اختر صفحة

تداعيات فوضى المرتزقة على الإرهاب في أفريقيا.بقلم الدكتور بلهول نسيم

أكتوبر 31, 2020 | داعش والجهاديون, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد : الدكتور بلهول نسيم

مقدمة:

لا تزال القارة الأفريقية أحد أهم النقاط الجغرافية الأكثر حساسية من مخاطر تقاطع الخطوط اللزجة لكل من ثنائية الإرهاب وتدخلات جيوش المرتزقة، كأحد المعادلات الأمنية العصية على الكثير من مناطق العالم.. هذه القارة وبحكم أنها جاثمة على ثروات طبيعية مهمة، لا تزال تشكل أحد الدوائر الجغرافية اهتماما من طرف مصالح القوى الغربية، خاصة ما يتعلق منها بقطاع الإستثمارات الطاقوية.

وهو ما دفع بها إلى عقد صفقات إستراتيجية حرجة مع شركات المرتزقة الخاصة على حساب أمن واستقرار القارة. وذلك من خلال الإضطلاع إلى نوع من إعادة صياغة الجغرافية الأمنية لدول القارة الأكثر هشاشة، هذا بالموازاة مع وظائف أخرى مندسة في إطار المهام المعلنة، والأمر يتعلق هنا برسم وتثبيت معالم مصفوفة رعب وفوضى مستدامة في النقاط الجغرافية الرخوة من القارة السمراء (وهي أقاليم تتداخل فيها التهديدات الأمنية التقليدية مع غير التقليدية).

وهو ما يؤمن لتلك الشركات الغربية العابرة للأوطان إستمرارية قبضتها وتحكمها في موارد القارة السمراء. في المقابل، أعادت جيوش تلك الشركات تجميع العنف في إطار مصفوفة السوق الزائفة، وذلك سعيا منهم لتأسيس ملاذات آمنة تحيط بتلك الجيوب الجغرافية المهمة اقتصاديا.

وحول هذا الأمر، أشار هاردينج – Harding إلى حقيقة مفادها أن “ما قاموا به [المرتزقة] حتى الآن وبنجاح، يعود إلى كون قضية السوق تعتبر سببا مهما لغياب الإستقرار السياسي في إفريقيا. لقد جند المرتزقة أنفسهم من أجل خدمة مصالح السوق الغربية في القارة، وذلك من خلال التلاعب بعناصر الإرهاب والأمن في هذا الجزء المظلم من الجغرافيا العالمية”1. وهو الأمر الذي يدفعنا من خلال هذا المقال إلى التساؤل عن طبيعة العلاقات البينية التي تربط بين ظاهرتي الإرتزاق والإرهاب في القارة الأفريقية؟. وعن انعكاس تلك العلاقة على مشهدها الأمني؟.

  1. الإرتزاق: المعنى والتاريخ

   إن ممارسة الإرتزاق – والتي تعني وضع جنود محترفين لرصيدهم القتالي أثناء صراع تحت خدمة طرف على حساب طرف آخر معادي له، نظير مقابل مادي- تعتبر ظاهرة ونشاط قديم قدم ظاهرة الصراع نفسها. إلا أن توظيفها في التاريخ المعاصر إرتبط بالقوى الإستعمارية الأوروبية الكبرى، التي وظفت تلك الظاهرة المرتزقة في إطار مساعيها الدؤوبة من أجل تمكينها من السيطرة على ما تعتبره أراضيها الواقعة ما وراء البحار. وذلك من خلال قيامها بمجموعة من المهام لا تسند عادة إلى الجيوش النظامية، لكونها ولاعتبارات أخلاقية مرفوضة، هذا من جهة. ومخالفة تماما للأعراف وقواعد الحرب من جهة أخرى، فهي أقرب لما يسمى بالحروب القذرة – حيث تكون فيها الممارسات القتالية أقرب إلى الجريمة والإرهاب – منه لقواعد الحرب النظيفة.

لقد تم استخدام قوات المرتزقة ولأول مرة في تاريخ القارة وعلى نطاق واسع من طرف القوى الإستعمارية، وكان ذلك في فترة سبعينيات القرن التاسع عشر. ليعاد توظيف الظاهرة في تاريخ القارة الحديث، ولكن هذه المرة كان من أجل تأمين عملية نهب مستمر لموارد القارة لصالح الشركات الغربية العابرة للأوطان. غير أنه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حملت عودة المرتزقة إلى القارة بعدًا جديدًا على مستوى شدة الصراعات خاصة في كل من: أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقًا) والكونغو – برازافيل وليبيريا والسنغال والسودان وسيراليون. والتي عانت كثيرا من اتجاهات الفوضى والإرهاب التي خلفتها من ورائها تدخلات قوات المرتزقة.

  1. القمع الإرهابي الممنهج باسم هندسة الأمن في أفريقيا:

خلال فترة الحرب الباردة، أي في تلك المرحلة التي عرفت فيها استبدال الحروب بالوكالة بالحروب الإقليمية والتي كانت الدولة الوطنية أحد مسارح عملياتها، كثيرا ما كان أغلب المرتزقة المتعاقدين مع القوى الأجنبية ما يتم تحويلهم إلى جيوش خاصة مستقلة، تتمتع بذاتية الحركة.

تستفيد من خلالها تلك القوى من مزايا استراتيجية واقتصادية كثيرة باتت تؤمنها تلك المعضلة الأمنية (المرتزقة)، والتي أضحت تفرض على توازنات القوى الدولاتية وعلى أمن القارة ككل معادلة أمنية في غاية من الحساسية والخبث في نفس الوقت.

لقد ساهم المرتزقة، منذ أواخر القرن الثامن عشر، في اشتعال العديد من الصراعات في القارة السمراء، وكانوا البوابة التي من خلالها تسللت تلك القوى الإستعمارية إلى أراضي القارة، هذا إلى جانب مساهمتهم في حملات اضطهاد وقمع مورست في حق الشعوب الأفريقية المستعمرة التي كانت تتطلع نحو تقرير مصيرها وتحقيق استقلالها الوطني.

لقد عمل عدد كبير من المرتزقة كعيون ونقاط مراقبة متقدمة في أقاليم القارة وذلك لمصلحة الإندفاع الإستعماري المستجد والذي كان يؤمن بنظرية الحق الإستعماري وحروب الإرجاع. وفي هذا الأمر تعتبر “الشركة الأفريقية المتحدة” – the Organisation of African Unity (OAU) – واحدة من بين أهم شركات المرتزقة والأكثر مساهمة في تكريس ذلك الإندفاع. حيث كانت نشاطاتها تقتصر على بعض أقاليم القارة الناطقة باللغة الإنجليزية. هذا إلى جانب “الشركة الفرنسية لغرب أفريقيا” –La Compagnie Française de l’Afrique de l’Ouest (CFAO).

هنالك من أظهر احتراما كبيرا للمرتزقة اعترافا منهم بما قدموه من خدمات أمنية جليلة عجزت القوات الأمنية النظامية المحلية عن تجسيدها على أرض الواقع. فيما رفض البعض هذه الفكرة نظرا وتورطهم إلى جانب الحكومات الأفريقية الفاشلة في عمليات قمع وإرهاب كثيرة في حق المواطنين، هذا من جهة.

وكذا من جهة دعمهم لكثير من الجماعات الإنفصالية والإرهابية المناهضة لتلك الحكومات التي رفضت أن تكون مجرد بيادق خاضعة لأوامر ومصالح تلك القوى الغربية: حيث، قامت الجهات الأمنية الغربية إلى جانب القوى الإستعمارية – في شكلها المعاصر الناعم – بإبرام العديد من الصفقات والعقود مع  مرتزقة ضالعين في كل أشكال الحروب القذرة، على غرار كل من: مايك هوار –  Mike Hoare وجاك شرام – Jacques Schramme وبوب دينارد – Bob Denard. وذلك من أجل تنفيذ عمليات إبادة بشرية واسعة تأخذ شكل أعمال إرهابية وذلك في حق شعوب دول أفريقية عديدة، منها: الكونغو (1960)، جزر القمر (1970 – 1990)، البنين (1970).

وذلك للحيلولة دون تحقيق استقلالهم السياسي المنشود. بل أبعد من ذلك، فلقد ساهموا في تهديد وزعزعة إستقرار دول أفريقية كانت تتمتع بسيادة مهمة (وهو الأمر الذي يتعلق بكل من دولتي: أنغولا وموزمبيق). كما ولقد تورطوا في عمليات اغتيال العديد من القادة الأفارقة (كباتريس لومومبا – Patrice Lumumba من الكونغو، وأحمد عبد الله من جزر القمر).

هذا إلى جانب كونهم عملوا في الكثير من المناسبات من أجل الإطاحة بالعديد من الأنظمة في القارة، وذلك من خلال التخطيط للكثير من الإنقلابات ضد حكام ناهضوا ورفضوا الإنصياع لأجندات القوى الأمبريالية الجديدة في القارة. حيث تكفلت بتنفيذها العديد من شركات المرتزقةـ والتي كانت ولا زالت تدار من طرف كبار المرتزقة في العالم، على غرار كل من: جاك شرام وبوب دينارد، والعقيدين إيبن بارلو – Eeben Barlow وتيم سبايسر – Tim Spicer.2

في حقيقة الأمر، عرف نشاط تلك الشركات إنتعاشا كبيرا داخل القارة نتيجة للفراغ الأمني الرهيب ​​الذي طفا إلى السطح بمجرد خروج القوى الكبرى من مناطق الحرب في القارة. وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى ظهور خلافات داخلية عميقة على مستوى الدولة الوطنية.

فعلى الرغم من أن تلك الشركات كانت تظهر بمظهر العوامل المعززة لوتيرة الإستقرار التنموي والأمني في دول القارة، وذلك في ظل غياب الخبرة والإحترافية عند القوى الأمنية المحلية، إلا أنه لا يوجد أدنى شك أنها ساهمت ولا تزال تساهم في عملية تفكيك الأمن وتشتيته بل والتلاعب بعناصره داخل العديد من الدول التي لا تزال تعرف استمرارية لذلك النوع من الصيغ البدائية للحكم في أفريقيا (حماية الملوك والديكتاتوريين من أية انتفاضة شعبية).

خاصة في ستينيات القرن الماضي، أين بدأت تعرف خلالها القارة انحسارا مهما في الظاهرة الإستعمارية: حيث قام العقيد ديفيد ستيرلنغ -Colonel David Stirling، مؤسس شركة “سبييال إير سيرفيسس” -Special Air Services (SAS) ، بتشكيل ما يعرف بمجموعة: “واتش غارد إنترنشيونال” – Watch Guard International والتي قدم من خلالها خدمات أمنية كثيرة (الإستطلاعات العسكرية، المشورة الأمنية، تدريب وحدات المرافقة القريبة، تدريب القوات الخاصة، مكافحة التمرد…إلخ) في كل من شرق ووسط أفريقيا.

  1. المرتزقة والثورات المضادة في أفريقيا:

خلال الحرب العالمية الثانية، عرفت القارة الأفريقية تجنيد الآلاف من أبنائها في صفوف الجيوش الإستعمارية (قوى التحالف). وهو ما سمح لهم بتكوين رصيد قتالي مهم كان – لولا استغلال وتلاعب سياسات القوى الإستعمارية بهم – بالإمكان أن يتحول إلى بطارية ثورية مهمة في القارة من شأنها أن تقوم بتصفية ظاهرة الإستعمار من القارة. ونظير التضحيات التي قدمها الأفارقة المجندين إبان الحرب العالمية الثانية إلى جانب قوى التحالف، تم تسريحهم ليوظفوا فيما بعد من أجل سحق وتخريب وإحباط أو قمع تطلعات شعوبهم نحو تقرير المصير .. فعلى سبيل المثال: قام العقيد ستيرلنغ – مدير مجموعة واتش غارد إنترناشيونال – Watch Guard International بتأسيس ما يعرف ب: “كابريكورن أفريكا” – Capricorn Africa – وهي عبارة عن شركة من المرتزقة تضم إلى جانبها مجموعة من النخب من البشرتين (البيض والسود). كانت أحد أبرز مهامها هي إقناع السود في كل من تنجانيقا (تنزانيا حاليا)، كينيا، روديسيا (زيمبابوي المستقلة حاليا) ونياسالاند (ملاوي وزامبيا حاليا) بضرورة التخلي عن فكرة حكم الأغلبية السوداء، وذلك لمصلحة إبقاء البيض دوما في سدة السلطة والهيمنة على مقاليد الحكم وذلك على حساب إرادة الأغلبية السوداء.3 وهي تقريبا نفس الأساليب التي تكررت مع المشروع الذي عكف عليه الفرنسيون خلال حرب الإستقلال الجزائرية، وذلك في إطار ما يعرف بمنظمة الجيش السري -Organisation Armée Secréte (OAS) (عناصر كثيرة من هذا التنظيم على غرار كريستيان تافيرنييه – Christian Tavernier، كانت قد لعبت، في وقت سابق، أدوارًا مهمة في كل من الكونغو وأنغولا).

  1. أجندة المرتزقة في أفريقيا المعاصرة:

على الرغم من أن هناك محاولات عديدة للتمييز بين المرتزقة الجدد و”الجماعات الإرهابية” الخارجة عن القانون، والتي قامت خلال الأربعون سنة الماضية بأعمال إجرامية كثيرة على مستوى القارة السوداء، إلا أن جيوش المرتزقة استفادت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م من عدد مهم من التكتيكات والإستراتيجيات الإرهابية المتطورة، والتي تختلف كلية عن تلك التي كان يتمتع بها مرتزقة الستينيات.

هذا إلى جانب تغير طبيعة البيئة السياسية الدولية. لقد تغير نشاط المرتزقة في القارة ليأخذ شكل العصابات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية التي كرست منطق الفوضى داخل القارة في ظل غياب دولة القانون وفساد الأنظمة، وهو ما شجع على انخراط الكثير من مجرمي الحرب والمنشقين عن الجيوش الغربية لتلك الشركات، مثلما هو الحال بالنسبة إلى العقيد كالان – Colonel Callan وغيرهم ممن تورطوا في الكارثة الأنغولية، وإيبن بارلو – Eeben Barlow والذي ينتمي إلى “إكزيكوتيف أوتكومز” -Executive Outcomes (EO) ، والتي تعد واحدة من أفضل مجموعات المرتزقة المعروفة اليوم في العالم. هذا إلى جانب تيم سبايسر – Tim Spicer من شركة ساندلين الدولية – Sandline International. 4

أغلب تلك الحكومات التي أبدت حاجتها الماسة إلى مثل هذا النوع من الخدمات، هي في الأخير تكرس أحد الأشكال البائسة لما يعرف ب”إرهاب الدولة” في أفريقيا، كتخريجة خبيثة لإدارة الأمن من طرف أنظمة فاشلة لا تقوى إلا على قمع شعوبها من خلال حروب قذرة موجهة إلى الداخل. وكلما ازداد خوفها من تنامي اتجاهات الثورة والتغيير كلما بذلت المال والنفيس من أجل الإبقاء على أنفسهم وبالتالي مصالح القوى الغربية مستمرة في عملية النهب والإفقار المستدام لشعوب القارة، فعلى سبيل المثال: قيمة العقد الذي أبرمته الحكومة الأنغولية مع “شركة إيكزيكوتيف أوتكومز”، يتجاوز ما قيمته 40 مليون دولار أمريكي، هذا بالإضافة إلى امتيازات أخرى من الألماس قدمت إلى شركة فرعية تابعة لها.5

خاتمة:

      بناء على ما سبق، يمكن القول أن كل النقاط المذكورة سلفا، في حقيقة الأمر، تكشف عن طوباوية رؤية المتتبعين والدارسين للظاهرة، والذين اعتبروا في وقت سابق أن اللجوء إلى استخدام المرتزقة اليوم هو الترياق الفعال لمواجهة حالات كثيرة من اللاأمن في أفريقيا. غير أنهم تناسوا في ذلك الآثار الإقتصادية، المجتمعية والسياسية الناجمة عن نشاطاتهم: من تخريب لسيادة الدولة – والتي يدعي المرتزقة حمايتها-. وهو ما يقوض مصداقية ذلك الموقف العلمي، في إطار استمرارية فقدان الكثير من الأنظمة الهشة في أفريقيا لشرعيتها، وهو ما سيترك الباب مفتوحا أمام تنافس المرتزقة الذي سيشتد في العشريتين القادمتين من أجل زرع بذور الأمن الزائف في أقاليم القارة التي لا تزال عبارة عن حقل تجارب مهم بالنسبة إلى العديد من المجموعات والكيانات المسلحة.

رابط مختصر https://www.europarabct.com/?p=72560

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الهوامش:  

*الدكتور بلهول نسيم، أستاذ وباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية.

1 Jeremy Harding, Transcript of Radio National (Australia) ptogramma “Background Briefing», Diamond Mercenaries of Africa, 4 August 1996, p. 12.

2  كان كارلوتشي المسؤول الميداني لوكالة المخابرات المركزية بالكونغو، ولقد لعب دورًا رئيسيًا في عملية القضاء على باتريس لومومبا وتنصيب موبوتو سيسي سيكو مكانه.

3 أنظر في ذلك:

Wilfred Burdett, The Whores of War: Mercenaries Today (Longman, 1977), p.152

4 Sandline International Promotional Brochure. See Sandline International Internet Website for additional image laundry. <www.sandline.com>

5 Minutes of Evidence taken, Foreign Affairs Select Commitee Report, Vol 2, p. 138.

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك