اختر صفحة

اعداد : اللواء الركن المتقاعد الدكتور، عماد علو 

مستشار المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب 

اثر الدعوة التي اطلقها رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني لإجراء الاستفتاء على الاستقلال في اقليم كردستان  تصاعد التوتر بين الاكراد وباقي مكونات المجتمع العراقي في ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها من البلاد، مع مطالبة كل من حكومة بغداد و «حكومة إقليم كردستان» بالسيادة على عددٍ كبير منها.  وقد شهدت بعض تلك المناطق مواجهات مسلحة وقعت في طوز خورماتو وشمالي محافظة ديالى ، كما شهدت مناطق سنجار غرب الموصل اليوم توترات متصاعدة بين قوات البيشمركة وقوات الحشد الشعبي التي فرضت سيطرتها على مجموعة من القرى جنوب وغرب سنجار على طول الحدود السورية العراقية .

ويبدو أن دعوة السيد البارزاني للاستفتاء في المناطق المتنازع عليها حيث تعيش مجموعات متعددة الاعراق قد اجج التوترات والمخاوف من تعرض السلم الاهلي لعواقب وخيمة قد تصل الى حد الحرب الاهلية  . علما” أن المناطق المتنازع عليها تشمل خمسين قضاءً من الأقضية العراقية . وتقع جميع هذه المناطق المتنازع عليها جنوب ما يعرف بـ “الخط الأخضر”، أي الحدود القائمة بعد عام 1991 بين الأقسام الخاضعة للحكومة العراقية في عهد صدام حسين وتلك الخاضعة لـ «حكومة إقليم كردستان».

بعد عام 2003 دخلت قوات البيشمركة لمعظم تلك المناطق وتم اتباع سياسة( تكريد) لتغيير التركيبة الديمغرافية وفرض الأمر الواقع على الحكومة الاتحادية لصالح الاكراد بهدف ضم تلك المناطق الى اقليم كردستان العراق . ولم تطبّق حتى الآن آليات التسوية المتوافق عليها والمنصوص عليها في المادة 140 من الدستور العراقي لسنة 2005 . وقد ساهمت السياسة التي اتبعتها حكومة اقليم كردستان  ازاء المكونات المجتمعية الاخرى في تلك المناطق في زعزعة الاستقرار بشكل حاد وتسببت بمعاناة بشرية كبيرة في الأقضية الواقعة ضمن “الحدود الداخلية المتنازع عليها”.

وللمساعدة على حل النزاع، اضطلعت الولايات المتحدة الامريكية التي احتلت قواتها العراق بين عامي 2003-2011، بدورٍ حيوي في المسألة كوسيطٍ نزيه في مناسبات عديدة. فبعد عام 2003، عمل التحالف بقيادة الولايات المتحدة كقوة غير معلنة لحفظ السلام طوال ثمانية أعوام إلى حين الانسحاب الأمريكي. وتدخّل القادة العسكريون الأمريكيون للتخفيف من حدة تصعيد عمليات الحشد الكبيرة التي قامت بها حكومة بغداد وحكومة اقليم كردستان على طول الخط المتنازع عليه في عامَي 2008 و2011. فضلاً عن ذلك، وضعت الولايات المتحدة “الآلية الأمنية المشتركة” لتسيير دوريات مشتركة على طول الممر المتعدد الأعراق في حين أدركت أن التنظيمات الإرهابية تفضّل إطلاق عملياتها من مثل هذه المناطق المتنازع عليها.

وفي الوقت نفسه، تولّت “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق” إجراء التحقيقات الميدانية في المظالم والظروف المحلية، وقدّمت توصيات مفصلة حول الجهود اللازمة لبناء الثقة في كل قضاء من أقضية “الحدود الداخلية المتنازع عليها” (انظر مايكل نايتس ،تفادي الاقتتال بين الحلفاء في المناطق العراقية المتنازع عليها ، معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، في 31 أيار/مايو 2017).الا أن انعدام الثقة بين القوى الأمنية الكردية والعراقية، بحسب مايكل نايتس ، قد عرقل اجراءات التعاون الامني الثلاثي بين الولايات المتحدة والأكراد والعراقيين ، مما أتاح لـ تنظيم «داعش الارهابي» فرصة ملء الفراغ.

وتشكّل التطورات الأخيرة بشأن الدعوة لإجراء الاستفتاء لانفصال اقليم كردستان عن العراق في المناطق المتنازع عليها حافزا” لاندلاع  صراع مناطقي بين الاكراد وباقي المكونات العرقية في تلك المناطق ، الأمر الذي يهيئ الظروف لعودة تنظيم داعش الارهابي اليها مرةً أخرى. في وقت تدل كافة المؤشرات على أن الدول المجاورة لإقليم كردستان (ايران وتركيا)، قد تنجر للانخراط في هذا الصراع المسلح بسهولة مما قد يعرض الامن والاستقرار والسلم الاقليمي لعواقب وخيمة خصوصا” اذا ما تدخلت اسرائيل عسكريا” ايضا” في هذا النزاع !

وهنا اتفق مع دعوة مايكل نايتس لإدارة الرئيس الامريكي ترامب بإعادة النظر في طريقة إدارتها للتوترات العراقية الكردية اذا ما أرادت دحر تنظيم داعش في العراق وسوريا والحد من نفوذ الدول المجاورة للعراق في تدخلها بالشأن الداخلي العراقي . أن ارساء الامن والاستقرار والسلام في العراق تتطلب من الولايات المتحدة تخصيص المزيد من الجهود والموارد والمراجعة لسياساتها في العراق ونقصد هنا في اسلوب التعاطي والتعاون مع مختلف المكونات العرقية في عموم العراق وليس فقط في المناطق المتنازع عليها .

ان ضمان عدم عودة تنظيم داعش الارهابي الى مناطق العراق الرخوة مثل المناطق المتنازع عليها، تتطلب دعم عمليات انخراط ابناء تلك المناطق ضمن القوات الامنية ومن ضمنها الحشد الشعبي ، بالإضافة الى الضغط على الاطراف العراقية والكردية المعنية لإعادة وتفعيل التنسيق الامني في المناطق المتنازع عليها والتعاون الامني والعسكري الفعال من اجل حرمان تنظيم داعش الارهابي من فرص العودة الى المناطق العراقية .

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 اللواء الركن المتقاعد الدكتور، عماد علو