المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية
ترامب وشي.. تهدئة مؤقتة
تشكل زيارة دونالد ترامب إلى الصين محطة مهمة في مسار العلاقات الأمريكية الصينية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين القوتين حول التجارة والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي. فالزيارة لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل حملت رسائل استراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتنعكس على مستقبل النظام الدولي وعلى توازنات الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل التصعيد المرتبط بإيران.
وقد ازدادت أهمية الزيارة مع الإعلان عن اتفاق مبدئي لتنظيم زيارة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى الولايات المتحدة في سبتمبر المقبل، في خطوة تعكس رغبة الطرفين في استمرار الحوار السياسي واحتواء التوترات المتصاعدة بينهما. ويشير هذا الاتفاق إلى أن واشنطن وبكين تسعيان إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة رغم التنافس الحاد في الملفات الاقتصادية والعسكرية.
أظهرت الزيارة رغبة مشتركة على مستوى العلاقات الثنائية في احتواء التصعيد ومنع انزلاق العلاقات نحو مواجهة مفتوحة. فرغم استمرار الخلافات العميقة بين واشنطن وبكين بشأن قضايا مثل تايوان والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، فإن الطرفين يدركان أن الصدام المباشر سيؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية خطيرة. لذلك جاءت الاتفاقات التجارية التي أُعلن عنها خلال الزيارة، مثل صفقات الطائرات والمنتجات الزراعية، كرسالة تهدئة متبادلة تهدف إلى إعادة بناء الثقة الاقتصادية وتقليل الضغوط على الأسواق العالمية.
لكن هذه التهدئة لا تعني نهاية التنافس الاستراتيجي بين البلدين. فالولايات المتحدة ما تزال ترى في صعود الصين تهديدًا لمكانتها الدولية، بينما تعتبر بكين أن السياسة الأمريكية تهدف إلى احتوائها ومنع تحولها إلى قوة عالمية مهيمنة. ومن ثم، فإن الزيارة يمكن فهمها باعتبارها محاولة لإدارة الصراع وليس إنهاءه. وهذا يعكس نمطًا جديدًا من العلاقات الدولية يقوم على “التنافس المنضبط”، حيث يتعاون الطرفان اقتصاديًا في بعض الملفات، بينما يستمران في التنافس الحاد في ملفات الأمن والتكنولوجيا والنفوذ العسكري.
أما فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، فقد حملت الزيارة أبعادًا مهمة تتصل بإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى في المنطقة. فالصين أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا متزايد التأثير في الشرق الأوسط، خاصة بعد نجاحها في رعاية التقارب بين السعودية وإيران عام 2023. ومن هنا، فإن أي تقارب أمريكي صيني— حتى لو كان محدودًا—قد ينعكس على طبيعة التوازنات الإقليمية.
وفي ما يخص الأزمة المرتبطة بإيران، تبدو الصين حريصة على منع اندلاع حرب واسعة في الخليج، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من المنطقة. ولذلك من المرجح أن بكين استغلت الزيارة للتأكيد على ضرورة الحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري. وفي المقابل، حاولت واشنطن الضغط على الصين للحد من تعاونها الاقتصادي والتكنولوجي مع طهران، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والتجارة والالتفاف على العقوبات الأمريكية.
غير أن احتمالات الحرب مع إيران ما تزال قائمة، خصوصًا إذا فشلت الجهود الدبلوماسية أو تصاعدت الهجمات المتبادلة في المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن نتائج زيارة ترامب قد تؤدي إلى نوع من “التفاهم غير المعلن” بين واشنطن وبكين بشأن احتواء الأزمة الإيرانية ومنع تحولها إلى حرب شاملة تهدد الاقتصاد العالمي. فالطرفان، رغم خلافاتهما، يشتركان في مصلحة أساسية تتمثل في حماية استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
كذلك، تكشف الزيارة عن تحول مهم في طبيعة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة لم تعد راغبة في الانخراط العسكري الواسع كما حدث في العراق وأفغانستان، بل أصبحت تفضل إدارة الأزمات عبر التحالفات والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية. وفي المقابل، تسعى الصين إلى توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والاستثمارات دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة. وهذا يعني أن المنطقة قد تشهد خلال السنوات المقبلة تنافسًا أمريكيًا صينيًا أكثر هدوءًا، لكنه أعمق تأثيرًا على المستويات الاقتصادية والسياسية.
في النهاية، تؤكد زيارة ترامب إلى الصين أن العلاقات بين القوتين دخلت مرحلة جديدة من التوازن الحذر، حيث يمتزج التعاون بالصراع، والتهدئة بالمنافسة. كما أن انعكاسات هذه الزيارة لن تقتصر على آسيا، بل ستمتد إلى الشرق الأوسط، خاصة في ظل التوتر مع إيران والتحولات المتسارعة في النظام الدولي. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية سيظل أحد أهم العوامل المؤثرة في استقرار العالم خلال السنوات المقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=118503
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
