الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

تفكيك النظام الدولي وتداعيات مؤتمر ميونيخ للأمن 2026

فبراير 16, 2026

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تفكيك النظام الدولي وتداعيات مؤتمر ميونيخ للأمن 2026

يمر العالم في عام 2026 بمنعطف يتسم بما وصفه تقرير ميونيخ للأمن بـ “العالم تحت الدمار” وهي مرحلة انتقالية تتسم بتفضيل التدمير الشامل للهياكل القائمة على الإصلاح التدريجي. لقد كشف مؤتمر ميونيخ للأمن في نسخته للعام 2026 أن النظام الدولي الذي أُسس بعد عام 1945 ليس مجرد نظام يعاني من ضغوط، بل هو نظام “تحت التدمير” بفعل قوى سياسية صاعدة في المجتمعات الغربية ترى في الهدم وسيلة وحيدة للخروج من حالة الجمود المؤسسي. هذه القوى تبني أجنداتها على استياء واسع النطاق من أداء المؤسسات الديمقراطية وفقدان ثقة عميق في جدوى الإصلاحات التقليدية.

تعد الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، المحرك الرئيسي لهذا التحول الجذري؛ فالدولة التي ساهمت أكثر من غيرها في بناء النظام الدولي لما بعد عام 1945 أصبحت هي “مصدر الهدم” الأول لهذا النظام. وبالنسبة لمؤيدي هذا النهج، فإن هذه السياسات التي تنتهجها واشنطن تهدف إلى إجبار الأطراف على حل التحديات التي ظلت عالقة لسنوات بسبب البيروقراطية الدولية، كما حدث في اختراقات الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو واتفاقات وقف إطلاق النار. ومع ذلك، يرى النقاد أن هذه السياسة تقوض قدرة المجتمع الدولي على مواجهة التحديات.

مؤشر ميونيخ للأمن 2026، جغرافيا المخاطر وتحولات الإدراك العام

يعكس مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 تحولاً في كيفية إدراك الدول للمخاطر العالمية؛ فبينما كان يُنظر إلى روسيا كأكبر تهديد في السنوات السابقة، يظهر المؤشر أن الولايات المتحدة أصبحت تُعتبر الآن خطراً متزايداً في نظر معظم الدول الأوروبية وتزايد الشكوك حول استقرار السياسة الخارجية الأمريكية. أصبحت “الحروب التجارية” تُصنف كأكثر المخاطر جدية على الإطلاق، حيث وصلت إلى أعلى مستوياتها التاريخية في إدراك المشاركين عبر جميع الدول المستطلعة. وفي المقابل، تراجعت المخاطر البيئية والمناخية في ترتيب الأولويات رغم ارتفاع التكاليف الفعلية للاحتباس الحراري، حيث يرى مواطنو دول مجموعة السبع أن الهجمات السيبرانية والأزمات المالية وحملات التضليل من الأعداء تشكل تهديدات أكثر إلحاحاً من التغير المناخي.

العلاقات عبر الأطلسي، أزمة ثقة وتواصل مشروط

شهد مؤتمر ميونيخ محاولات حثيثة لإعادة ضبط العلاقات عبر الأطلسي التي تعاني من أزمة ثقة ومصداقية غير مسبوقة. وقد جاء خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في المؤتمر بمثابة “ارتياح” لبعض القادة الأوروبيين بسبب لهجته التي بدت أكثر بناءً مقارنة بالخطابات السابقة للإدارة، حيث أكد أن الولايات المتحدة وأوروبا “ينتميان لبعضهما البعض”. ومع ذلك، ظل هذا العرض للتعاون مشروطاً بمواءمة المصالح الاقتصادية والأمنية الأوروبية مع أجندة “أمريكا أولاً”. أوضح روبيو أن الشراكة عبر الأطلسي ينبغي أن تُبنى على مواجهة التحديات المشتركة كالهجرة الجماعية، والتهديدات التكنولوجية من الصين. وبالنسبة للأوروبيين، فإن هذا النهج يعكس تحولاً إلى حالة تتأرجح بين الطمأنة، والاشتراطية، والإكراه. وقد دفع هذا التذبذب قادة مثل إيمانويل ماكرون وأورسولا فون دير لاين إلى التأكيد على أن أوروبا لم يعد أمامها خيار سوى أن تصبح أكثر استقلالاً، مشددين على أن “أوروبا القوية هي حليف أقوى في الناتو”، ولكن يجب عليها بناء قدراتها الذاتية دون الاعتماد الدائم على واشنطن.

برزت أزمة السيادة على غرينلاند كرمز لمدى هشاشة الثقة؛ حيث إن رغبة الرئيس ترامب المتكررة في “الاستحواذ” على الجزيرة القطبية أثارت صدمة في الدنمارك وغرينلاند، واصفين الضغوط الأمريكية بأنها “غير مقبولة تماماً”. ورغم إنشاء مجموعة عمل لمعالجة المخاوف الأمنية الأمريكية في القطب الشمالي، إلا أن الشكوك لا تزال تساور الحلفاء الأوروبيين بشأن نوايا واشنطن، مما دفع دولاً مثل كندا وفرنسا إلى فتح قنصليات في العاصمة الغرينلاندية “نوك” كإشارة دعم للسيادة الدنماركية والغرينلاندية.

ملف الحرب الأوكرانية، نحو “سلام مشروط” وخطة العشرين نقطة

تعد الحرب في أوكرانيا، المحور الأكثر تعقيداً في مداولات المؤتمر، حيث يتزايد الضغط الأمريكي على كييف للقبول بتسوية تفاوضية سريعة. كشف المؤتمر عن تفاصيل “خطة السلام المكونة من 20 نقطة” التي جرت صياغتها بين المفاوضين الأوكرانيين والأمريكيين، وهي نسخة معدلة وأكثر “ملاءمة لكييف” من خطة سابقة مكونة من 28 نقطة كانت تتضمن تنازلات شاملة لموسكو. تتمحور الخطة الحالية حول تجميد الحرب على خطوط المواجهة الحالية، مع إنشاء مناطق منزوعة السلاح وتوفير ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، وهو ما وصفه الرئيس زيلينسكي بأنه “اتفاق صلب بنسبة 90%”، مع بقاء قضايا شائكة مثل مصير دونباس ومحطة زابوروجيا للطاقة النووية دون حل نهائي.

أكد الرئيس زيلينسكي أن أي اتفاق نهائي سيخضع لاستفتاء شعبي في أوكرانيا لضمان الشرعية الوطنية. وفي الوقت نفسه، حذر قادة أوروبيون، مثل وزير خارجية بولندا، من أن موسكو قد تستخدم المفاوضات لـ “شراء الوقت”، مشدداً على أن روسيا لا تزال مدفوعة بالقوة والأهداف التوسعية. وبالنسبة للناتو، أكد الأمين العام مارك روته أن روسيا لا تحقق انتصارات حاسمة بل تتقدم مع تكبد خسائر فادحة مما يستوجب استمرار دعم أوكرانيا لضمان قدرتها على التفاوض من موقع قوة.

الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، الانتقال من النظرية إلى التطبيق

أدى التشكيك الأمريكي في جدوى التحالفات إلى تحول جذري في العقلية الأوروبية، حيث انتقل النقاش حول “الاستقلال الاستراتيجي” من كونه مفهوماً نظرياً إلى ضرورة حتمية للبقاء. وصفت أورسولا فون دير لاين هذا التحول بأنه “علاج بالصدمة” جعل أوروبا تدرك أنها يجب أن تتحمل مسؤولية أمنها ورفاهيتها بشكل أساسي. يتضمن هذا التوجه الأوروبي الجديد عدة مسارات رئيسية:

تعزيز القوة العسكرية التقليدية: أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرز عن خطط لجعل الجيش الألماني (البوندسفير) أقوى جيش تقليدي في أوروبا، مع زيادة الإنفاق الدفاعي للوصول إلى أهداف طموحة.

الردع النووي الأوروبي: بدأت الأطراف الأوروبية بمناقشة خيارات الردع النووي الذاتي في حال تراجع “المظلة النووية” الأمريكية، مع تقارير تحذر من “فجوة الردع” وتدعو إلى بناء هيكلية نووية قارية مستقلة.

السيادة التكنولوجية والصناعية: التركيز على بناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية عابرة للحدود، وتقليل الاعتماد على التقنيات الأمريكية والصينية في المجالات الحساسة مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

توسيع الشراكات العالمية: السعي لإبرام اتفاقات تجارية وأمنية مع قوى مثل الهند وأستراليا ودول ميركوسور لتنويع سلاسل التوريد وتقليل التبعية الجيوسياسية.

رغم هذه الطموحات، تواجه أوروبا عقبات داخلية تتمثل في البيروقراطية والمصالح الوطنية الضيقة لبعض الدول الأعضاء، مما يجعل عملية التكامل العسكري والاقتصادي بطيئة ومحفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، فإن “تحول العقلية” الذي تحدث عنه مارك روته يشير إلى وحدة رؤية غير مسبوقة بين القادة الأوروبيين لمواجهة عالم “كرة التحطيم”.

التحولات الإقليمية، الانفراج السوري والمقترحات حول غزة

شهدت هوامش مؤتمر ميونيخ 2026 لقاءات دبلوماسية مفاجئة تشير إلى إعادة ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط. كان اللقاء الأبرز هو الذي جمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بنظيره السوري أسعد حسن الشيباني، وبحضور قائد قوات سوريا الديمقراطية (SDF) مظلوم عبدي. هذا الاجتماع، الذي وُصف بأنه “بداية جديدة”، ناقش دمج قوات سوريا الديمقراطية في هيكلية الدولة السورية مع التأكيد على سيادة سوريا ووحدتها، وأعرب الجانب الأمريكي عن دعمه لجهود الحكومة السورية في مكافحة تنظيم داعش. ركزت النقاشات حول غزة على ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات المؤقتة إلى بناء إطار سلام شامل يتضمن ضمانات أمنية، وإعادة إعمار شفافة، وحوكمة محلية تحظى بشرعية عملية، مع التأكيد على أن استقرار المنطقة يتطلب توازناً دقيقاً بين المتطلبات الأمنية والاحتياجات الإنسانية، تمهيداً للانتقال إلى معالجة قضية الحقوق الفلسطينية.

الجيواقتصاد، تآكل قواعد التجارة العالمية وصعود الإكراه الاقتصادي

يظهر تقرير ميونيخ للأمن أن مجال التجارة الدولية هو الأكثر تضرراً من سياسات “الهدم”؛ حيث تخلت واشنطن وبكين عن الكثير من قواعد منظمة التجارة العالمية لصالح صفقات ثنائية قائمة على القوة الاقتصادية. فرضت الإدارة الأمريكية رسوماً جمركية واسعة النطاق وصفت بأنها “غير متوافقة مع قواعد المنظمة”، أدت هذه البيئة إلى لجوء العديد من الدول إلى فرض قيود تجارية متبادلة، مما يهدد سلاسل التوريد العالمية ويزيد من تكاليف السلع الأساسية. وفي غياب وسيط دولي فعال، بدأت الدول المتضررة بتنظيم نفسها في تحالفات مرنة لمحاولة احتواء الآثار وللبحث عن مقاربات جديدة لا تعتمد على القيادة الأمريكية التقليدية. يواجه نظام المساعدات الإنسانية والتعاون التنموي أزمة وجودية؛ حيث تخلت الإدارة الأمريكية عن أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، وقلصت التمويل المخصص للمنظمات الدولية، مما ترك فجوة كبيرة لا تستطيع الجهات المانحة غير التقليدية سدها بالكامل. هذا التراجع يهدد بانهيار شبكات الأمان العالمية في وقت تتزايد فيه الأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة.

الموقف الصيني والروسي، رؤى بديلة وقوة الرفض

قدم وزير الخارجية الصيني وانغ يي في ميونيخ “مبادرة حوكمة عالمية” تدعو إلى تعددية أقطاب حقيقية واحترام سيادة الدول، معارضاً ما وصفه بالنزعات الأحادية. حاولت الصين تصوير نفسها كقوة استقرار تدعم نظام الأمم المتحدة والتجارة الحرة، في تناقض مباشر مع النهج الأمريكي الحالي. ومع ذلك، قوبلت هذه التصريحات برفض شديد من تايوان وقوى إقليمية أخرى، اتهمت بكين بالنفاق وممارسة استفزازات عسكرية تنتهك ميثاق الأمم المتحدة الذي تدعي حمايته.

من الجانب الروسي، استمر سيرغي لافروف في التأكيد على أن نظام “القواعد” الغربي قد انتهى، وأن العالم يتجه نحو هندسة أمنية جديدة في أوراسيا تقوم على “الأمن غير المتجزئ”. واتهمت موسكو الدول الأوروبية بمحاولة إفشال مبادرات السلام الأمريكية لأنها تخشى فقدان السيطرة على الملف الأوكراني. وفي الوقت نفسه، حذر حلف الناتو من أن أي اعتداء روسي على الجناح الشرقي سيقابل برد “عنيف”، مشدداً على أن التحالف لا يزال مستعداً للدفاع عن كل شبر من أراضيه.

رابط مختصر..   https://www.europarabct.com/?p=115020

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...