و مخاطر الإنتشار في أفريقيا. بقلم الأستاذ الدكتور بلهول نسيم

أغسطس 9, 2020 | داعش والجهاديون, دراسات, غير مصنف, محاربة التطرف, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

الأستاذ الدكتور بلهول نسيم

الأستاذ الدكتور بلهول نسيم

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد : الأستاذ الدكتور بلهول نسيم

مقدمة

 

في ظل حالة الإنهيار التي عرفها تنظيم الدولة (داعش) في كل من سوريا والعراق، سعى هذا الأخير إلى تشكيل قوته من جديد، وذلك من خلال محاولة إيجاد ملاذات آمنة أخرى ومنصة تنطلق منها عملياته، على أن تكون هذه المرة جغرافيا دول القارة الأفريقية مسرحا لها، وهي التي تعيش أوضاعا أمنية غير مستقرة نظرا للإنتشار المتنامي للكثير من الجماعات والتنظيمات الإرهابية، على غرار كل من: بوكوحرام، القاعدة، حركة الشباب في الصومال.. وغيرها كثير.

 

فمع هذا التحول الجغرافي لوتيرة الإرهاب نحو دول القارة السمراء وخاصة في كل من ليبيا وتونس، جعل من معادلة التوتر والهشاشة وضعا استقرت عليه فضاءات القارة وهذا تحت نير التطرف والإرهاب، في حقبة من التمدد المتسارع والمستمر لتنظيم الدولة الإسلامية.

ليصبح هذه الأخير واقعا يتهدد دول القارة، ولتتحول مخاوف انتقال مقاتلي تنظيم “داعش” الإرهابي – وذلك منذ بدايات المعارك ضد تنظيم الدولة في مدينة الموصل العراقية- من العراق وسوريا إلى القارة الأفريقية إلى صداع رأس حقيقي بالنسبة للحكومات المحلية ودول الجوار، خاصة بعد نزوح وتدفق مجموعة من الإرهابيين  من مدينة الموصل عبر سوريا وصولا إلى ليبيا. قصد الإنطلاق نحو اتجاهات متعددة من القارة متخذا من شعار “باقية وتتمدد” وقودا لمحطته الجغرافية الجديدة،. وهو ما سنتطرق له من خلال هذا المقال وذلك من منطلق التساؤل عن مبررات وخلفيات هذا التحول في بوصلة الإنتشار الجغرافي لتنظيم الدولة و أثره على معادلة الأمن القاري.

1ـ الجغرافيات الهشة في أفريقيا وتفريخ الإرهاب:

في الواقع، يهيمن على أغلب دول أفريقيا النوع الخطأ من الحكومات، حيث ترتاب فيها قطاعات كبيرة من النخبة والسكان بسبب الإقصاء إما العرقي منه أو الديني أو حتى الإقتصادي. فهذا النوع من الدول الهشة في أفريقيا تكون فيها الحكومات في وضع العاجزة أمام المشاكل الإنسانية والقضايا العالقة بين الجماعات أو في المناطق المهمشة والطرفية من تلك الدول1.

وذلك يعود إلى استشراء مظاهر الفساد داخل دواليب السلطة والإدارة، هذا بالإضافة إلى عملية النهب التي تطال الموارد الإقتصادية والتي أضحت جد محدودة ولا تستجيب لتطلعات شعوب تلك الأنظمة في أفريقيا. هذا من جهة. من جهة أخرى، إن اعتماد اقتصاديات تلك الدول بشكل كبير على الزراعة أو التعدين، يحول دون توفير وظائف كافية لشرائح واسعة من المجتمع. ففي مثل هذه التجمعات من الدول يمكن أن يشكل ارتفاع مفاجئ في أسعار المواد الغذائية أو جفاف حاد أو فيضان مدمر إختبارا قاسيا للحكومة. فمن حيث تفشل هذه الأخيرة تنطلق  صراعات يمكن لها أن تمتد إلى دول أخرى تقاسمها نفس الهشاشة، وهو ما قد يشعل المنطقة بأسرها. مقتل عبد الملك درودكال زعيم القاعدة

لقد أضحت القارة الأفريقية اليوم تشهد انتشارا رهيبا لوباء الدول الفاشلة والضعيفة: فدولا مثل ليبيا ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى والصومال ومالي.. وغيرها، فقدت بالكامل سيطرتها على مناطق مهمة من أراضيها. وهو ما يعكس ضعف سلطة الدولة أمام تنامي دور المتشددين في ملئ ذلك الفراغ ولا سيما من طرف تنظيمات على غرار تنظيم الدولة الإسلامية التي سعت من أجل بناء جغرافيات الرعب تابعة لها من خلال عمليات تجنيد واسعة للأتباع2.

حيث تفيد مؤشرات بارتفاع عدد سكان القارة لما تحت سن الرابعة والعشرين بواقع 500 مليون نسمة، وذلك حسب تقدير الأمم المتحدة لعام 2050م3. هذا بالإضافة إلى موجات الجفاف والفيضانات المدمرة والفشل المحصولي والهجرات الجماعية التي من شأنها أن تتسبب في مجموعة من الصدامات والخلافات الحادة بين الفئات العرقية والدينية. كل هذا في إطار إفقار رهيب ومقصود القارة وذلك في إطار عملية النهب المستمرة.. وهي أمور سمحت بازدهار وانتشار الإرهاب في معظم دول القارة.

على الرغم من الإستقرار الأمني النسبي الذي كانت تتمتع به بعض دول شمال أفريقيا، خاصة بعد ما يسمى ب(الربيع العربي)، إلا أن عملية اقتحام متحف باردو بتاريخ 18 مارس 2015 كان دليلا واضحا على أن أيادي التطرف المسلح بدأت تتجه نحو منطقة شمال أفريقيا، كمحطة جديدة متجاوزة في ذلك ساحات القتال الرئيسية لتنظيم الدولة في كل من العراق وسوريا. ليتحول الإرهاب إلى الوجهة العكسية، معلنا عودة مقاتلي شمال أفريقيا من العراق والشام إلى بلدانهم حاملين معهم خبرة عسكرية وتمرس قتالي كبيرين.4

غير أن تموضع تنظيم “الدولة الإسلامية” وخلاياه في دول المنطقة أخذ أشكالا ووضعيات مختلفة حسب ظروف المحيطة بكل دولة:

   أ. ليبيا: حيث تتقاتل على أراضيها حكومتان من أجل السيطرة على البلاد، في إطار انتشار أفقي وعمودي للجماعات المسلحة، والتي تمكنت من فرض نفوذها في الكثير من المساحات الجغرافية الليبية، هذا أمام تفكك وتراجع السلطة المركزية والتي أسست لثغرة كبيرة استفاد منها تنظيم الدولة الإسلامية لينشأ موطئ قدم عليها: حيث أقام المقاتلون الليبيون العائدون من سوريا والذين تربطهم صلات بتنظيم الدولة الإسلامية معقلا جديدا لهم الأراضي الليبية.

وإذ تشير التقديرات الأمنية إلى أنه هنالك ما يقارب 3000 مقاتل موال للتنظيم يقاتلون حاليا في ليبيا، من بينهم 300 عنصر عائد من سوريا والعراق. ولقد عرف تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا في الآونة الأخيرة تزايدا كبيرا في وتيرة نفوذه، خاصة وأن من بين المتسللين إلى أراضيه، خاصة في مدينتي درنة وسرت مجموعة من كبار قادة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك قصد تجنيد وتنظيم صفوف المتطرفين هناك5.

لقد أصبحت ليبيا وبفضل موقعها الإستراتيجي الهام أرضية خصبة ينطلق منها المقاتلين المحتملين من مختلف أنحاء جغرافية شمال أفريقيا في سعي منهم للإنضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ليستتب لهم بعد ذلك أمر الحصول واكتساب الخبرة القتالية الكافية وهذا بعد أن تنظم لهم سفريات إلى سوريا. جهود فرنسا في الساحل الافريقي

   ب. تونس:

   على الرغم من كون عملية إسقاط نظام بن علي لم تكن لتعرف معارضة مسلحة في الداخل التونسي، إلا أن الأراضي التونسية أضحت في الآونة الأخيرة خزانا كبيرا مصدرا للمقاتلين إلى الجغرافيات المشتعلة خاصة في منطقة الشرق الأوسط: فمن بين ما يقرب عن 3000 تونسي سافر للقتال في سوريا والعراق -وذلك حسب التقديرات الحكومية التونسية- هنالك حوالي 1400 منهم عادوا إلى وطنهم6.

علما أنه، في وقت سابق، إنحاز المتطرفون في هذا البلد أساسا إلى جماعة أنصار الشريعة – والتي اتهمتها إدارة واشنطن بمسؤوليتها عن هجوم عام 2012 على بعثتها الدبلوماسية في بنغازي بشرق ليبيا- ومقاتلي جماعة عقبة بن نافع، الذين ينشطون في جبال الشعانبي المتاخمة للحدود الجزائرية. فالعديد من المتطرفين في تونس ينضوون تحت لواء جماعة أنصار الشريعة وهم في نفس الوقت يتبنون رفع راية الدولة الإسلامية. إلا أنه لا يمكن أن نجزم، لحد الآن، بوجود هيكل تنظيمي للدولة الإسلامية في تونس، بل كل ما هو مؤكد يتعلق بمجموعة من الأشخاص منجذبين نحو فكرها العقائدي.

   ج. الجزائر:

في سنة 2018 بايعت جماعة القاعدة الفرعية في الجزائر (جنود الخلافة) تنظيم الدولة الإسلامية، وإذ تعد بذلك واحدة من أولى الجماعات المسلحة في شمال أفريقيا التي بايعت تنظيم الدولة الإسلامية. وكان ذلك على هامش عملية ذبح لرعية فرنسي. غير أنه سرعان ما تم القضاء على تلك الجماعة وزعيمها من طرف الجيش الجزائري، معلنا بذلك عن قطع الحبل السري الذي كان يربط تنظيم الدولة بالمتشددين في الجزائر.7

3 ـ تحالف تنظيم الدولة مع بوكوحرام والخلافة الموعودة

   لم يكن من المستغرب أن يعلن زعيم حركة “بوكوحرام” في نيجيريا أبو بكر شيكاو، مبايعته لزعيم تنظيم “داعش” الإرهابية، أبو بكر البغدادي، على السمع والطاعة، ليعتبر بذلك جزءا من “الدولة الإسلامية” التي دعا إليها البغدادي انطلاقا من منطقة الشرق الأوسط لتشمل رقعة جغرافية واسعة تمتد على عموم آسيا وأفريقيا وأوروبا، لتحقق الخلافة الإسلامية على تلك الأراضي بعد إزالة الحدود. وإذ يعتبر ذلك التحالف أمرا طبيعيا، خاصة وأنه يعود أساسا لوجود عدة عوامل مشتركة بين الحركتين، تعكس في واقع الأمر تلاقي فكرهما الإرهابي، وتقوي في نفس الوقت روابط التقارب فيما بينهما. وهي كالآتي:

  • الإنشقاق والتمرد على التنظيمات الإرهابية الكبرى: وذلك قصد الإنفراد بأسلوب ونمط (جهادي) خاص بها. وهو الأمر الأكثر بروزا عند كل من “داعش” و”بوكوحرام”: ففي حين رفض تنظيم داعش الإعتراف بزعامة ونهج “أيمن الظواهري” بحكم أنه زعيم أكبر تنظيم إرهابي في العالم “القاعدة”. لم تكن قضية الولاء واضحة بالنسبة إلى “بوكوحرام” والتي كانت تسمى “طالبان نيجيريا” أو “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد”.
  • فكلتا الحركتان عملتا من أجل التمرد على تنظيم القاعدة، محاولة في أول الأمر تقليده، لتؤسس طريقا خاصا بها فيما بعد8.
  • إنتماء قادة الحركتين إلى الجيل الثالث من الإرهابيين: حيث كلا من “أبو بكر شيكاو و”أبو بكر البغدادي” ينتميان إلى الجيل الثالث من قادة التنظيمات المتشددة. هذا نظرا وطبيعة الأفكار الجهادية التي يحملانها والخاصة بهما، فمنها ما يتعلق بممارسة العنف المفرط العابر للحدود. وهذا من خلال انتهاجهما لأساليب ووسائط قتالية جديدة (على غرار كل من استغلال النساء في العمليات (الجهادية)، إلى جانب الإستثمار الإستراتيجي في العاملين الديني والطائفي).
  • كلتا الحركتان تعملان -حسب خطابهما- من أجل إقامة الخلافة الإسلامية وهذا عن طريق ممارسة العنف المسلح: وعلى الرغم من كونهما تشترك مع بقية التنظيمات الإرهابية الأخرى في نفس الهدف والخطاب، إلا أنهما بالمقارنة مع تلك التنظيمات كانتا تتحركان بصورة عملية من أجل إعلان الخلافة على كل أرض حلت فيها.

في الحقيقة، لم تكن لتعلن، لحد الآونة، بوكو حرام، ما إذا كانت تريد أن تصبح ولاية تحت سلطة تنظيم الدولة الإسلامية كونها تدرك جيدا أن هذا الأمر سيكون له انعكاسات على تراجع سلطة قادتها بمجرد الإنضواء تحت راية تنظيم الدولة. ولهذا لا يمكن لحركة إرهابية مثل بوكوحرام أن تقبل رؤية خلافة أخرى تزاحم خلافتها على نفس الأرض. فالغرض الوحيد من تلك البيعة، في حقيقة الأمر، هو تقوية وجودها على أرض الواقع كحركة من شأن المنطقة أن تتعامل معها كتهديد كبير بحجم القاعدة وداعش، هذا من جهة. وكذا التنسيق والإستفادة من مزايا التعاون مع تنظيم الدولة في ليبيا، والذي من شأنه في حالة ما إذا تحقق أن يتحول إلى خطر فعلي يهدد المنطقة.

أما في الصومال، وعلى الرغم من كون أعضاء تنظيم القاعدة لا يزالون يهيمنون على الحركة الجهادية “جماعة الشباب” في ذلك البلد، وهذا في إطار منافسة شديدة مع عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة في منتصف عام 2018. إلا أن التنظيمين عرفا فيما بعد تعايشا مستمرا خاصة في كل من منطقة “كاندالا” و”بوساسو”، حيث أقاما عليهما معسكرات للتدريب وتخزين الأسلحة المتدفقة من اليمن القريبة جغرافيا من الصومال9.

إلى جانب الصومال عرف تنظيم الدولة الإسلامية انتشارا وتحولا في العديد من النقاط الجغرافية الساخنة من القارة الأفريقية، آخذا فيها شكل شبكات سرية، مبقيا في نفس الوقت نفسه كمنظمة إرهابية عالمية ذات قيادة مركزية، وتخضع تحت سلطانها ولايات عديدة (وذلك من أجل توسعة خلافتها الموعودة في القارة): ففي منطقة الساحل، على سبيل المثال، وجد تنظيم الدولة منافسة كبيرة من طرف الحركات الإرهابية الأخرى، على غرار تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. هذا الأخير عرف انشقاقات  كثيرة على مستوى صفوفه، من بينها انشقاق عدنان أبو وليد الصحراوي رفقة 200 مقاتل كان تابعا إلى نفس التنظيم في شمال ووسط مالي، ملتحقين بعد ذلك إلى  تنظيم الدولة الإسلامية في أفريقيا.10

4 ـ أفريقيا: القاعدة الخلفية واستهداف أوروبا:

لقد بدأ يتنامى التخوف الأوروبي، في حقيقة الأمر منذ وصول الإرهاب إلى بوابات القارة العجوز، وكان ذلك أواخر عام 2015، حيث نجح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الإرهابي في كسب دعم وتأييد واسع من قبل الجماعات المتشددة في ليبيا، ليتسنى له بعد ذلك السيطرة على مدينة “سرت” (معقل الرئيس الليبي السابق “معمر القذافي”). حيث تمكن من خلال ذلك أن يجند الآلاف من المقاتلين وضمهم إلى صفوفه.

هذا إلى جانب إقامة العديد من معسكرات التدريب. لينتقل بعد ذلك إلى مرحلة جديدة – وهذا بعد أن أمن عملية انتشاره وتوسعه الكبيرين على الأراضي الليبية- عكف من خلالها على الإعداد والتخطيط من أجل التحول إلى كل من منطقة شمال أفريقيا وأوروبا وذلك في إطار ما يسميه التنظيم ب”الغزوات الجهادية”. كتيبة تحرير ماسينا

تعتبر إيطاليا من أولى الدول السباقة في المجموعة الأوروبية التي عبرت عن قلقها حيال انبعاث تنظيم الدولة في القارة الأفريقية. لتتبعتها بعد ذلك كلا من بريطانيا، فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية – والتي سارعت بطريقة أو بأخرى من أجل تقديم مخرجات وحلول قصد وقف عملية تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في قارة غارقة في الفوضى السياسية والأمنية، وهذا خاصة بعد سقوط نظام القذافي- كما تمت الإشارة إليه سابقا- على أن يكون الخيار العسكري أحد الحلول المهمة المطروحة على طاولة اجتماعات تلك الدول، وهذا في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية على الأرض الليبية، أو بالرجوع إلى إيعاز يأخذ شكل تفويض سياسي من طرف أية حكومة ليبية معترف بها.11

أما بالنسبة لإيطاليا وحسب وزيرة دفاعها فإن عملية تحول تنظيم الدولة الإسلامية إلى ليبيا وتوسعه على حساب أراضيها بلغ حدا لا يمكن السكوت عنه. وهو الأمر الذي وجدت من خلاله السلطات الإيطالية مجبرة على السماح للقوات الأمريكية باستخدام طائرات بدون طيار، وهذا انطلاقا من قاعدة سيغونيلا الجوية الأميركية الواقعة في صقلية، قصد ضرب تنظيم الدولة في ليبيا..

5 ـ محاصرة داعش في أفريقيا: المبادرات والإستراتيجيات

   اعتبرت فرنسا، والتي لها علاقات ومصالح جد متميزة مع العديد من دول القارة السمراء، أنه على بقية الدول الأوروبية أن تتحمل مسؤولياتها تجاه ما يتعلق ومسألة مكافحة الإرهاب وعدم الإستقرار في أفريقيا، وذلك من خلال تقديم الدعم الكافي من أجل أمن القارة، داعية من خلال وزير الدفاع الفرنسي “جان إيف لو دريان” – وذلك خلال اجتماع وزراء دفاع دول الإتحاد الأوروبي المنعقد في ريغا (عاصمة لاتيفيا) بتاريخ 19 فيفري 2015- بضرورة التحرك نحو مناطق الأزمات المتاخمة وحتى البعيدة منها عن الأراضي الأوروبية.12

علما أن  الإتحاد الأوروبي أبدى مؤخرا تأييده لتلك الجهود التي تقودها الأمم المتحدة قصد إنهاء الصراع في ليبيا، وهذا في ظل اضطراب مواقف دول المجموعة الأوروبية حيال التدخل العسكري في ليبيا وذلك من أجل إرساء خارطة سلام، وهذا في حالة ما إذا كللت مساعي الوساطة الأممية بالنجاح أو الفشل. علما أن ليبيا أضحت نقطة جغرافية جد حساسة من جسد القارة الأفريقية، حيث أصبحت منطقة عمليات مهمة بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية: حيث استغل هذا الأخير الفوضى الأمنية التي أعقبت عملية الإطاحة بنظام القذافي، ليؤسس قاعدة خلفية له على أرض غنية بمصادر النفط. وهو ما جعله هدفا لتلك المعارك التي خاضتها قوات موالية لحكومة السراج في مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، وذلك قصد استرجاع تلك المدينة الساحلية من أيدي تنظيم الدولة.

ولقد عرفت عملية “البنيان المرصوص”، من جهة أخرى، دعما كبيرا من طرف الحكومات الغربية الموالية والداعمة لحكومة الوفاق، فيما تجاهلتها قوات الحكومة الموازية في شرق ليبيا تحت قيادة الفريق أول خليفة حفتر، والغارقة بدورها في معارك مع تنظيم الدولة الإسلامية وذلك في مدينة بنغازي (1000 كلم شرق طرابلس).

أما على الصعيد الأفريقي، فاعتبرت اللجنة الأفريقية للأمن والإستخبارات، والتي تدعم وتساعد الإتحاد الأفريقي في مواجهة التهديدات الأمنية، أن هنالك ما يقرب بين 20 إلى 40% من المقاتلين الإرهابيين الأجانب ممن عادوا إلى بلدانهم انطلاقا من الأراضي السورية والعراقية ومناطق ساخنة أخرى، وهذا بعد أن شاركوا في القتال إلى جانب تنظيم داعش. معتبرة في نفس الوقت أن كلا من المقاتلين الإرهابيين الأجانب، المرتزقة والمنظمات المارقة عبارة عن مثلث الرعب في القارة الأفريقية13.

وهو ما دفع، في وقت سابق، إلى عقد اجتماع في الخرطوم، ضم عشرات الضباط المنتمين إلى أجهزة استخبارات ثلاثين دولة أفريقية (من بينهم السودان ورواندا وأوغندا وأثيوبيا ومصر وجنوب أفريقيا). وذلك قصد البحث عن استراتيجية إقليمية فاعلة من أجل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، خاصة وأن تقارير اللجنة أشارت إلى أن هنالك الآلاف من الشباب الإفريقي المنضوي تحت لواء مجموعات إرهابية عديدة، على غرار تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وهو ما قد يشكل تهديدا حقيقيا بالنسبة لأوطانهم. خاصة وأن أعدادا كبيرة منهم حاملين لجوازات سفر غربية، وهو ما يسمح لهم بالتنقل عبر أراضي القارة الأفريقية بكل سهولة. وهو  أمر حسب نفس اللجنة يقتضي حزما وسرعة في التحرك تفاديا لأية عواقب أمنية مفاجئة.

أما بالنسبة ما يتعلق وموقف الإدارة الأمريكية، فلا تزال تحتفظ لنفسها بوضع المراقب للأمر، خاصة ما يتعلق منه ومتابعة تحركات عناصر تنظيم “داعش”  في ليبيا (خارج مدينة سرت على وجه الخصوص). داعمة في ذلك الحرب الليبية على التنظيم تحت لواء القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

وهو الأمر الذي أكدته نائبة منسق مكافحة الإرهاب للشؤون الإقليمية والدولية في وزارة الخارجية الأمريكية “ماري ريتشاردز”، وهذا بمناسبة الإنتصار الجزئي الذي أحرزته القوات الليبية على حساب أذرع تنظيم داعش بليبيا والذي كلل بعملية إسترجاع تلك الأراضي التي كانت واقعة تحت سلطة وهيمنة تنظيم الدولة. معتبرة في نفس الوقت أنه على الرغم من كون تنظيم الدولة الإسلامية قد عرف تراجعا في كل من العراق وسوريا، إلا أنه لا تزال عملية تجنيد عناصر محلية جديدة في صفوف التنظيم متواصلة في صفوف التنظيم، وهو أمر من شأنه أن يمكنهم في المستقبل القريب من تنفيذ هجمات إرهابية دون أن يكلفهم ذلك عناء أي تنقل14.

فبالنسبة إلى الإدارة الأمريكية تهديد داعش  سوف يستمر ، غير أنه سيتخذ لنفسه نمطا مغايرا. علما أن قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) نفذت ما يقارب 22 ضربة جوية جديدة ضد مواقع تنظيم “داعش” في ليبيا مدمرة حصيلة ذلك 63 موقعا قتاليا تابعا لـتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سرت. ليرتفع بذلك إجمالي الضربات الأمريكية في تلك المدينة إلى 492 ضربة، وذلك منذ انطلاق عملية “البرق أوديسا” بتاريخ 1 أوت 2016.  خريطة الحضور الجهادي في ليبيا15

خاتمة:

بناء على ما سبق، يمكن القول أنه بات من الصعب الضغط كل مرة على هذا تنظيم “الدولة الإسلامية”، كون عملية تمدده وانتشاره كل مرة هي أصلا وليدة تلك الضغوطات الممارسة عليه في كل مرة، وهذا في ظل غياب آليات واستراتيجيات جادة لاحتواء ومحاصرة وتحجيم قدرات التنظيم.

فلقد أثبت التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية أن استراتيجية حربها على التنظيم في العراق وسوريا لا تعد استجابة كافية لهذا النوع من التهديدات الذي يشكلة تنظيم” الدولة الإسلامية”، والذي أضحى يخيم على دول أفريقيا (خاصة بلدان شمال أفريقيا) وأوروبا. فمن المهم الآن في ظل إستراتيجية أكثر حزما قصد مواجهة تنظيم “الدولة” أن نتصور تعاوناً أوثق بين البلدان المعنية بهذا التهديد، وذلك في إطار دعم الدول الصديقة أو من دون دعم منها.

إذ يجب التفكير في عملبة تبني استراتيجية مشتركة وفاعلة أمام كل الأساليب الإرهابية وجميع الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور وتمدد داعش وغيرها من الحركات الإرهابية العابرة للأوطان.

 رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=71169

* الدكتور بلهول نسيم: أستاذ محاضر بقسم العلوم السياسية بجامعة البليدة 2 (الجزائر)، وباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.

حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

 الهوامش

(1) Alexander Yonah, Terrorism in North Africa and the Sahel in 2016, Eight Report, Washington D. C., Inter University Center for terrorism studies, The Potomac Institute for Policy Studies, mars 2017. P. 21.

(2) Solomon, Hussein,. «Beyond the State: Reconceptualising African Security in the 21st Century», African Security Review, vol. 26, n° 1, 2017ة pp. 62-76

(3) Sehmer Alexander, «Libya: Islamic State Still Holding Out», Terrorism Monitor, The Jamestown Foundation, Volume: 15 Issue: 19, 12 octobre 2017.  P.33.

(4) Antil, Alain. “Chronique De L’année De Braise: Les Multiples Dimensions De La «Guerre» Au Terrorisme.” L’Année Du Maghreb VII (2011): 345-56. L’Année Du Maghreb. 01 Jan. 2013. Web. 28 July 2016. <http://anneemaghreb. revues.org/1286>.

(5) “Boko Haram «reste Une Menace», Affirme Hollande à Abuja.” Le Monde.fr. N.p., 14 May 2016. Web. 21 July 2016. <http://www.lemonde.fr/afrique/article/2016/05/14/ malgre-les-progres-dans-la-lutte-boko-haram-reste-unemenace-affirme-hollande_4919807_3212.html>.

(6) Nkalwo Ngoula, Joseph Léa, 2016. «L’Union africaine à l’épreuve du terrorisme: forces et challenges de la politique africaine de sécurité», Fiche d’analyse, Modus Operandi, avril. Consulté sur Internet (http://www.irenees.net/bdf_fiche-analyse-1076_fr.html) le 22 avril 2018

(7) Jean Bernard Veron, «Comprendre Boko Haram», numéro thématique, Afrique contemporaine, n° 255, 3/2015. P. 17.

(8) Caramel, Laurence, and Joan Tilouine. “L’Etat Islamique Multiplie Ses «Franchises» En Afrique.” LeMonde. fr. N.p., 10 Mar. 2015. Web. <http://www.lemonde.fr/ afrique/article/2015/03/10/l-etat-islamique-multiplie-sesfranchises-en-afrique_4590326_3212.html>.

(9) Chena, Salim, and Antonin Tisseron. “Rupture D’équilibres Au Mali : Entre Instabilité Et Recompositions.” Afrique Contemporaine 1/2013 (n° 245). P. 71-84 Cairn.Info. De Boeck Supérieur, 2013. Web. 26 July 2016. <https:// www.cairn.info/revue-afrique-contemporaine-2013-1page-71.htm>.

(10) Haider Kaci, «Des Jihadistes étrangers en route vers la Libye interceptés en Algérie», Algérie1, 22 février 2016

(11) Lt Col Stéphane Spet. “Operation Serval : Analyzing the French Strategy against Jihadists in Mali.” ASPJ Africa & Francophonie 3rd Quarter (2015): n. pag. Air University. Mar. 2015. Web. 27 July 2016. <http://www.au.af.mil/au/afri/ aspj/apjinternational/aspj_f/digital/pdf/articles/2015_3/ spet_e.pdf>.

(12) Tawfik Hamel, «Djihadisme – Le Sahel, où se rencontrent terrorisme et criminalité», Le Courrier du Maghreb et de l’Orient, avril 2017, p. 26.

(13) Porter, Geoff D. “How Realistic Is Libya as an Islamic State “Fallback”? – Combating Terrorism Center at West Point.” CTC Sentinel 9.3 (2016): 1-5. Combating Terrorism Center at West Point. Mar. 2016. Web. 27 July 2016. <https://www.ctc.usma.edu/posts/how-realistic-islibya-as-an-islamic-state-fallback>.

(14) Cristiani Dario, «Islamic State Reorganizes in Libya», Militant Leadership Monitor, The Jamestown Foundation, 10 octobre 2017

(15) International Crisis Group, “How the Islamic State Rose, Fell and Could Rise Again in the Maghreb”, Middle East and North Africa Report No. 178, International Crisis Group, 24 juillet 2017.

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك