بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
“الناتو” : تحولات العقيدة العسكرية في أعقاب حرب إيران
تشهد العقيدة العسكرية عبر الأطلسي تحولًا متسارعًا في أعقاب التصعيد المستمر في حرب إيران، حيث انتقلت ساحات المواجهة من ميادين القتال المفتوحة والتقليدية إلى فضاءات أكثر تعقيدًا وتشابكًا. لم يعد الهدف العسكري في الحروب الحديثة مقتصرًا على تدمير القدرات المادية للخصم، بل بات يرتكز على تعطيل الأنظمة الحيوية. في المقابل، تكشف هذه التحولات عن فجوة متنامية بين واشنطن والدول الأوروبية لا سيما ألمانيا وفرنسا سواء على مستوى القدرات التكنولوجية أو الجاهزية العملياتية. كما تؤثر تلك التحولات على مستقبل الردع الجماعي داخل حلف شمال الأطلسي، وسعي أوروبا نحو إعادة تقييم شاملة لمفاهيم الأمن والدفاع، وأنماط التحالفات الثنائية بعيدا عن الحلف، بالإضافة إلى تعزيز آليات الردع والاستقلال الاستراتيجي بعيدا عن المظلة الأمريكية.
من الحرب التقليدية إلى الحرب الهجينة
ـ دور السيبرانية والطاقة الموجهة: تشكل الهجمات الهجينة، كالهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، وعمليات التجسس، الأسلحة الجديدة في الحروب التي بدأت فعليًا منذ سنوات كبديل عن الحروب التقليدية. يتوقع الخبراء تزايدًا في وتيرة وحدّة الهجمات اعتبارًا من العام 2027. لم تعد تُخاض الحروب في ميادين القتال، بل على الخوادم، وشبكات الكهرباء، ومنصّات التواصل الاجتماعي، والأنظمة والبنى الرقمية المختلفة. انتقل الصراع إلى فضاء هجين ومُعتم، تُستخدم فيه الهجمات الهجينة، كأداة لا تترك أثرًا ماديًا مباشرًا، لكنها قادرة على إحداث اضطرابات جيوسياسية هائلة. يقول “ثيوفانيس كاسيميس” مؤسس شركة “أوداكس” للأمن السيبراني: “هذا الصراع لم يعد نظريًا، فهو قابل للقياس، ومستمر، ومنظم بالكامل”. وتابع “كاسيميس”: “نشهد اليوم تصعيدًا مستمرًا للهجمات التي لم تعد تعتمد على البرمجيات الخبيثة التقليدية أو رسائل التصيد البسيطة. انتقلت المجموعات المتقدمة إلى تقنيات أكثر تطورًا تعتمد على التسلل طويل الأمد، والبقاء غير الملحوظ داخل الأنظمة”. وأضاف “كاسيميس”: “أصبح الهجوم الهدف منه لم يعد إحداث ضرر فوري، بل اختراق البنى التحتية، والحصول على وصول مستقر يمكن استغلاله في اللحظة السياسية أو العسكرية المناسبة”.
ـ صعود “تعطيل الأنظمة بدل تدميرها”: تتمثل أهداف الحرب الرقمية في عدة محددات أبرزها: أولًا، تعطيل البنى التحتية الحيوية، كالطاقة، والاتصالات، والنقل، والمياه، والأنظمة المصرفية والمالية، حيث أن أي هجوم ناجح يمكن أن يشل دولة في دقائق. ثانيًا، استهداف المعلومات، والتماسك الاجتماعي عبر حملات تضليل لإضعاف الثقة بالمؤسسات، وإحداث انقسام سياسي، وتغيير توجهات الناخبين. ثالثا، المنافسة التكنولوجية، والتجسس الصناعي لاختراق أسرار الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الدفاعية، والأنظمة، وتعطيلها. رابعًا، زعزعة الاستقرار السياسي، لإضعاف الحكومات، وتقويض القدرة الغرب على الردع دون حرب مباشرة. رغم أن هذه الأفعال لم تصنف رسميًا كأعمال حرب، إلا أن الناتو بات يتعامل مع الهجمات على الأنظمة الحيوية بجدية أكبر. ففي عام 2014، أعلن الناتو أن أي هجوم إلكتروني أجنبي قد يفعل بند الدفاع المشترك في الحلف “المادة الخامسة”، ما يستدعي فعليًا اتخاذ إجراءات متعددة الأطراف ردًا على عمليات الاختراق. لكن مسؤولًا في الناتو صرح في عام 2022 بأنه من غير الواضح مدى خطورة الهجوم الإلكتروني الذي يستدعي ردًا، والذي قد يشمل “عقوبات دبلوماسية واقتصادية، أو تدابير إلكترونية، أو حتى استخدام القوات التقليدية، وذلك بحسب طبيعة الهجوم”. إيران وأوروبا بعد الحرب، حدود البراغماتية وإشكاليات الثقة
الفجوة العملياتية بين الولايات المتحدة وأوروبا
ـ التفوق التكنولوجي الأمريكي: أظهرت دراسة في الثاني من ديسمبر 2025، أجرتها مؤسسة “بروجيل” بقيادة “ميخينو لوبيز” والمحلل “غونترام ب. وولف”، كيف ارتفعت مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى أوروبا بشكل كبير منذ عام 2022، مما زاد من اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية. ساهم التركيز على مصنعي الأسلحة المحليين في تفتيت الدفاع الأوروبي المعروف، وتفتقر أي دولة بمفردها إلى تمويل البحث والتطوير اللازم لتوفير القدرات التكنولوجية عالية التقنية، كالبرمجيات، والأقمار الصناعية، والطائرات المقاتلة المتقدمة مثل “F35″، التي لا غنى عنها في الحروب الحديثة، وهنا تتجه أوروبا بشكل كبير إلى الولايات المتحدة. أشارت الدراسة إلى التفوق الأمريكي على أوروبا، كنقص الاستثمار، وانخفاض ميزانيات البحث والتطوير، والصراعات السياسية الداخلية. وقد تفاقمت هذه المشاكل بشكل كارثي في برنامج نظام القتال الجوي المستقبلي “FCAS”، الذي بات على وشك الانهيار رغم طموحه في تحدي هيمنة الولايات المتحدة على التفوق التكنولوجي.
ـ محدودية القدرات الأوروبية في الحرب المتقدمة: دخلت أوروبا منطقة رمادية بين السلم والحرب، حيث أن استراتيجية الردع الرقمي الضمنية للاتحاد الأوروبي التي تتمحور حول مواجهة الحروب المتقدمة لا تُجدي نفعا في كبح جماح الحملات الإيرانية والروسية والصينية. علاوة على ذلك، فإن قدرة حلف الناتو على الردع من خلال التوعد برد ساحق يعتمد بشكل كبير على القدرات الأمريكية لا تتناسب مع حجم التهديدات. لذلك تركز المفوضية الأوروبية على تطوير أنظمة دفاعية متقدمة ضد الهجمات السيبرانية، بما يشمل الذكاء الاصطناعي لرصد الاختراقات، وتحليل البيانات الكبيرة لتوقع التحركات الخبيثة، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لتبادل المعلومات فور وقوع أي حادثة. ويؤكد خبراء الأمن الإلكتروني أن استمرارية هذه الجهود ومواكبتها للتطورات التقنية هي العامل الأساسي لضمان قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة أي تهديد من هذا النوع في المستقبل.
دروس مضيق هرمز
ـ أهمية تأمين الممرات البحرية: تعتبر الممرات البحرية بؤرة توتر أمني رئيسية لدى أوروبا، ومسرح لتفاعل غير مستقر بين بسط النفوذ الخارجي والتنافسات الإقليمية، وعواقب عدم الاستقرار والتوتر قد تصل إلى شواطئ أوروبا في صورة أزمات تجارية أعمق، وتدفقات هجرة أكبر، وحروب أوسع نطاقا. على سبيل المثال يعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية، وأي حصار من جانب إيران من شأنه أن يشكل مخاطر جدية على أوروبا. من أهم التهديدات، أولا التهديدات لأمن الطاقة، حيث تستورد أوروبا النفط والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج ويمرّ جزء كبير منه عبر المضيق. ومع استمرار غلق المضيق، ستواجه أوروبا نقصا في الطاقة. ثانيا، اقتصاديا سيؤدي ذلك إلى ارتفاع مفاجئ في أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم، وتعطيل الصناعات في جميع أنحاء أوروبا.
ستكون قطاعات التصنيع والنقل والزراعة أكثر عرضة للخطر، وقد يكون لردود فعل السوق وتقلبات أسواق الأسهم الأوروبية تأثير غير مباشر. ثالثا عسكريا، قد يُشعل الحصار مواجهات عسكرية بين الولايات المتحدة وبحريات الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، مما يُنذر باندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقا. وقد تُجر أوروبا إلى الصراع من خلال التزاماتها أو تحالفاتها مع حلف الناتو، لا سيما مع دول مثل فرنسا أو المملكة المتحدة التي تُحافظ على وجود بحري في المنطقة. رابعا، قد يُؤخّر أي انقطاع في حركة الملاحة واردات أوروبا من المواد الخام والإلكترونيات والسلع الاستهلاكية والاسمدة، مما يؤثر على سلاسل التوريد، وقد ترتفع أقساط التأمين على الشحن، مما يرفع التكاليف على الشركات والمستهلكين الأوروبيين. صرحت “كايا كالاس”، كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي: “إذا كان هناك نقص في الأسمدة في العام 2026، فسيكون هناك حرمان من الغذاء العام 2027”. كما يوضح “تشارلز هيكر” الزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة “RUSI”: “إن الأوروبيين غير مستعدين لنشر قوات لتأمين مضيق هرمز، لأن ذلك يضيفهم إلى قائمة الأهداف المحتملة لإيران”.
ـ تحديات الحرب غير المتماثلة: تكشف تجارب التوتر في مضيق هرمز أن الحروب غير المتماثلة أصبحت أداة مركزية في الحروب الحديثة، حيث تعتمد الأطراف الأضعف نسبيا على وسائل منخفضة التكلفة وعالية التأثير لمواجهة قوى تقليدية متفوقة. فالمضيق، بوصفه شريانا حيويا للطاقة العالمية، يمثل بيئة مثالية لتطبيق هذا النوع من الحروب. أول الدروس يتمثل في أهمية الجغرافيا. فالمياه الضيقة وكثافة حركة الملاحة تمنح أفضلية تكتيكية للقوى التي تستخدم زوارق سريعة، وألغاما بحرية، وطائرات مسيرة، ما يصعب على القوى الكبرى استخدام تفوقها العسكري التقليدي بكفاءة كاملة. ثانيا، المرونة التشغيلية. تعتمد الحرب غير المتماثلة على وحدات صغيرة، سريعة الحركة، يصعب رصدها أو استهدافها، مما يسمح بتنفيذ هجمات مباغتة ثم الانسحاب بسرعة، دون الدخول في مواجهة مباشرة واسعة. ثالثا، التأثير الاقتصادي والنفسي، حيث لا تهدف هذه العمليات دائما إلى تدمير شامل، بل إلى إرباك الأسواق، ورفع تكاليف التأمين، وخلق حالة من عدم اليقين العالمي، وهو ما يحقق أهدافا استراتيجية دون تصعيد شامل. رابعا، دور التكنولوجيا منخفضة الكلفة، فالطائرات المسيرة، والألغام الذكية، والأنظمة الساحلية المضادة للسفن، كلها أدوات تتيح إحداث تأثير كبير بتكلفة. أمن الممرات البحرية في الحروب المعاضرة، القانون الدولي والتجارب الدولية
مستقبل التكامل العسكري داخل حلف شمال الأطلسي
يتجه حلف شمال الأطلسي إلى نموذج “هجين” يتمثل في إعادة تعريف مهامه، مع تراجع الدور الجماعي. فمن جهة ومع تحول طبيعة التهديدات التقليدية إلى الهجينة سيعزز الناتو من التكامل في مجالات الاستخبارات، والتكنولوجيا، والدفاع السيبراني، والجاهزية السريعة. ومن جهة أخرى قد يستمر حلف شمال الأطلسي كإطار أساسي للردع الجماعي، لكنه سيتحول تدريجيا إلى مجموعة من الشراكات والتحالفات الفرعية داخل بنيته. فعلى سبيل المثال، إن تهديدات الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب من حلف الناتو سيمثل تهديدا استراتيجيا لأوروبا، مما سيجبرها على إعادة تشكيل أمنها بالكامل في غضون عام من الإخطار الرسمي للانسحاب الأمريكي. ومن المرجح أن يتفكك حلف الناتو سياسيا، حيث يسعى الحلفاء الشرقيون إلى الحصول على ضمانات ثنائية مع واشنطن، بينما ستسرع أوروبا من استقلالها. سيعمل الاتحاد الأوروبي على تسريع إنشاء “حلف ناتو أوروبي” عبر معاهدة دفاع مشتركة، لكن سيستغرق الأمر ما بين خمس وعشر سنوات ليصبح فعالا، مع مخاطر التفكك نتيجة لاختلاف الرؤى الوطنية. حذرت “فيديريكا مانجياميلي” مديرة البرامج الأولى في “GLOBSEC”، وهو مركز أبحاث في “براتيسلافا”: “إن التهديدات المستمرة التي تأتي من الرئيس ترامب لا تساهم إلا في تعميق الفجوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، وتضعف ما بناه الحلفاء على مدى السنوات السبع والسبعين الماضية”. حرب إيران ـ الخلفيات، طبيعة الصراع، ومسارات التصعيد
تقييم وقراءة مستقبلية
– تشير التحولات المتسارعة في العقيدة العسكرية عبر الأطلسي، لا سيما في ظل التصعيد المستمر بحرب إيران، إلى دخول مرحلة استراتيجية تتجاوز مفهوم الحروب التقليدي التقليدي للحرب. فمن المتوقع أن تشهد الساحة الدولية تصاعدا غير مسبوق في نماذج “الحرب الهجينة” وعلى رأسها الهجمات السيبرانية، والمعلومات المضللة، والضغوطات الاقتصادية.
– من المرجح أن تصبح البنى التحتية الرقمية، وشبكات الطاقة، وسلاسل الإمداد أهدافا رئيسية، ليس بغرض التدمير الكامل، بل لتعطيل الأداء وإرباك مراكز القرار. وستجبر الدول الأوروبية على إعادة تعريف مفهوم “الدفاع والردع”، ليشمل القدرة على الصمود والاستجابة السريعة، وليس فقط التفوق العسكري التقليدي.
– من المحتمل أن تتعمق الفجوة بين واشنطن والدول الأوروبية، فبينما ستواصل الولايات المتحدة الامريكية من تعزيز تفوقها التكنولوجي والعسكري، ستجد أوروبا نفسها أمام خيارين إما الاستمرار في الاعتماد على المظلة الأمريكية، أو تسريع مشروع الاستقلال الدفاعي رغم كلفته العالية وتعقيداته السياسية.
– ستظل نقاط الاختناق كمضيق هرمز بؤرا محتملة للتصعيد، ليس فقط عسكريا، بل اقتصاديا. حيث أن أي اضطراب في الممرات المائية قد يطلق سلسلة من الأزمات المتداخلة تشمل الطاقة، والتضخم، وسلاسل التوريد، ما يعزز من استخدام “الأدوات غير المتماثلة” كأداة ضغط فعالة من قبل القوى الإقليمية.
– يمكن القول أن التنسيق داخل حلف الناتو سيبقى قائما، لكنه سيتخذ شكلا أكثر مرونة وأقل تماسكا، مع بروز تحالفات فرعية وتفاهمات، والاستثمار المكثف في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الإنذار المبكر، مع تعزيز التكامل الاستخباراتي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117098
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Europe’s defence reliance on the US runs deeper than hardware
https://tinyurl.com/5j5wd4ms
EU military capabilities explained
https://tinyurl.com/4krxnsdk
Europe mulls the prospect of a NATO without the US
https://tinyurl.com/2eucejpt
Europe up for policing Hormuz — but only if the fighting stops
https://tinyurl.com/jkbhf5ku
