اختر صفحة

الحجاب في أوروبا.. حيرة الحرية الدينية بين ثقافتين

العرب اللندنية ـ 29 يونيو 2017 ـ في سنة 2013 قدم المجلس الأعلى للاندماج في فرنسا مقترحا يقضي بمنع الحجاب في الجامعات والذي عكس توجها نحو توسيع سياقات الحظر التي شملت المدارس وأجهزة العمل الحكومي منذ عام 2010. لم يكن هذا القانون تعبيرا عن نزعة يمينية متطرفة تجاه الحجاب بقدر ما مثل استمرارا لموجة من العدائية المفرطة تجاه هذا الرمز الذي أصبح يختزل التهديد الإسلامي المتطرف للقيم الأوروبية.

في ظل المناخ الشعبي الذي تهيمن عليه العنصرية والدعوات المتطرفة والخطابات الشعبوية المناهضة للأقليات المسلمة في أوروبا لم تعد مساحات الكراهية حكرا على بعض التيارات اليمينية بعد أن أصبحت مجال تجاذب سياسي وقانوني بشأن الحريات الدينية وأسس العلمانية الغربية لتتحول إلى جدال مجتمعي واسع لا تخلو تفاصيله من التوظيف السياسي ونزعات الإقصاء والتمييز.

ويعالج الكاتب العراقي ضياء الجنابي جدلية معركة الحجاب انطلاقا من تجربته المهجرية الطويلة ورصده لتفاعلات اللغط السياسي والقانوني المثار حول قرار حظر الحجاب في بلجيكا.

ويتعرض كتاب “الحجاب في أوروبا” إلى القوانين والمواقف الرسمية والمتشنجة التي تعاملت مع مسألة الحجاب وما نتج عنها من ردود أفعال. ويعرض تاريخ وجود الأقليات المسلمة في أوروبا وبلجيكا كنموذج ويتناول عددا من المشكلات التي تمخضت عن إشكالية الحجاب والتي لا تزال تلقي بظلالها على الأقليات المسلمة نتيجة التضييق على ممارسة حقها في اختيار الزي المناسب وانعكاس ذلك في التمييز الممارس ضدها في العمل. ويسلط الضوء على بعض الظواهر التي تعاني منها الأقليات المسلمة مثل الإسلاموفوبيا وفوبيا الحجاب وموريل ديغوك وغيرها من الظواهر ونتائجها السلبية.

الإطار النظري للحجاب

تختلط إشكالية الحجاب وتتداخل في سياقاتها الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية خاصة في ظل الموقف العلماني الذي يعتبر أن الملابس والحجاب تحديدا أمر مرتبط بالمجتمع وليست له علاقة بالشريعة؛ فالحجاب حسب هذا الرأي منحصر برمته في عادات المجتمع وتقاليده.

من هذا المنطلق كان الحجاب منطلق التصادم الفكري داخل المجتمع البلجيكي بثقافته الغربية المتحررة والمنفتحة ثقافيا وسلوكيا وعلى مستوى اللباس الذي يعتبر أحد مقدسات الحرية الفردية في مقابل الطبيعة المحافظة والزي المحتشم للجاليات المسلمة والتي تحمل في تفاصيلها استبطانا للأصول التراثية الثقافية والقومية لبلدان المنشأ، فعلى سبيل المثال يمكن التمييز بين زي نساء الجالية المغربية عن الجالية التركية وكذلك في الجاليات الأخرى كالألبانية والشرق أوسطية أمثال الجالية العراقية والمصرية والسورية وغيرها.

هناك تفاوت في النظرة إلى الحجاب بين الأقلية المسلمة في أوروبا والذي تعتبره التزاما دينيا وأخلاقيا وبين المجتمع الغربي الذي يتوجس خيفة من أي تمييز اجتماعي أو ثقافي.

ويعتبر هذا التمايز تمهيدا لصراع ثقافي محتدم بين المسلمين والغرب. وقد تبلور هذا الهاجس شيئا فشيئا في صورة صراع سياسي وصدام أيديولوجي خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر. وتجلى ذلك في محاولة الولايات المتحدة الأميركية وغالبية الدول الغربية تسييس وتقنين هذا الصراع خاصة بعد انطفاء جذوة الحرب الباردة في محاولة لجعل الإسلام العقبة أمام الهيمنة الغربية.

وفي هذا الخضم صدرت القوانين والقرارات في أغلب الدول الغربية والتي غايتها الحيلولة دون ارتداء المرأة المسلمة الحجاب.

واختزل الفيلسوف الفرنسي المتخصص في الأديان ريجيس ديبري جوهر المعضلة، إذ لم يتردد في أن يقول إن “حجاب المسلمات في الشوارع الأوروبية كشف لنا هشاشة قناعاتنا العلمية”. وأضاف أن “الحجاب يكشف في حد ذاته الآن انقلابا حضاريا وأزمة للمقدس عندنا”.

وينظر العلمانيون إلى التدين باعتباره أمرا شخصيا ينحصر في إطار الفرد ولا ينبغي أن يتدخل فيه أي أحد بأي حجة، فهو في نهاية المطاف حسب اعتقادهم علاقة بين العبد وربه.

لكن بعض التيارات داخل الحركة العلمانية بدأت خلال السنوات الأخيرة في الغوص في بعض المسائل الشرعية التي يفترض أن تكتسي طبيعة ذاتية في إطار حرية المعتقد ومبدأ فصل الدين عن السياسة والتي كان من بينها مسألة حجاب المرأة المسلمة، فعلى الرغم من أنها تعد أمرا شخصيا إلا أنهم أباحوا لأنفسهم الخوض فيها حيث تعددت التأويلات التي اعتبر بعضها أن الحجاب مسألة اجتماعية ليست لها علاقة بالدين وأن تغطية رأس المرأة غير واجبة، فيما ذهبت أراء أخرى إلى أن الحجاب ليس من الدين أصلا ولم يرد بوجوبه أو وجوب الالتزام به في الشريعة الإسلامية وقد نتج عن ذلك أن واكبت هذه الحركة الفكرية حركة تقييد للمحجبات بالدول الغربية بشكل موسع.

بعد نهاية الحرب الباردة صنع الغرب لنفسه عدوا وهميا وعمل وفق استراتيجية لتصوير الإسلام على شاكلة التهديد الذي يتربص بأوروبا، ولكي يكتمل المشهد أطلق عدة مصطلحات لتتواءم مع هذه الفكرة مثل “الإسلام الراديكالي” وصولا إلى مصطلح “الإسلاموفوبيا”.

ووفقا لهذا السيناريو وجد الغرب في الحجاب تجسيدا حيا واختزالا للإسلام بكل مقوماته التشريعية والتاريخية وحتى الثقافية باعتباره رمزا إسلاميا له دلالاته المعنوية.

الحظر البلجيكي للحجاب

تعود جذور قضية الحجاب في إطارها القانوني في بلجيكا إلى شهر ديسمبر لعام 2004 عندما صرحت الحكومة الاتحادية بأنها تدرس قرارا يقضي بفرض حظر على ارتداء الرموز الدينية الواضحة لموظفي الخدمة المدنية، وتمخض عن هذا التصريح صدور قرارات مختلفة للحكومات المحلية في الكثير من البلديات تمنع ارتداء الحجاب الإسلامي في الجامعات والمدارس والدوائر الحكومية.

في عام 2011 صدق مجلس النواب البلجيكي بتصويت أعضائه بأغلبية ساحقة لصالح إدخال التشريعات التي تحظر ارتداء البرقع في الأماكن العامة، وتمت الموافقة على مشروع هذا القانون بأغلبية مئة وستة وثلاثين صوتا مقابل صوت واحد، وامتناع اثنين من أعضاء المجلس عن التصويت، وبهذا التشريع أصبحت بلجيكا البلد الأوروبي الثاني الذي يحظر ارتداء البرقع في الأماكن العامة بعد فرنسا.

كما أن الأحزاب المشاركة في الحكومة أو الأحزاب المعارضة معا في نفس العام كانت قد اتفقت على اعتماد مشروع قرار يمنع ارتداء النقاب حتى في الشوارع، وقد أثارت هذه القرارات حفيظة الجالية المسلمة المقيمة في بلجيكا التي عبرت عن غضبها بوسائل مختلفة معتبرة أن هذه القرارات ضد حقوق الإنسان وضد حقوق المواطنة، وخرجت عدة مظاهرات منددة بهذه القرارات وكانت أهمها تلك التي خرجت في بروكسل منددة بالقرارات التي تحول بين النساء وبين حريتهن.

وتنوعت المواقف في هذا الصدد منها أن قاضي محكمة ليمبورغ في إقليم فلاندرن أعطى الحق للنساء المسلمات في ارتداء الحجاب (غطاء الرأس) تحديدا عند أخذ الصور الخاصة ببطاقات تحديد الشخصية ونقلت الإذاعة البلجيكية تصريحا للقاضي قال فيه إن “الإسلام دين معترف به في المملكة البلجيكية وبالتالي فمن حق النساء المسلمات ارتداء الحجاب”.

كما أن الإذاعة قد أشارت إلى أن ثماني سيدات مسلمات في مدينة برينجين بمقاطعة ليمبورغ كن قد لجأن إلى القضاء الذي حكم لصالحهن وأعطاهن الحق في أن تكون صورهن في البطاقة الشخصية بالحجاب خاصة وأنه لا يوجد في الصورة مانع من التعرف عليهن، وعلى النقيض صدر قرار محكمة العمل في مدينة أنتويربن الذي أعطى أرباب العمل الحق في طرد الموظفات والعاملات المحجبات من الخدمة.

وقالت المحكمة إن إحدى الشركات المتخصصة في الحراسات تطبق نظاما حياديا بشأن انتماءات كافة العاملين فيها وتفرض حظرا على ارتداء أي زي يشتمل على أي علامات تعبر عن الانتماء العقائدي أو السياسي أثناء فترة العمل.