اختر صفحة

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الارتباك الغربي في فهم الإرهاب.. عدم القدرة على فهم العدو يطيل من عمره

العرب اللندنية ـ تنامي الإرهاب في أوروبا يعود في قسم كبير منه إلى العجز الأوروبي عن فهم الظاهرة الإرهابية.  فاستدعاء المفكرين والساسة الأوروبيين لمقولات حقوق الإنسان وأدوات العلمانية والحرية الدينية، فضلا عن اعتبار الإرهابيين مرضى نفسانيين أو أشخاصا عنيفين، صنع نوعا من الرؤية المائعة لظاهرة معقدة وخطيرة، وهو ما أشّر على ارتباك أوروبي في فهم الإرهاب، ساهم، مع عوامل أخرى، في تنامي الفعل الإرهابي، بالنظر للتسامح الأوروبي مع تنظيمات لا تبادل أوروبا التسامح نفسه، بل تسعى إلى فرض رؤية مقوّضة لكل مكتسبات الحداثة الأوروبية.

كثيرون في الغرب وجدوا أنفسهم في مأزق نظري ومعرفي أمام ظاهرة الإرهاب الإسلاموي، إلى حدّ زرع فيه الإرهابيون شقاقا كبيرا بين مراكز بحوث ومفكرين ورجال سياسة فكأنه أخذهم على حين غرة، في حين أن الأمر كان واضحا لكل من لم ينسق وراء التحليلات الحذرة والمُجامِلة والأطروحات الساذجة الديماغوجية والماركسية التي كان يقدمها في فرنسا، ثم تنتشر في كامل أوروبا أولئك الذين نصبوا أنفسهم علماء إسلاميات كجيل كييبل وأوليفييه روا وفرنسوا بورغا وكثير غيرهم.

لم يدرك أغلبهم أن التطرف الإسلامي سيفرّخ الإرهاب حتما، ويعود ذلك إلى أسباب ثقافية وعجز معرفي واضح. أما البعض الآخر فقد فهم المسألة مبكرا ولكنه ساير الخطاب الرسمي مفضلا مصلحته الخاصة والهروب من تهمة التحريض ضد العيش المشترك وما يتبعها من مصاعب مهنية وقضائية. وراح الاثنان، معا، يهونان من خطر الأسلمة التي بدأ يعاني منها الغرب جديا منذ عشريتين، بل ويتهمان كل من كان يدق ناقوس الخطر بالإسلاموفوبيا والعنصرية.

لقد خيل لمعظم الباحثين في موضوع الإرهاب أنه بالإمكان فهم هذا الشر ومقاومته من دون العودة إلى جذوره المتمثلة في الحركات الإسلامية الناشطة في أوروبا، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. ما فائدة الاهتمام بأعراض المرض مع إهمال مصدره؟

إنه لمن الجهل والتجني على الحقيقة اعتبار الإرهابيين مجرد جناة عنيفين، وهم قتلة لا يترددون في تقديم أنفسهم كإسلاميين جاؤوا ليعاقبوا الكفار وينتقمون منهم وفرض الشريعة عليهم.

بل ذهب أوليفييه روا إلى اعتبارهم عدميين جددا مقارنة بعدميي الستينات من القرن الماضي. لقد “وجدها وجدها” صاحب مقولة تضليلية أخرى مفادها أن الظاهرة هي بمثابة أسلمة للتطرف وليست تطرفا إسلامويا، كل هذا لينفي مسؤولية الإسلاميين خوفا من اتهامه من قبلهم بالعنصرية ومعاداة الإسلام ويكون قد أمضى شهادة موته الإعلامي بيده ووقف الدعم المالي الغزير.

فإن كنت باحثا في فرنسا فعليك باختلاق فكرة تخرج عن المألوف كل عام لتضمن بقاءك في سوق النشر والإعلام ودعم المؤسسات البحثية، وهذا ما ساهم في إضفاء المزيد من الضبابية على الرؤية في مسألة العلاقة بين الإسلاموية والإرهاب في فرنسا. فالمستشرق جيل كييبل، صاحب المؤلفات الكثيرة حول الإسلام السياسي أثار الشفقة حينما كتب منذ 10 سنوات أن “أوْرَبة الإسلام من قبل الجمعيات الإسلامية في الغرب، سيكون بمثابة التجديد الذي يجب أن يتخذه كل العالم الإسلامي كمثل يحتذى به”.

فهل قدر هذا العالم الإسلامي أن يتخذ من حي مولنباك قرب بروكسل أو من مونت لاجولي قرب باريس قدوة له؟

ولم يقتصر هذا القصور في الفهم على الباحثين بل امتد حتى إلى السياسيين، حيث حاول وزير الداخلية الفرنسي الحالي أن يوظف طب الأمراض العقلية في مواجهة الإرهاب وهو ما يبّين الارتباك الحاصل في فهم كنه الإرهاب الإسلامي، أو التظاهر بعدم فهم ما يجري على أرض الواقع الفرنسي.

كيف يمكن أن يغيب عن وزير داخلية في دولة كفرنسا أن هؤلاء الإرهابيين مقاتلون من أجل قضية وأن هدفهم سياسي ثيولوجي واضح، ألا وهو إقامة خلافة سلفية فوق الأراضي الإسلامية والتي كانت إسلامية أو التي قد تصبح إسلامية بالقوة مستقبلا.

الإرهاب ليس مرضا نفسيا يمكن أن يعالج إكلينيكيا أو تحليليا وحتى وإن كان انحرافا، فهو ليس مرضا بمعنى الكلمة، فللإرهابي بنية عقلية معينة وتكوين نفسي معين وتصور لاهوتي للحياة، ومن هنا تنبعُ صعوبة تصور علاج لمثل هؤلاء الأفراد، إذ من الصعوبة بمكان تغيير نظرة شخص تمت أدلجته بإحكام.

فكيف يمكن الحديث عن علاج ما لعنف أشخاص كلهم استعداد للموت من أجل قضية “الشريعة” ويجدون في الإسلاموية تبريرا لكل أفعالهم الإرهابية. هل كان النازيون مرضى أو مجرد جناة، أم كانوا يطبقون أيديولوجية عنصرية؟

 سقط معظم الصحافيين والمعلقين والنواب والوزراء وعلماء الجريمة في مطب المزج بين الإرهاب الإسلاموي المسلح بفكر الإخوان النظري واستراتيجية داعش العملية والذي يهدف إلى إضعاف الجمهورية في فرنسا، وبين مجرمي الأحياء الصعبة المنتشرة في المدن الفرنسية الكبرى، وهو ربط بات يشكل عقبة كأداء أمام السلطات الفرنسية لفهم ما يحيط ببلدها من أخطار، وراحت تضيع الوقت والأموال في محاولة لا طائل من ورائها، كما بينت كل التجارب، هي تلك التي تزعم مكافحة نزعة التطرف لدى شباب الأحياء التي بدأت تظهر على تصرفاتهم علامات انتماء إلى الحركات الإرهابية بتأسيس مراكز علاج لهم. وليس هذا فحسب بل تستمر السلطات في اعتبارهم ضحايا المجتمع تحت ضغط أيديولوجية اليسار الذي لا يرى في ظاهرة التطرف سوى بعدها الاجتماعي.

لئن كان صحيحا أن الغربيين قد قطعوا مع الدين ولاعقلانيته الفاعلة منذ قرنين من الزمن على الأقل وترسخت في أذهانهم وفي واقعهم نظرة جديدة عن الدين في الفضاء العلماني الخاص بهم، فإنهم كثيرا ما يجانبون الصواب حينما يعممون نظرتهم على كل الثقافات والأديان.

ولكن بعد التجربة المريرة التي يعيشونها مع الإرهاب الإسلاموي، أما آن لهم أن يبتعدوا عن ذلك التشخيص الساذج الغارق في الأيديوليوجيا الطبية النفسانية التي تبرر كل شيء وتجد سببا عقلانيا لكل سلوك طائش؟ ألا يعرف هؤلاء أن الإنسان قادر على التصرف بلاعقلانية تحت تأثير أيديولوجيا عنفية أو إيمان ديني ضال؟

الإرهابي ليس مجنونا، كما يعتقد وزير الداخلية الفرنسي وغيره، بل هو مسؤول عن أفعاله الهمجية وينبغي اعتباره عدوا للإنسانية والحضارة، إذ أن عدم القدرة على فهم وتسمية العدو سيطيل من عمره فلا نستطيع محاربة عدو إذا لم نعتبره كذلك.

إن خطأ الغربيين القاتل هو عدم إدراكهم العميق للعلاقة الجدلية بين الإرهاب والإسلامويين وعلى رأسهم الإخوان. وكل من لا يملك هذا الإدراك والشجاعة والنزاهة الفكرية في تسمية الأشياء بأسمائها سيتحول هو ذاته إلى جزء من المشكلة. إذا ما وسعنا التسامح اللامحدود ليشمل حتى غير المتسامحين، وإذا لم نكن مستعدين للدفاع عن المجتمع المتسامح ضد تأثير من هم غير متسامحين، يقول الفيلسوف كارل بوبر، سنقضي على المتسامح والتسامح معا.