اختر صفحة

تقوم السلطات الأمنية الألمانية بعمليات بمكافحة مهربي البشر ومتابعة المتورطين. كما بدأت برلين بالتعاون مع الدول المصدرة للهجرة ودول العبور. لكن الخبراء يستبعدون القضاء على التهريب في ظل الوضع الحالي. فما السبب؟

بوتسدام (ألمانيا)، وفيينا (النمسا) في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2016: قام أكثر من 300 من رجال الشرطة بتفتيش عدد كبير من الشقق في سبع ولايات وألقوا القبض على الكثير من المهربين المشتبه بهم. وتزامن ذلك مع عمليات أخرى نفذها المسئولون النمساويون من قبل ضد المهربين.

ولاية بايرن شهر يونيو/ حزيران 2016: اكتشفت الشرطة الاتحادية سيارة لتهريب البشر لاذ سائقها بالفرار. وكان على متنها عشرون من الأفغان مكدسين فيما بينهم. ودفعوا للشخص الواحد للرحلة من بودابست إلى ألمانيا 5000 يورو. بعد استجواب الموقوفين من طرف الشرطة أُحيلت ملفاتهم على المكتب الاتحادي الذي تكفل برعاية إحدى عشر مراهقا كانوا بين الموقوفين.

بودابست، يوليو/ تموز 2016: ألقت القوات الخاصة المجرية بمعية الشرطة الاتحادية القبض على سوري ومجري. ويشتبه بأنهما “جزء من عصابة التهريب”. وفي بفاريا اعتقلت الشرطة عدداً من السائقين، وفتحت تحقيقات حول المشتبه بوقوفهم وراء عمليات التهريب. وأحيل الأشخاص الذين تحوم حولهم الشكوك على السلطات في ألمانيا.

تعاون أمني أوروبي لوقف ظاهرة التهريب

هذه العمليات الثلاث هي مجرد أمثلة للكثير من التدخلات التي قامت بها الشرطة الاتحادية ضد المهربين، بتعاون وثيق مع الشركاء الدوليين. ففي شهر سبتمبر/ أيلول من العام الحالي 2016 جرى اعتقال الكثير من المشتبه بهم في إيطاليا، بلجيكا، فرنسا والسويد. وتتوفر ولاية بافاريا على أطول خط حدودي يصل إلى 815 كيلومترا إلى النمسا، و360 كيلومترا إلى جمهورية التشيك. وانطلاقا من هذه الحدود يدخل اللاجئون القادمون من طريق البلقان إلى الأراضي الألمانية. ويضاف إليهم أولئك القادمون من إيطاليا. وتخضع هذه الحدود الأوروبية منذ خريف العام الماضي بشكل استثنائي لمراقبة عمليات التهريب. وتم تمديد المراقبة إلى العام القادم.

وفتحت السلطات البافارية لوحدها في العام الماضي تحقيقات مع حوالي ما يقرب من 3600 من المشتبه بهم في تهريب 9600 شخص. غير أن هذه الأرقام تراجعت بحوالي الضعف في العام الحالي. فخلال الفترة ما بين يناير/ كانون الثاني وأكتوبر/ تشرين الأول، اعتقلت الشرطة الاتحادية في ولاية بافاريا 850 من المشتبه بهم في تهريب حوالي 3300 شخص. وأحالت السلطات البافارية المعتقلين على المحاكم للبث في قضاياهم. ويوجد 770 من المشتبه بهم في السجن على ذمة التحقيق. ومن أجل تسريع العملية تم تعيين قضاة ومدعين عامين إضافيين. كما تم التخطيط لتوظيف 7000 شرطي جديد.

ويبرر الكثير من المهربين المعتقلين ما يقومون به لرجال الشرطة بالقول إن دافعهم هو “الرغبة في المساعدة”. وبحسب القانون الألماني فإن التهريب يعتبر جريمة يعاقب عليها بالسجن طبقا للفقرتين 96 و97 من قانون الإقامة. أما المهربون الذين يتسببون في وفات أحد الأشخاص فيمكن أن تصل العقوبة في حقهم إلى 15 عاماً.

وفي العام الماضي لقي 71 مهاجراً غير قانوني مصرعهم داخل شاحنة للتهريب نقلتهم من المجر. وفي ألمانيا رصدت السلطات ما بين 2009 و2015 حوالي ثلاث تهريب أدت إلى الوفاة. وأصدرت محكمة فرانكفورت-أودر حكماً بالسجن في حق سوري بتهمة القيام بتهريب بشر أدى إلى الوفاة. ونظم المعني رحلة من تركيا إلى اليونان بسعر 2400 يورو للشخص الواحد. لكن المحرك تعطل وانقلب القارب المكتظ باللاجئين.

“مهرب وأفتخر” !

كتبت صحيفة “تاتس” الألمانية مقالاً بعنوان “مهرب وأفتخر”. تقتبس فيه مما كتب النائب البرلماني الألماني من حزب اليسار ديتَر ديم بعد أن هرَّب داخل سيارته لاجئا قاصراً من إيطاليا إلى ألمانيا. خطوة أثارت غضب راينر يندت، رئيس نقابة الشرطة الألمانية، الذي تساءل: ” كيف يمكن لنائب برلماني أن يخرق القانون”. وفتحت الشرطة الألمانية تحقيقا مع النائب الألماني. ومن جانبه قال الكاتب الإيطالي غيامبلو موسوميتشي في حوار مع الموقع الإليكتروني لصحيفة “دي تسايت” إن “اللاجئين يعتبرون المهربين أبطالا”. لأن “المهربين يقدمون للاجئين ما تتقاعس عن فعله الدول الأوروبية”، يضيف غيامبلو موسوميتشي.
تراجع أعداد اللاجئين واستمرار التهريب

ومنذ ربيع عام 2016، انخفض عدد المعابر الحدودية التي يتبعها المهربون في المجر وسلوفينيا وكرواتيا وصربيا ومقدونيا، بعد إغلاقها. وفي أبريل/ نيسان وقع الاتحاد الأوروبي مع تركيا على اتفاقية تنص على استقبال تركيا للمهاجرين من الذين ليس لديهم حق اللجوء من الأراضي اليونانية. وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونك حول الاتفاقية: “لقد نجحنا في تدمير تجارة المهربين”. غير أن وزارة الداخلية الاتحادية الألمانية تعتقد أن الأشخاص الذين يدفعون ما يكفي من المال للمهربين يمكنهم الوصول إلى ألمانيا.

ومنذ إغلاق طريق البلقان يحاول عشرات الآلاف الوصول إلى أوروبا عبر شمال أفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، على متن قوارب مكتظة، ينتهي الكثير منها بالغرق. ورغم تراجع عدد الضحايا مقارنة مع العام الماضي، إلا أن الأعداد الكثيرة (4690 من الموتى في العام الحالي)، جعل المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين تقول إن عام 2016 هو “العام الأكثر دموية في البحر المتوسط”.

وصل أكثر من 171،700 شخص إلى الأراضي اليونانية، قادمين من سوريا وأفغانستان والعراق. وفي إيطاليا وصل عددهم إلى 171 ألفاً، معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء. وتعهدت ألمانيا بقبول 500 لاجئ من إيطاليا و 500 من اليونان شهريا، في إطار خطة لإعادة توزيع اللاجئين التي نص عليها مبدأ المحاصصة بين دول الاتحاد الأوروبي، الذي رفضته العديد من دول الاتحاد.

ومنذ ربيع عام 2016، انخفض عدد المعابر الحدودية التي يتبعها المرهوبون بعد إغلاق طريق البلقان
36617353_401
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف يُمنَع المهربون والمهاجرون غير القانونيين من عبور الناس من طريق البحر الأبيض المتوسط؟. ومن أجل ذلك يعول الاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية على التعاون الوثيق مع البلدان المصدرة للهجرة ومع دول العبور.

ففي مصر، وتونس، والمغرب مثلا يشرف رجال أمن ألمان في تأهيل وتدريب رجال الأمن في مراقبة جوازات السفر أو السلامة الجوية. ويأمل الجانب الأوروبي في القيام بنفس التجربة مع الجزائر وليبيا، على حد قول هيلموت تايخمان، رئيس الشرطة الاتحادية لدى وزارة الداخلية الألمانية. غير أن الوضع الأمني لا يسمح بذلك بعد، يضيف المسؤول الألماني في حديث لموقع DW .

وتجري الدول الأوروبية حاليا محادثات مع النيجر، التي ينطلق منها الكثير من المهاجرين غير الشرعيين من غرب أفريقيا. وعرضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المساعدات على النيجر ومالي وإثيوبيا وتشاد للمساعدة على مكافحة المهربين. كإرسال رجال الشرطة الألمانية للإشراف على تدريب رجال الأمن في تلك الدول.

انتقادات للعروض الأوروبية للدول المصدرة للهجرة

ويعرض الاتحاد الأوروبي اتفاقية التعاون في مجال الهجرة مع النيجر ونيجيريا والسنغال ومالي وإثيوبيا، لمنع الهجرة غير الشرعية نحو الاتحاد الأوروبي، واستعادة طالبي اللجوء الذين رفضت طلباتهم، مقابل حصول تلك الدول على مساعدات في مجال التنمية. لكن المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين ترفض ربط تلك المساعدات بإرجاع المهاجرين غير القانونين إلى وطنهم الأصلي.

ويرى سيرهات كاراياكلي، الباحث في مجال الهجرة، أن مكافحة المهربين لن يفضي إلى نتيجة فعالة في المستقبل. وتطالب المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين بإنشاء “طرق آمنة أمام الأشخاص المعرضين للخطر”.

وتحذر منظمة “برو أزول”، المدافعة عن حقوق اللاجئين ومنظمة “الخبز للعالم” في بيان مشترك من “أن مكافحة المهربين يبقى بدون جدوى إذا لم تفتح طرق قانونية وآمنة أمام اللاجئين”. نفس الموقف يتبناه السوري علاء هود. ويوضح ذلك في حوار مع DW قائلاً: “بغض النظر عما إذا كانت أوروبا أو العالم يقومون بشيء ضد المهربين، فإن الناس الموجودين في حالة خطيرة سيجدون دائما طريقا للهرب. وشخصيا سأقوم بذلك كلما اضطررت لذلك. فلو بقيت في دمشق لكنت في عداد الموتى”.