الإستخباراتدراساتدفاعمكافحة الإرهاب

تقدير موقف، تأثير الظروف المناخية والجغرافية على حالة التأهب والإستعداد على الحدود العراقية السورية

تقرير تقدير موقف

تقرير تقدير موقف ، تأثير الظروف المناخية والجغرافية على حالة التأهب والاستعداد على الحدود العراقية السورية

اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علو ، خبير  الشؤون العسكرية والإستراتيجية و مستشار المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

الموقف العام

قام تنظيم داعش الارهابي مستغلا” الظروف الجوية السيئة في منطقة ريف دير الزور الشرقي، بشن هجوم واسع النطاق على نقاط قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة اميركيا” واستعاد السيطرة على عدة حقول نفطية فضلا عن مدينة (الباغوز الفوقاني) التي تقع على مقربة من الحدود العراقية السورية مقابل  الباغوز التحتاني(العراقية) ومدينة القائم العراقية . ومهّد التنظيم لتقدمه بتفجير ثلاث سيارات مفخخة وقصف مدفعي وصاروخي . وقد أسفر هجوم تنظيم داعش على ريف دير الزور الشرقي ، عن مقتل 68 عنصرا من قوات سوريا الديمقراطية ، وإصابة نحو 100 آخر. وقد نجم عن هذا الوضع أن اصبحت عناصر داعش الارهابي في مواجهة الموضع الدفاعي للقوات العراقية الماسكة للشريط الحدودي الممتد من شمال مدينة القائم وصولا” الى منفذ الوليد وبطول اكثر من 40 كلم .

وقد أعلنت القوات العراقية حالة التأهب على الحدود العراقية السورية في اعقاب تقدم عناصر تنظيم داعش وتراجع قوات (قسد) . وتتألف القوات العراقية من ألوية الجيش العراقي التابعة لقيادة عمليات الجزيرة وقيادة عمليات الانبار وألوية تابعة لهيئة الحشد الشعبي والحشد العشائري من ابناء محافظة الانبار بالإضافة الى الوية من قيادة قوات حرس الحدود العراقية. في وقت قامت مقاتلات القوة الجوية العراقية “إف 16″ بطلعات جوية فوق منطقة الحدود العراقية السورية تمكنت من خلالها من تدمير سيارة تقل عناصر من تنظيم داعش الإرهابي بمنطقة ” الباغوز  السورية قرب الحدود مع العراق يعتقد ان على متنها قياديين دواعش .كما شرعت المدفعية العراقية بقصف اماكن تجمع عناصر داعش في العمق السوري ،كما ألقى طيران الجيش العراقي منشورات حذرت من خلالها ، قوات الحشد الشعبي المتواجدة على الحدود السورية، من محاولات عناصر لتنظيم “داعش” عبور الحدود إلى العراق.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2017-06-15 13:44:15Z | |

وصف منطقة العمليات القتالية

بحسب التقارير الاستخبارية فأن لداعش تواجد متحرك في صحراء البادية الغربية ، في  وادي غدق ووادي الحسينية وصحراء بلدة راوه .وتعتبر منطقة العمليات الحالية امتداد طبيعي لصحراء البادية الغربية تحاول عصابات داعش الارهابية استثمار طبيعته المناخية والجغرافية المعقدة للاحتماء بها من الرصد والمطاردة ونيران اسلحة الطائرات العراقية . وعليه فان لحالة الجو الراهنة أو المتوقعة الأثر البالغ والدور الكبير على العمليات الحربية وذلك منذ أقدم العصور وحتى الوقت الحالي رغم توفر التقنيات الحديثة والمتطورة، ويسعى القادة والمخططين العسكريين منذ القدم للاستفادة من حالة الجو لصالح قواتهم قدر الإمكان، ومحاولة استغلال فترات تحسن الحالة الجوية بما يسمح بتوجيه ضربة قوية للعدو، أو القيام بعملية عسكرية كبيرة.  و تمتاز منطقة العمليات  الحالية على الحدود العراقية السورية ، بوجود التلال الصغيرة و الكهوف ، ووديان عميقة طويلة تمتد من الحدود مع سوريا إلى الحدود مع الأردن التي تمتاز بها صحراء البادية الغربية  مثل وادي حوران . حيث أن السيول والرياح قد عملت على تنويع تضاريس البادية الغربية، اذ يصل أعلى ارتفاع لها بالقرب من الحدود الأردنية إلى ما يزيد على 800 متراً فوق مستوى سطح البحر وتنخفض في مناطق الحبانية إلى 75 متراً فوق مستوى سطح البحر. ويقطع نهر الفرات طريقه في البادية الغربية والتي تنحدر صخورها تدريجياً باتجاه منخفضات الثرثار والحبانية والرزازة، وفي بعض المناطق يكون مجرى نهر الفرات وعراً ولذا تظهر الصخور الكلسية والجبسية على ضفاف مجرى نهر الفرات. وتميز صحراء البادية الغربية بقلة سقوط الأمطار والتباين الكبير بين حرارتي الليل والنهار وانخفاض الرطوبةـ  ترتفع الحرارة فيها صيفاً إلى52 درجة مئوية.

وتنخفض شتاءً فتصل إلى 9 درجة مئوية. الرياح فيها شمالية غربية وجنوبية غربية أحياناً تبلغ أقصى سرعة لها 21 م/ثانية، يبلغ معدل سقوط الأمطار شتاءً إلى 115 ملم. هذه الطبيعة الجغرافية الصحراوية قد تؤمن لتنظيم داعش الارهابي الانتشار في المعسكرات والقواعد السرية ، المزودة بالأنفاق والخنادق المخفية والمموهة والمحصنة تحت الارض، التي تشتمل على مقرات للقيادة والسيطرة مزودة بأحدث التقنيات فضلا” عن نقاط تموين وامداد ودعم لوجستي . كل هذه البيئة الجغرافية لمنطقة العمليات سوف تؤمن لعناصر داعش الارهابي اتباع تكتيكات قتالية جديدة تتمثل بتفادي مواجهات واسعة مع الجيش العراقي ، والاستعاضة عنها باستخدام تكتيكات حرب العصابات  وكمائن صحراوية ، والاغارات بمجموعات قتال صغيرة ضد اهداف رخوة أو ضعيفة الحماية . ومن المحتمل جدا” أن تتعاون فيها الخلايا النائمة مع مفارز أو مجموعات داعش الهجومية ! بهدف استنزاف موارد الجيش العراقي ، واحداث حالة من عدم الاستقرار والبلبلة في مناطق اعالي الفرات خصوصا” تلك القريبة من مدينة القائم و الطريق الدولي الذي يربط العراق بكل من سوريا والاردن ! واللذان  سيعتبران هدفين حيويين لعصابات داعش .

تأثير الظروف المناخية والجغرافية

وعليه استنادا” لهذه الخلفية المناخية  والجغرافية يمكن للقادة والمخططين العسكريين معرفة وتقييم تأثيرات الظروف المناخية (السلبية والإيجابية) في أنشطة القوات المنفتحة على طول منطقة العمليات القتالية المتوقعة . فالدور الحاسم للمعلومات المناخية المتوقعة في عملية اتخاذ القرار العسكري بالإضافة الى الطبيعة التضاريسية للمنطقة يجب  أن تدرس بعناية للتمكن من الإجابة على الأسئلة التي من الممكن أن تفرض نفسها، فلهذه المعلومات قيمة هامة عند تحديد أماكن تموضع وانفتاح الاسلحة والمعدات والتجهيزات العسكرية والأشخاص سواء في أماكن الايواء أو على طول جبهة الحرب المواجهة. يضاف إلى ذلك نوعية الملابس ومعدات الجيش التي تحتمها الظروف الجوية المسيطرة.  كما أن المعلومات المناخية تساعد الأطقم الصحية العسكرية في إعداد الترتيبات المناسبة للرعاية الصحية ونقل المرضى والمصابين، بالإضافة إلى تحديد عدد وتصاميم ومواقع العيادات الطبية وجودة وكمية التجهيزات الطبية، حيت أن لبعض الظروف الجوية علاقة مباشرة بالعديد من الأمراض ، التي قد تؤثر على المزاج العام للجنود والضباط وإحساسهم بعدم الإرتياح وزيادة إرهاقهم. لهذا فإن توفر المعلومات المناخية الكافية في المنطقة المستهدفة يساعد في الإعداد النفسي والمادي للمقاتلين .

الاجراءات الواجب اتخاذها

من المهم جدا” اتخاذ الاجراءات الضرورية و وضع خطط إحترازية لتفادي الحوادث والتأخير والضياع نتيجةً لرداءة الرؤية وشدة الرياح المصاحبة للعواصف الرملية وأثرهما على النقل البري والجوي. إن فترات الطقس الحرجة (الحادة) تشكل خطورةً على العمليات العسكرية حيت تتسبب في تأخير وتعطيل خطط التنقل والحركة وخطوط وقنوات الإتصالات والإمداد والدعم والإسناد.

استنادا” لما سبق فانه سيتعين على القوات المسلحة العراقية التعاطي مع تكتيكات قتالية مختلفة تماما” عن تلك التي اتبعتها في معاركها السابقة ضد عصابات داعش الارهابية ، وستكون بلا شك اختبارا” صعبا” لقدرات الاستخبارات والاستطلاع الميداني للقوات المسلحة العراقية بسبب المساحات الشاسعة والتضاريس الارضية المعقدة  والتأثيرات المناخية المتقلبة ، مما سيتطلب انفتاحات قتالية واسعة باستخدام منسق للمشاة الآلي والدرع ! بالإضافة الى تكتيكات استخدام القوة الجوية وطيران الجيش بأسلوب الصيد الحر فضلا” عن دوره في الاستطلاع وتقديم الاسناد السريع للقوات العسكرية العراقية في حالة اشتباكها مع كمائن او مفارز عصابات داعش الارهابية.

وتكمن خطورة التأثيرات المناخية والجغرافية المعقدة  غالباً في قساوة عناصرها المدمرة على القوات، سواءً أكانت في وضعية الهجوم أم في وضعية الدفاع حيث تكون ظروف التأثيرات المناخية والجغرافية المعقدة  في بعض الأحيان أشد خطورةً من نيران العدو نفسه . فالملاحة في مناطق صحراء البادية المضللة ليلاً ونهاراً، وحركة القوات المكشوفة على الأرض، وصعوبة مطابقة المعالم والبيانات المثبتة على الخرائط للتضاريس الأرضية الحقيقية، وشح المعلومات الاستخبارية الآنية، وقلة الموارد الطبيعية الأساسية، وتعقيدات الإمداد اللوجستي، ومخاطر تخزين الذخائر والمواد، ووهن الذيل الإداري والفني، وخطورة حقول الألغام ، إضافة إلى عوامل أخرى قد لا تُعد ولا تحصى تصبح جميعها أعداء مجهولين إلى جانب العدو الشرس المقابل الذي لن يخوض سوى قتال الحياة أو الموت في بيئة التأثيرات المناخية والجغرافية المعقدة  غير المألوفة للقادة والجنود والتي لا نصر لمن لا يتقن خوض صراع البقاء فيها. استنادا” لما سبق فانه بات من الضروري اتباع ما يلي  :

  1. دقة وسرعة عمل الاستطلاع والاستخبارات : بغية تحديد مواقع العدو بسرعة و دون إضاعة الوقت . وذلك باستخدام صور الأقمار الصناعية لمراقبة تحركات وتنقلات قوات العدو في الصحراء . بالإضافة إلى وسائل الاستطلاع الأخرى وفي مقدمتها الطائرات المسيرة من دون طيار(Drones ). سواء التكتيكية قصيرة المدى على مستوى الفوج والكتيبة والتي تطير من 1-3 ساعات أم متوسطة المدى على مستوى الفرقة أو مجموعة القتال التي تطير على مستوى 12 ساعة متواصلة أو طويلة المدى التي تطير على ارتفاعات شاهقة لتراقب مسرح العمليات كله على مدى أكثر من 48 ساعة متواصلة. مع العلم بأن عمليات الكشف والاستطلاع المدرع الخاطف على الأرض من قبل آليات الاستطلاع الخفيفة المتقدمة أمام القوات المدرعة يجب أن تكون مستمرة ليس على مستوى الساعات بل على مستوى الدقائق؛ لتلافي عنصر المفاجأة من قبل قوات العدو وحقول الألغام في أية لحظة هنا أوهناك في ميدان القتال.
  2. تثبيت قوات العدو : باستخدام المناورة(Fire maneuvering )بنيران مدفعية الميدان وراجمات الصواريخ والهاون الثقيل، بالإضافة إلى الإسناد العضوي بالطائرات العمودية المقاتلة، بالتزامن مع مناورة الإحاطة بأجنحة العدو، باستخدام تكتيكات حركة القوات المدرعة والآلية السريعة والخاطفة ..
  3. تدمير قوات العدو: باستخدام الضربات الجوية بعيدة المدى لتدمير قدراته التسليحية والقتالية بالعمق ، وتدمير وتعطيل محطات ووسائل اتصالاته ومقرات القيادة والسيطرة وضرب خطوط إمداداته اللوجستية وطرق حركته لحرمانه من القدرة على المناورة .وعند تحقيق التماس مع العدو في الصحراء بالدبابات وآليات القتال المدرعة وعربات المشاة المدرعة ، فلابد من استخدام نيران الأسلحة المباشرة من اقصى مدى قد يتجاوز من 1.5 إلى 2 ميل.
  4. استخدام تعبئة القفزات (Tactics hops): وهي تعني انتقال القوات السريع من نقطة الى أخرى في خط عرضي أو طولي قد تصل مسافة الوثبة الواحدة إلى حدود 30 كيلومتراً. وهي وثبة طويلة جداً في المعيار العسكري، غير أن طبيعة البادية الغربية  يمكن أن تتيحها للقوات . وقد تحدد مسافة القفزة الواحدة وجود عارض طبيعي (تلة أو سلسلة جبلية) يفرض على القوات تأمينه قبل الانطلاق مجدداً، أو وجود معسكر او كمين معادي للعدو يقتضي معالجته وتأمين المنطقة المحيطة به قبل الانطلاق الى القفزة الثانية .

رابط مختصر…. https://www.europarabct.com/?p=48371

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علو

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق