الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

تحولات الأمن الدولي وخارطة النزاعات ـ الدور الأوروبي ؟ قراءة استشرافية. ملف

يناير 13, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير”

تصفح الملف نسخة PDF ملف تحولات الأمن الدولي وخارطة النزاعات ـ الدور الأوروبي ؟ قراءة استشرافية

المقدمة

الهدف من هذا البحث

  • ربط النزاعات الخارجية بالأمن الداخلي الأوروبي
  • تقديم قراءة استشرافية بدل الوصف الآني
  • دعم صناع القرار ببدائل وسيناريوهات واقعية

يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تحولات أمنية عميقة، تتسم بتراجع منطق الاستقرار النسبي الذي ساد مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وصعود أنماط جديدة من الصراعات المركّبة، حيث تتداخل الحروب التقليدية مع النزاعات غير المتماثلة، والحروب بالوكالة، والتنافس الجيوسياسي والأمني بين القوى الكبرى. وفي قلب هذه التحولات، تجد أوروبا نفسها أمام بيئة أمنية أكثر هشاشة، تتقاطع فيها النزاعات الإقليمية والدولية مع مصالحها الاستراتيجية وأمنها الداخلي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. لم تعد النزاعات الدائرة في أوكرانيا، والبلقان، وغزة، والسودان، وسوريا، وإيران، وغيرها، أحداثًا معزولة جغرافيًا عن الفضاء الأوروبي، بل باتت تشكّل عناصر ضغط متزايدة على الأمن الأوروبي، من خلال تداعياتها العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والإنسانية، فضلًا عن تأثيراتها على قضايا الطاقة، والهجرة، والتطرف، والاستقطاب السياسي داخل المجتمعات الأوروبية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الأوروبي كفاعل سياسي وأمني يحاول الموازنة بين الانخراط في إدارة الأزمات الدولية، والحفاظ على استقراره الداخلي، وسط تحديات تتجاوز قدراته التقليدية. ينطلق هذا الملف من مقاربة استشرافية تسعى إلى تحليل خارطة النزاعات الدولية الراهنة، وقراءة أبعادها الأمنية، مع التركيز على موقع أوروبا ضمن هذه الخارطة، ودورها، وحدود تأثيرها، إضافة إلى تقييم التداعيات الأمنية المباشرة وغير المباشرة لهذه النزاعات على القارة الأوروبية. ويهدف الملف، من خلال ثلاث دراسات رئيسية متكاملة، إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة تسهم في فهم التحولات الجارية، واستشراف المسارات المستقبلية للأمن الأوروبي في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب وعدم اليقين.

1 ـ الأمن الدولي في ظل نظام دولي متغير، استشراف السياق الأمني وخارطة النزاعات العالمية

تواجه أوروبا مرحلة تتسم بتزايد الاضطرابات الجيوسياسية وتشابك الأزمات الإقليمية، في ظل تراجع فاعلية الأطر الدولية التقليدية وتنامي أنماط الصراع غير المباشر. لم يعد الاكتفاء بالأدوات العسكرية كافيًا لتحقيق الاستقرار والأمن والاستقرار، سواء داخل أوروبا أو في محيطها الاستراتيجي، مع تنامي الحروب الهجينة، وتصاعد الهجمات السيبرانية، واتساع رقعة حملات التضليل. يبرز الاتحاد الأوروبي أمام اختبار حقيقي لإعادة تموضعه، ليس فقط كقوة اقتصادية كبرى، بل كفاعل سياسي وأمني قادر على التأثير والترجيح في مسارات الصراعات التي تؤثر بشكل مباشر على الأمن الأوروبي الداخلي.

أوروبا في اختبار النظام متعدد الأقطاب

يسعى الاتحاد الأوروبي لإعادة تموضعه كمؤثر فعال في الأحداث السياسية بعد محاولات تهميشه في مفاوضات السلام بشأن أوكرانيا وغزة خلال العام 2025. عزز التكتل من قدراته الاقتصادية والدفاعية من خلال الاستثمار في الابتكار، والقدرات العسكرية، والجاهزية، وأمن الطاقة، والمرونة المجتمعية. كما شرعت الصين في تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية بشكل غير مسبوق بهدف تقليص الوجود العسكري الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويبدو أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية تتخذ خطوةً بتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، ووفقًا لهذا التصور للنظام العالمي، يحق للقوى العظمى أن يكون لها نفوذٌ على الدول الأصغر. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة والصين ستحتكران النفوذ العالمي، أو أن الصين مُقدَّر لها أن تصبح القوة المهيمنة الوحيدة. إن التنبؤ بانقسام العالم إلى كتلتين تنبؤ ضعيف، وما برز خلال العقد الماضي هو نظام متعدد الأقطاب، حيث تطالب القوى الصاعدة كالهند وتركيا والبرازيل وإندونيسيا بدور في توزيع السلطة، وترسيخ مصالحها السياسية والاقتصادية، وإدارة التوترات بين القوى العظمى بطرق تعزز نفوذها وتحافظ على استقلالها الاستراتيجي.

يستخدم مصطلح “الحرب بالوكالة” للإشارة إلى الأعمال العدائية التي تشمل كيانات “دولية وغير حكومية” قد تدعمها دول أخرى أو جهات فاعلة غير حكومية بشكل مباشر أو غير مباشر، سياسيًا أو ماديًا أو ماليًا أو عسكريًا أو غير ذلك، بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية ضد دولة أخرى أو جهة فاعلة غير حكومية. اختار (23%) من المشاركين في استطلاع للرأي أن الصراعات بين الدول، والحروب بالوكالة، والحروب الأهلية، والانقلابات، والإرهاب، تمثل أهم المخاطر لعام 2025، وبالمقارنة مع العام 2024 ارتفع هذا الخطر من المرتبة الثامنة إلى المرتبة الأولى في التصنيف.

الحروب الهجينة، تهديدات متعددة الأبعاد

كشف حرب أوكرانيا وحرب غزة والصراع الإيراني الإسرائيلي أن الحرب لا تُخاض في ساحات المعارك فحسب، بل تمتد عبر الخوادم والشاشات والعقول. تستهدف الهجمات الهجينة البنى التحتية كالمستشفيات وأنظمة الوقود والبنية التحتية الرقمية. تزعزع المعلومات المضللة ثقة الجمهور، وأصبح الصراع الهجين واقعًا ملموسًا منسقًا ومتعدد المجالات، ويهدف إلى تقويض التماسك الديمقراطي. على سبيل المثال، شنت جماعات مرتبطة بإيران، مثل جماعة “سايبر أفنجرز”، عمليات رقمية بالتزامن مع تصعيدات ميدانية. وردت جهات فاعلة مرتبطة بإسرائيل، مثل جماعة “بريداتوري سبارو”، بالمثل، مستهدفة الموانئ الإيرانية وأنظمة الوقود والبنية التحتية المالية. هيمنت عمليات الحرب الهجينة على العواصم الأوروبية في العام 2025، سواءً أكانت عمليات تخريب، أو توغلات بطائرات مسيرة، أو محاولات اغتيال، على الرغم من انخفاض عدد الحوادث مقارنةً بالعام 2024. لكن يشير هذا الانخفاض إلى أن الكرملين يأخذ استراحة تكتيكية، أو ببساطة يُغيّر استراتيجيته استعدادًا لعام 2026.

يقول “بارت شورمان”، المتخصص في مجموعة بحثية تقوم بتجميع قائمة بعمليات الحرب الهجينة التي تستهدف أوروبا بجامعة “ليدن” في هولندا: “إن السمة الأساسية للعملية الهجينة هي أنها قابلة للإنكار، وأنك لست متأكدًا من هو الذي يقف وراءها”. يبدو أن حملة الحرب الهجينة الروسية تركز على معاقبة أوروبا على دعمها لأوكرانيا من خلال زعزعة استقرار المجتمع الأوروبي، وزرع الفتنة بين المجتمعات، ومحاولة تفتيت الدعم لخصمها في ساحة المعركة. يضيف “شورمان”: “أن الحملة الهجينة التي تشنها موسكو هي محاولة لزيادة تقسيم أوروبا”. تابع شورمان: “إن التخريب والهجمات الإلكترونية وعمليات التأثير كلها محاولة لتقويض الدعم الشعبي والسياسي لأوكرانيا في أوروبا، مما يساعد في نهاية المطاف الجنود الروس على الفوز بالحرب”. اللجوء والهجرة غير الشرعية داخل الاتحاد الأوروبي ـ السياسات والتدابير

خارطة لأبرز الصراعات الدولية

لا تزال حرب أوكرانيا تشكل أحد أخطر الحروب المباشرة، فمنذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير 2022، سارع العديد من حلفائها الأوروبيين إلى محاولة الدفاع عن حدودهم من تهديد روسي متجدد. وفي حين أن اتفاق السلام الذي صاغته واشنطن قد يكون على وشك الاكتمال، فإن المخاوف من انحياز “دونالد ترامب” لروسيا قد أدت إلى قلق بشأن التنازلات الأوكرانية. وإذا لم تُحل هذه النقاط العالقة بشأن الأراضي المحتلة، فقد تعود مهمة السلام إلى نقطة الصفر. ينذر الصراع بين إيران وإسرائيل بحرب جديدة للعام 2026، فقد أعلن الرئيس الإيراني “مسعود بيزشكيان” أن بلاده في “حرب شاملة” مع الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا بعد اتهام الغرب بمحاصرة بلاده. وردًا على ذلك، حذر “ترامب” من أنه “سيوجه لهم ضربة قوية” إذا استمروا في جهودهم لتطوير الصواريخ النووية.

أصبحت منطقة غرب البلقان مؤشرًا رئيسيًا على تغير النظام الأمني الأوروبي، الذي يتشكل بفعل تزايد التسلح، والشراكات الجديدة، وتنامي النفوذ الخارجي. ولا يزال تأثير حرب أوكرانيا محسوسًا في جميع أنحاء المنطقة، كاشفًا عن مواطن الضعف ومجبرًا على تحديث الدفاعات. تتنافس جهات خارجية متنافسة من أجل الوصول إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو” والاستفادة من نفوذهما الاستراتيجي عبر منطقة غرب البلقان. والنتيجة هي منطقة لا تزال تسعى جاهدة لتحقيق الاستقرار، بينما تواجه خطر تزايد عدم الاستقرار، وهو أمر لا يُنصح للغرب بتجاهله.

تصاعدت التوترات بين الصين وتايوان بعد أن وافق ترامب على صفقة أسلحة بقيمة (11) مليار دولار ستشهد تزويد تايوان بالأسلحة الأمريكية. لذلك عززت الصين وجودها العسكري بشكل كبير في مضيق تايوان من خلال إجراء مناورات في المحيط. إذا حدث غزو واسع النطاق، فمن المرجح أن ينجرّ حلفاء تايوان إلى صراع، حيث إن البلاد واحدة من أكبر مصدري رقائق أشباه الموصلات الدقيقة في العالم، والتي تعتبر بالغة الأهمية في معظم التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك المعدات العسكرية. واصلت كوريا الشمالية إثارة المخاوف من خلال تجاربها الصاروخية المتكررة، وهي تزداد عدائية تجاه كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة. في 29 ديسمبر 2025، أطلقت كوريا الشمالية صواريخ كروز استراتيجية بعيدة المدى في البحر لاختبار قدراتها النووية الرادعة. كما ورد أن “كيم جونغ أون” يحرز تقدمًا في بناء غواصته النووية، حيث تم الكشف عن نموذج مكتمل منها.

يظل البحر الأحمر ممرًا عالي المخاطر للتجارة العالمية، حيث لا يوفر وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس وتوقف هجمات الحوثيين سوى فرصة هشة لتحقيق الاستقرار. لا يزال الحوثيون يمتلكون طائرات مسيرة بعيدة المدى وصواريخ، كما أن تنسيقهم المتزايد مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب وتنظيم داعش في الصومال يهدد بتوسيع نفوذهم المسلح عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. تجعل التنافسات الإقليمية المستمرة، بما في ذلك التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب الأجندات المتضاربة والجهات الفاعلة الدولية، هذا الممر عرضةً بشدة للصراعات بالوكالة والتصعيد المفاجئ واضطرابات التجارة العالمية.

لا تزال مالي وبوركينا فاسو والنيجر ساحات معارك رئيسية، حيث يتقدم تنظيم القاعدة وفروع تنظيم داعش نحو سواحل غرب أفريقيا، مستغلين التحولات السياسية وضعف المؤسسات وتغير التحالفات. يتزايد اندماج منطقة الساحل وغرب نيجيريا في مسرح واحد متقلب، مع تصاعد العنف من قبل فصائل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنظيم داعش في جنوب السودان، وتنظيم داعش في غرب أفريقيا. تزيد الجماعات المسلحة والجيوش الإفريقية والدعم الخارجي المحدود من خطر زعزعة الاستقرار، واحتمال حدوث تداعيات واسعة النطاق في جميع أنحاء المنطقة. يُجسّد السودان هشاشة سيطرة الدولة في مناطق النزاع بسبب التوترات الفصائلية الداخلية، والاعتماد على الميليشيات المتنافسة، والاستهداف الواسع النطاق للمدنيين، ومواجهة وقف إطلاق النار الدولي والمفاوضات السياسية لعقبات كبيرة. إستراتيجية أمن ألمانيا .. وتحديات الأمن القومي. بقلم جاسم محمد

مسار الاتحاد الأوروبي لتحقيق “الاستقلالية الاستراتيجية

سعت المفوضية الأوروبية خلال العام 2025 إلى إنشاء صندوق ضخم للسياسة الصناعية من خلال دمج ما يصل إلى (14) خط ميزانية موجودًا في خطة الإنفاق المالي متعددة السنوات القادمة لسد فجوة الاستثمار الهائلة في أوروبا، واللحاق بالولايات المتحدة والصين. كما اعتزمت المفوضية الأوروبية تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية الاستخباراتية عبر إنشاء وحدة استخبارات تابعة للاتحاد الأوروبي لجمع المعلومات من أجهزة الأمن الوطني للدول الأعضاء، بهدف توسيع نطاق استخدامه العملياتي وزيادة نفوذها. توفر قاعدة وكالة الفضاء الأوروبية الجديدة في “جرينلاند” طريقًا إضافيًا وأكثر أمانًا لاستقبال صور الأقمار الصناعية، وتساعد أوروبا على تحسين سيادتها الدفاعية وتعزيز الاستقلالية وتسريع الاستجابة، التي أصبحت أولوية بالنسبة للسلطات الأوروبية التي تراقب روسيا وهي توسع قدرات الحرب الإلكترونية، والتي تشمل تشويش الاتصالات وقطع الكابلات البحرية التي تحمل البيانات من المحطات الأرضية.

أعلنت دول أعضاء رئيسية في الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا وألمانيا وبولندا، عن خطط استثمارية عسكرية جديدة، وتُقلّص الشركات تدريجيًا تعاونها مع شركاء الولايات المتحدة مفضّلة الإنتاج المحلي. تُعطي “الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية” للاتحاد الأوروبي، المُعتمدة في أوائل عام 2025، الأولوية للأنظمة المُطوّرة محليًا والتكامل الدفاعي العابر للحدود. ولتعزيز الاستقلال الاستراتيجي في مجال الطاقة، عمل الاتحاد الأوروبي بنشاط على توسيع تعاونه في مجال الطاقة خارج إطار المحور الأطلسي، معززًا علاقاته مع منتجين مثل النرويج والجزائر وقطر. كما يعمل على بناء قدرات الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء العابرة للحدود داخل أوروبا.

معوقات الاتحاد الأوروبي نحو الاستقلال الاستراتيجي

يؤكد القادة أنهم يدركون ضرورة الاستقلالية الاستراتيجية بشكل أكبر، إلا أن استجابتهم لا تزال متفاوتة، حيث يزداد المشهد داخل أوروبا تعقيدًا. فبالإضافة إلى الانتخابات في جمهورية التشيك، جلبت الانتخابات في هولندا مزيدًا من الشكوك حول نهج البلاد المستقبلي تجاه سياسة الدفاع في الاتحاد الأوروبي، مما أثار تساؤلات حول تماسك استراتيجية العقوبات التي يفرضها الاتحاد على روسيا. أما الائتلاف الحاكم في ألمانيا، فرغم تحقيقه هدف الإنفاق بنسبة (2%) من الناتج المحلي الإجمالي عبر صندوق استثماري ضخم، لا يزال منقسمًا حول استدامة ميزانيات الدفاع على المدى الطويل. حتى في فرنسا، حيث دعت الحكومة إلى تعزيز القدرات الأوروبية، لا تزال الخلافات قائمة حول مدى وسرعة هذه الجهود. تُبرز هذه التحولات الوطنية اتجاهًا أوسع نطاقًا يتمثل في التأثيرات الشعبوية والمتشككة في الاتحاد الأوروبي، التي تُشكّل تحديًا للوحدة اللازمة لتحقيق أهداف الاستقلالية الاستراتيجية والدفاع الجماعي الطموحة.

يقول “لويجي سكاتسيري” من مركز الإصلاح الأوروبي: “يتعين على الأوروبيين تكثيف دفاعاتهم سواء غادر الأميركيون أم لا”. وأضاف “سكاتسيري”: “من أجل توليد ردع موثوق، نحتاج إلى المزيد من القدرات، وخاصة تلك التي نعتمد عليها بشكل أكبر في الولايات المتحدة: الصواريخ بعيدة المدى، والدفاعات الجوية، والإمدادات الجوية، والمراقبة الجوية والنقل، على سبيل المثال”. أضاف المحلل: “إن توحيد جهود الدفاع الأوروبية من خلال شراء الأسلحة الجماعية، والتسليح المشترك، والخدمات اللوجستية الموحدة، والوحدات العسكرية المتكاملة أمر مهم، لكنه لن يكون كافيًا بدون تلك القدرات والأعداد”. وفيما يتصل بإنشاء جيش أوروبي حقيقي، تابع سكاتسيري: “إن الأمر صعب للغاية، ولكن من الممكن أن يكون هذا الجيش عبارة عن جيش أوروبي، وليس جيشًا أوروبيًا حقيقيًا”. اللجوء والهجرة ـ فضاء شنغن، أزمات ضبط الحدود الداخلية والخارجية.

2 ـ الأمن الدولي في بيئة النزاعات الإقليمية، استشراف التهديدات المستقبلية لأوروبا

تشهد البيئة الأمنية الأوروبية تحوّلًا بنيويًا عميقًا؛ فقد أعادت حرب أوكرانيا احتمالية المواجهات العسكرية الكبرى إلى أوروبا، وكشفت محدودية الجاهزية الدفاعية لدى العديد من الدول الأوروبية، ما دفعها إلى مزيد من الإنفاق العسكري والتسلّح. وفي الوقت نفسه، تعود التوترات في البلقان إلى الواجهة، مهددة بإعادة فتح جبهات عدم استقرار قريبة من حدود الاتحاد الأوروبي. كما أظهرت حرب غزة كيف يمكن لصراع بعيد جغرافيًا أن يُحدث انقسامات حادة داخل المجتمعات الأوروبية، ويؤثر في الأمن الداخلي والتماسك الاجتماعي. إلى جانب ذلك، تبرز إيران عاملَ ضغط غير مباشر على أوروبا، سواء عبر دعمها العسكري لحلفائها، أو من خلال أنشطتها الاستخبارية وتأثيرها في أمن الطاقة والتجارة العالمية.

 حرب أوكرانيا والتهديد الوجودي للأمن الأوروبي

أدت حرب أوكرانيا إلى زعزعة النظام الأمني الأوروبي للعام الرابع على التوالي؛ فهي تُشكّل منعطفًا هامًا لأوروبا، وتُقلب المفاهيم السائدة حول النظام الأمني والاستقرار في القارة، حيث قد دفعت الحرب، سياسات الأمن والدفاع إلى صدارة أولويات الدول الأوروبية. أعاد تحذير الأمين العام لحلف الناتو “مارك روتّه” الصريح تعريف الخطاب الأمني؛ إذ أكد، خلال منتدى أمني عُقد في برلين في 11 ديسمبر 2025: “أن روسيا قد تكون مستعدة لمهاجمة أحد أعضاء الناتو في غضون الخمس سنوات المقبلة إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه”. وحذر روتّه الحلفاء من أن التراخي أمر خطير، مسلطًا الضوء على توسع الإنتاج العسكري الروسي، وعملياته الهجينة، واستعداده للتصعيد خارج حدود أوكرانيا ما لم يتم تعزيز الردع. أضاف روتّه: “أن اقتصاد الحرب الروسي، الذي يُنتج الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف بوتيرة متواصلة، قد تحوّل من دعم صراع إقليمي إلى تشكيل تحدٍ مباشر للأمن الأوروبي الأطلسي، مما يضغط على الوقت المتاح لحلف الناتو للاستعداد والتكيف”.

تضمنت رسالة روتّه دعوة ملحّة لزيادة الإنفاق الدفاعي والإنتاج بشكل كبير في جميع أنحاء الحلف، بما يتماشى مع الالتزامات، مثل هدف الناتو المتمثل في زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي تم الاتفاق عليه خلال العام 2025. وهي رسالة عززتها بريطانيا بدعوتها إلى الاستعداد العاجل. نبّه رئيس أركان الدفاع البريطاني في 15 ديسمبر 2025، إلى أن روسيا أظهرت نيتها وقدرتها على تحدّي حلف شمال الأطلسي باستخدام القوة التقليدية والعمليات الهجينة والضغط العسكري المتواصل، حتى في ظل انشغالها بحرب أوكرانيا. وشدّد على أن الردع لم يعد يعتمد على افتراضات مهلة الإنذار أو التصعيد التدريجي، داعيًا بدلًا من ذلك إلى رفع مستوى الجاهزية، وتعزيز المخزونات، وتسريع وتيرة نشر القوات في مختلف فروع القوات المسلحة.

صوّر المستشار الألماني فريدريش ميرز في 14 ديسمبر 2025، حرب أوكرانيا لا كنزاعًا جيوسياسيًا محدودًا، بل كاعتداء ممنهج على النظام الأوروبي، محذرًا من أن سياسة الاسترضاء أو الإرهاق الاستراتيجي ستؤدي إلى مزيد من العدوان. وقد شبّه ميرز فلاديمير بوتين بأدولف هتلر، في واحدة من أشد التصعيدات الخطابية حدةً من قبل زعيم أوروبي في منصبه منذ بدء حرب أوكرانيا. وباعتبارها صادرة من برلين، تحمل هذه اللغة ثقلًا خاصًا، وتشير إلى مدى التحول الجذري الذي طرأ على نظرة ألمانيا للتهديد منذ عام 2022.

انتقلت ألمانيا إلى قلب الصحوة الاستراتيجية في القارة. وفي تحولٍ جذري، أعلنت برلين نشر قوات إضافية على الحدود الشرقية لبولندا، في إشارة إلى أن الدفاع عن الجناح الشرقي بات ضرورة ألمانية، لا أمريكية فحسب. تأتي هذه التحركات في وقتٍ تُحلل فيه أوروبا بقلق استراتيجية “لنجعل أوروبا عظيمة مجددًا” المسرّبة من إدارة ترامب القادمة، والتي تُهدد بترجيح كفة التوافق الأيديولوجي على التماسك المؤسسي. يعكس هذا التدخل إجماعًا متزايدًا داخل الجيوش الغربية على أن افتراضات زمن السلم لم تعد صالحة. فبينما التزم القادة السياسيون في المملكة المتحدة بزيادة الإنفاق الدفاعي وتحديث القدرات، تشير القيادة العسكرية إلى أن مواطن الضعف الهيكلية، لا سيما في الذخائر، والقدرة على الصمود، وعمق التعبئة، لا تزال قائمة. أمن دولي ـ أوروبا تسعى لتوسيع دورها في أوكرانيا، نحو قوة متعددة الجنسيات وضمانات أمنية

البلقان وعودة النزاعات الكامنة

عادت منطقة غرب البلقان، بعد أن كانت مهمشة بسبب تعثر أجندة التوسع، إلى محور اهتمام الاتحاد الأوروبي، تدفع الضغوط الجيوسياسية الاتحاد إلى دمج الأمن والدفاع في علاقاته مع المنطقة. تشهد منطقة البلقان تصاعدًا مقلقًا في التوترات السياسية والأمنية، تنعكس بدورها على الأمن الأوروبي، ما يعيد إلى الواجهة مخاوف من عودة النزاعات. في أكتوبر ونوفمبر 2025، شهدت المنطقة حوادث اختطاف وتوترات على الحدود، واتهمت كوسوفو شرطة صربيا بدخول أراضيها والاعتداء على مواطنين، في مؤشر على هشاشة الوضع الأمني رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للناتو. وبالنسبة إلى البوسنة والهرسك، لا يزال اتفاق دايتون للسلام 1995 يواجه تحديات بنيوية طويلة الأمد؛ إذ تؤكد تقارير الناتو أن البلاد ما تزال تواجه أزمة سياسية عميقة نتيجة انقسامات إثنية ومطالب انفصالية من جمهورية صربسكا، مهددةً السلام الهش في ظل استمرار الجمود السياسي.

تلعب القوى الخارجية دورًا مؤثرًا في تأجيج أو احتواء هذه التوترات. فقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو ترصد زيادة في القدرات العسكرية في البلقان، وحذّر من محاولات تغيير موازين القوة في المنطقة، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تدخلات غربية قد تُهيّج التوترات المحلية. في المقابل، تُظهر تحليلات غربية أن روسيا ترى في البلقان منطقة ضغط إستراتيجيًا لتحدي النفوذ الغربي في أوروبا، خاصة في ظل حرب أوكرانيا. أصبحت منطقة غرب البلقان مؤشرًا رئيسيًا على تغيّر النظام الأمني الأوروبي، الذي يتشكل بفعل تزايد التسلح وتنامي النفوذ الخارجي. وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على حرب أوكرانيا، يتمحور اهتمام الأوروبيين حول احتواء روسيا على جبهة الناتو والجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه التهديدات الهجينة، وتحمل مسؤوليات حفظ السلام على مقربة من حدودهم.

تُسهم ألبانيا على غرار جارتها الجبل الأسود، في مجموعات حلف شمال الأطلسي القتالية في لاتفيا وبلغاريا، حيث تنشر (500) جندي في مهام الحلف والاتحاد الأوروبي في أي وقت. وتُبذل جهود متواصلة لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى الصناعات الدفاعية في البلاد، وتحديث الجيش، وتعزيز التعاون مع الحلفاء الآخرين، رغم استمرار بعض التوترات، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تخطط تيرانا لتوسيع قدراتها اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج، وإنشاء مرافق تخزين وتدريب جديدة لدعم مهام الحلف بشكل أفضل. الاتحاد الأوروبي ـ كيف يُمكن أن تملأ الصين فراغ النفوذ الأوروبي في البلقان؟

حرب غزة وتداعيات على الأمن الداخلي الأوروبي

انعكست حرب غزة، منذ بدايتها في أكتوبر 2023، سريعًا على الساحات الأوروبية بتصاعد ملامح الانقسام الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات الأوروبية. فقد شهدت العديد من الدول مظاهرات واسعة مؤيدة للفلسطينيين تطالب بوقف إطلاق النار، في مقابل دعم حكومات لأطراف الصراع، مما أدى إلى توترات داخل الحوارات العامة حول الموقف الرسمي الأوروبي من الحرب.ويشمل هذا الانقسام أطيافًا سياسية من اليمين إلى اليسار، ويعكس استقطابًا متصاعدًا في الخطاب العام حول إسرائيل وفلسطين. وفق تقرير اليوروبول لعام 2025، فقد أثرت الصراعات الدولية، بما في ذلك النزاع في غزة، على خطاب التطرف داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ساهم ذلك في تعزيز روايات العنف والتحريض بين مجموعات صغيرة، لا سيما عبر الفضاء الرقمي.

شهدت العديد من الدول الأوروبية زيادة ملحوظة في الجرائم وخطابات الكراهية المعادية للسامية منذ اندلاع الحرب في غزة. وقد سُجّلت (1,676) حادثة معادية للسامية في فرنسا عام 2023، مقارنة بـ (436) حادثة في عام 2022، أي بزيادة تفوق ثلاثة أضعاف تقريبًا بعد اندلاع الحرب. كما أشار تقرير لوزارة الخارجية الإسرائيلية إلى ارتفاع يصل إلى (400%) في الأنشطة المعادية للسامية في أوروبا منذ اندلاع الحرب في غزة.

إيران والتهديدات غير المباشرة لأوروبا

تُعبّر العديد من العواصم الأوروبية عن قلق متزايد من أبعاد السياسات الإيرانية التي تُشكّل تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر للأمن الأوروبي، سواء من خلال الأنشطة العسكرية والإقليمية، أو التدخلات الاستخبارية داخل القارة، أو التوترات الإقليمية التي يمكن أن تتدحرج نحو صراع شامل. يُشكّل برنامج إيران الصاروخي الضخم، الذي يُعد من بين الأكبر في المنطقة، وسعيها المتواصل لامتلاك القدرات النووية، مخاطر إقليمية وعالمية جسيمة. تُراقب أوروبا التطورات في الملف النووي الإيراني؛ إذ حذّرت من أن طهران لا تزال تقترب من قدرات تخصيب اليورانيوم التي تثير مخاوف استراتيجية، مما قد يضطر الاتحاد إلى تفعيل آليات رقابية وعقابية دولية.

أشار مجلس الاتحاد الأوروبي في نوفمبر 2024 إلى أن إيران ساهمت في تزويد روسيا بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استُخدمت في حرب أوكرانيا، وهو ما وصفته المؤسسات الأوروبية بأنه خطر مباشر على أمن القارة وسبب لتوسيع العقوبات ضد طهران. أصدرت مجموعة من الدول، بينها ألمانيا، فرنسا، إسبانيا، هولندا، السويد، والمملكة المتحدة، بيانًا مشتركًا في 31 يوليو 2025 يُدين ارتفاع محاولات القتل والخطف والمضايقات التي يقوم بها جهاز المخابرات الإيراني داخل أوروبا، معتبرةً أن هذه الأعمال انتهاك صارخ للسيادة الأوروبية وتُشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الداخلي. وعلاوة على ذلك، وبفضل موقعها الاستراتيجي ونفوذها الإقليمي، تمتلك إيران القدرة على بسط نفوذها على مضيق هرمز ومنطقة الخليج العربي، فضلًا عن باب المندب والبحر الأحمر، وهي مناطق حيوية للتجارة العالمية وأمن الطاقة. أمن دولي ـ تداعيات التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران على الأمن الإقليمي والدولي . ملف

السودان وسوريا ـ الأزمات المنسية وتداعياتها

تتجاوز تداعيات الحروب والصراعات في مناطق الشرق الأوسط، مثل السودان، حدودها الجغرافية لتؤثر في الأمن الأوروبي من خلال الهجرة والنزوح، وانتقال التطرف والإرهاب، والتوترات السياسية والاجتماعية الداخلية. وهذه التأثيرات متعددة الأبعاد، وتنعكس على السياسات الأوروبية من ناحية الأمن، والاقتصاد، والاندماج الاجتماعي. أسفرت الحرب في السودان منذ أبريل 2023 عن أكبر أزمة نزوح في العالم، مع أكثر من (11.5) مليون شخص نزحوا داخل البلاد، و(3.5) مليون فرّوا إلى دول الجوار بحلول 2025، فيما تشهد أعداد اللاجئين ارتفاعًا مستمرًا. ويواصل بعض هذه التدفقات رحلته نحو شمال إفريقيا ثم أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط ومسارات الهجرة غير النظامية، ما يضيف ضغطًا إضافيًا على أنظمة اللجوء الأوروبية ويثير جدلًا سياسيًا حول سياسات الحدود واللجوء.

حذّرت وكالات الاستخبارات الأوروبية في 12 مايو 2025 من أن عدم استقرار سوريا يمكن أن يعيد تنشيط جماعات جهادية قد تُشكّل تهديدًا أمنيًا داخل القارة، سواء من خلال تمدد نفوذها إلى الخارج أو عبر تنشيط الخلايا المتطرفة داخل أوروبا. ينسجم هذا التحذير مع الهجمات التي نفذها مواطنون أوروبيون شاركوا في مناطق الصراعات أو عادوا منه في العواصم الأوروبية، ما يجعل ملف مكافحة الإرهاب أحد أولويات السياسات الأمنية الأوروبية المرتبطة بالنزاع السوري، سواء في سياسات الحدود أو تبادل المعلومات الاستخباراتية.

3 ـ الأمن الدولي ـ الدور الأوروبي بين إدارة الأزمات وتداعياتها الأمنية الداخلية

تفرض التحولات الجيوسياسية والصراعات الراهنة على الساحة الدولية، معطيات جديدة على دول أوروبا على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، مما يدفعها لإعادة صياغة استراتيجيتها في التعامل مع التوترات، وترتيب أولوياتها في السياسة الخارجية والأمنية والدفاع المشترك داخل القارة الأوروبية وحلف الناتو، في ظل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي والتغيرات التي طرأت على نهج واشنطن تجاه أوروبا، واحتمالية تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

حدود الدور الأوروبي في إدارة النزاعات

الدبلوماسية: يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً محورياً على الساحة الدولية، نظراً لعلاقاته القوية على المستويين الإقليمي والدولي. ويقدم في الأزمات، المساعدات الإنسانية والإغاثية الطارئة، ويسهم بقواته العسكرية والشرطية والقضائية في تحقيق الاستقرار بمناطق الصراعات. وضع الاتحاد السياسة الخارجية والأمنية المشتركة بموجب معاهدة “ماستريخت” التي دخلت حيز التنفيذ في 1993، وتم تعزيزها بمعاهدات “أمستردام” عام 1999، و”نيس” في 2003، و”لشبونة” في 2009. ترتكز السياسة الخارجية على سيادة القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز الأمن ومنع النزاعات والحفاظ على السلام. تمثلت الدبلوماسية في زيارات المسؤولين الأوروبيين،

وكانت الولايات المتحدة الدولة الأكثر زيارة في الفترة (2014 ـ 2019). جاءت أوكرانيا في المرتبة الثانية من حيث الزيارات، تلتها بريطانيا في المرتبة الثالثة خلال الفترة (2019 ـ 2024). برزت الدبلوماسية الوقائية في الملف الإيراني، باستقبال روما، في 23 مايو 2025، الجولة الخامسة من المحادثات النووية بين طهران وواشنطن. وعُقد اجتماع في 20 يونيو 2025 بين وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” وممثلي الترويكا الأوروبية ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد “كايا كالاس” أثناء حرب الـ(12) يوماً بين إيران وإسرائيل. كما استضافت جنيف، في 26 أغسطس 2025، جولة مفاوضات مع إيران.

رغم عدم امتلاك التكتل الأوروبي جيشاً موحداً، فإنه يعتمد على قوات الدول الأعضاء لإرسال بعثات إلى مناطق التوتر لمراقبة الأمن والحفاظ على النظام. ويعمل جهاز العمل الخارجي الأوروبي “EEAS” كجهاز دبلوماسي للتكتل، ويعد المجلس الأوروبي الهيئة العليا لصنع القرار بالاتحاد لوضع السياسة الخارجية. يوجد نحو (1100) جندي في منشآت بسراييفو ومناطق البوسنة والهرسك ضمن بعثة “EUFOR” العسكرية للحفاظ على الأمن. وأرسل الاتحاد إلى جورجيا بعثة مراقبة غير مسلحة “EUMM” تضم (220) مراقباً من الدول الأعضاء، وبعثة “EULEX” بمقرات في “بريشتينا “ومناطق بكوسوفو، وتضم نحو (396) عضواً. تم تمديد عمل بعثة “IRINI” في البحر المتوسط حتى 31 مارس 2027 لحظر الأسلحة على ليبيا.

رداً على هجمات الحوثيين بعد حرب غزة، أطلق الاتحاد، في 19 فبراير 2024، عملية “أسبيدس” لحماية السفن في البحر الأحمر، وتعد استكمالاً لعمليتي “أتلانتا” و”أجينور”. وترتكز عملية “أتلانتا” قبالة القرن الأفريقي وغرب المحيط الهندي لمواجهة القرصنة والتدفقات البحرية غير المشروعة. وزاد دور “أتلانتا” في 2024، بإسناد مهام مراقبة السفن المقرصنة وتسليمها للسلطات الساحلية. وتتولى عملية “أجينور” تأمين حركة التجارة في مضيق هرمز وشمال الخليج العربي بأكمله، وجنوباً إلى منطقة المحيط الهندي قبالة سواحل عمان.

العقوبات: يعتمد الاتحاد الأوروبي على العقوبات كأداة سلمية غير عقابية للدفاع عن القانون الدولي، وتعزيز الأمن والسلم الدوليين، وحماية مصالح الاتحاد. وتصبح جزءاً من الجهود الدبلوماسية لحل الأزمات. ولا تستهدف دولة بعينها، بل المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، والهجمات على المدنيين، والاعتداء على دولة ثالثة. وتشمل حظراً للتأشيرات والأسلحة، وتجميداً لأصول الحكومات المسؤولة عن النزاعات، وتُرفع العقوبات في حال إنهاء النزاع، أو حدوث انتقال سياسي، كما في سوريا، حيث تم رفع العقوبات عنها في 20 مايو 2025. أعاد الاتحاد الأوروبي، في 30 سبتمبر 2025، تطبيق عقوبات اقتصادية على إيران، شملت تجميد أصول بنوك، وحظر سفر مسؤولين، وفرض قيود على النفط، لاتهام إيران بانتهاك الاتفاق النووي.

وجددت حرب أوكرانيا العقوبات على روسيا، وتعد أقوى إجراء في السياسة الخارجية اتخذه الاتحاد رداً على حدث واحد، إذ تستهدف تقويض القاعدة الاقتصادية لروسيا والضغط عليها لإنهاء الحرب. ولا تنتهي العقوبات تلقائياً بعد وقف الحرب، بل ستظل سارية لحين عودة روسيا إلى المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة والأمن الأوروبي. أقر التكتل، في 23 أكتوبر 2025، الحزمة الـ(19) من العقوبات على روسيا، وشملت حظراً على واردات الغاز المسال، واستهداف شركات آسيوية متهمة بدعم روسيا. وسيدخل الحظر حيز التنفيذ للعقود قصيرة الأجل بعد (6) أشهر، وللعقود طويلة الأجل بداية من يناير 2027.

سياسة الردع: دفعت حرب أوكرانيا التكتل الأوروبي إلى وضع الاستقلال الاستراتيجي كأولوية، في ظل المخاوف من اتساع رقعة الحرب، وتغير سياسات واشنطن بعد التهديد بالتخلي عن الدول الأعضاء في الناتو غير الملتزمين بالإنفاق الدفاعي، في حال تعرضهم لهجوم روسي. وقدمت المفوضية الأوروبية، في 20 مارس 2025، مشروع “الكتاب الأبيض للدفاع” لتحديد الثغرات الأمنية وتجهيز القارة أمنياً بحلول عام 2030، استكمالاً لخطة بقيمة (800) مليار يورو لتعزيز الإنفاق الدفاعي. ولم ترمم قمة لاهاي في يونيو 2025 الخلافات بين ترامب وقادة أوروبا، بل أعلن البنتاغون، في 28 أكتوبر 2025، سحب نحو (800) جندي من أوروبا الشرقية. وكشفت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، في 7 ديسمبر 2025، عن تراجع أوروبا في أولويات واشنطن. الأمن الدولي ـ “الترويكا الأوروبية”، ما تداعيات إنهاء إيران القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم؟

التداعيات الأمنية الداخلية على أوروبا

تصاعد التهديدات الإرهابية: حذرت المفوضة الأوروبية السابقة للشؤون الداخلية “إيلفا يوهانسون” من استمرار النزاعات الدولية وما ينتج عنها من عمليات إرهابية. وأبلغت (14) دولة في الاتحاد الأوروبي عن (58) هجوماً إرهابياً في 2024، وبلغ عدد الموقوفين بتهم تتعلق بالإرهاب (449) شخصاً في (20) دولة عضواً. أشار تقرير لليوروبول، في يونيو 2025، إلى أن عدم الاستقرار السياسي خارج الاتحاد قد يفاقم التهديد الإرهابي. كان منفذو الهجمات الإرهابية خلال الفترة (2023 ـ 2025) ذئاباً منفردة وأشخاصاً ليس لهم سجل إجرامي، بحسب تقارير الاستخبارات الألمانية والفرنسية، ما يرجح تصاعد معدلات الهجمات في الفترة المقبلة، لاعتماد التنظيمات المتطرفة، مثل “القاعدة” و”داعش”، على شبكات لا مركزية واستغلالها حرب غزة.

الهجرة واللجوء: يرتبط عدد المهاجرين واللاجئين ارتباطاً طردياً بالصراعات. ورغم انخفاض معدلات الهجرة غير الشرعية في 2024، فإن العدد الإجمالي للنازحين قسراً في العالم يتجاوز (123) مليون شخص، وتأتي أكبر الأعداد من فنزويلا وسوريا وأفغانستان وأوكرانيا وجنوب السودان. واستقبل الاتحاد الأوروبي نحو (165) ألف طلب لجوء في الربع الثالث من 2025، ومنح الحماية لما يقرب من (90) ألف شخص، وكانت الوجهات الرئيسية إسبانيا وألمانيا وفرنسا. وتقدم (1775) قاصراً غير مصحوبين بذويهم بطلبات لجوء إلى التكتل الأوروبي، وكانت أعلى الأعداد من إريتريا (295)، وأفغانستان (230)، والصومال (225)، وفنزويلا (145).

الجريمة المنظمة: تستغل مجموعات الجريمة المنظمة النزاعات لتوسيع نفوذها، مثل دول غرب البلقان كممرات لتهريب المخدرات الاصطناعية والاتجار بالبشر. وأوضح تقرير يوروبول، في مارس 2025، ارتباط الجريمة بالتهديدات الخارجية، مثل حرب أوكرانيا. وأشار مؤشر “الجريمة المنظمة العالمي”، في نوفمبر 2025، إلى أكبر زيادة في الجريمة بأوروبا، منوهاً إلى التكتيكات المتطورة، مثل الاستغلال الرقمي. وتعمل هذه المجموعات كوكلاء لجهات فاعلة معادية تابعة لدول، بما يهدد استقرار الديمقراطيات عبر الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل. وتنشط تجارة الأسلحة في مناطق ما بعد النزاعات في جوار دول أوروبا، وتجد شبكات الاتجار بالبشر مناخاً مناسباً في الأزمات للانتشار.

الهجمات السيبرانية: ارتفعت الهجمات السيبرانية خلال الفترة (2024 ـ 2025). أشار تقرير نُشر في الثالث من نوفمبر 2025 إلى تسجيل أكثر من (2100) ضحية في أوروبا للابتزاز الإلكتروني منذ يناير 2024. وتصدرت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا قائمة الدول المستهدفة، وتضمنت (92%) من الحالات تشفير الملفات وسرقة البيانات. وفي أبريل 2025، وقع عمل تخريبي ضد سد في “بريمانجر” بالنرويج بعد تعرضه لهجوم سيبراني. وفي 21 سبتمبر 2025، تعرضت أكبر مطارات أوروبا، مثل “هيثرو وبرلين وبروكسل”، لهجمات إلكترونية. تتخوف دول أوروبا من ارتفاع معدلات الهجمات السيبرانية ضد البنية التحتية في 2026، مع استمرار التوترات في أوروبا والشرق الأوسط. الدفاع ـ ما تأثير حرب أوكرانيا على استراتيجيات التجنيد في فرنسا وسويسرا؟

الانعكاسات السياسية والمجتمعية

صعود اليمين المتطرف: نشطت تيارات يمينية قومية مستفيدة من حرب أوكرانيا في قضايا الهجرة والأمن والهوية لتمرير سياساتها المتشددة. وفي الثاني من مايو 2025، صنفت الاستخبارات الداخلية الألمانية “حزب البديل من أجل ألمانيا” كياناً متطرفاً. وفي الثالث من يونيو 2025، أدى موقف “حزب الحرية” في هولندا إلى انهيار الائتلاف الحكومي إثر خلافات حول الهجرة. وحافظ حزب “القانون والعدالة” البولندي على قوته في انتخابات 2025، فيما يظل حزب “فيدس” المجري، بزعامة فيكتور أوربان، في السلطة منذ أكثر من عقد، والمعروف بمواقفه المنحازة لروسيا. ويشهد عام 2026 انتخابات على المستويات الرئاسية والبرلمانية والمحلية، ما سيحدد الوضعين السياسي والجيوسياسي لأوروبا.

تآكل الثقة بالمؤسسات: تراجعت الثقة في الحكومات الأوروبية ومؤسسات الاتحاد لتعدد الأزمات الداخلية، رغم أن استطلاعات “يوروباروميتر” لعامي 2024 و2025 أشارت إلى تحسن ثقة الأوروبيين في مؤسسات الاتحاد، بنسبة (51%) في الربع الثالث من 2024، و(52%) في الربع الثاني من 2025، وتأييد الاتحاد في قضايا الدفاع والأمن. ومع ذلك، شهدت أوروبا في 2025 عدة اضطرابات؛ إذ خرجت مظاهرات في إيطاليا، في نوفمبر 2025، ضد زيادة الإنفاق العسكري، وفي ديسمبر 2025 انطلقت احتجاجات في ألمانيا رفضاً للتجنيد الإجباري. وشهدت مدن فرنسية وإسبانية وبلجيكية مظاهرات عقب إبرام التكتل اتفاقية تجارة حرة مع دول أمريكا الجنوبية. وكان عام 2025 عام الاضطرابات في فرنسا؛ ففي سبتمبر وأكتوبر خرجت مظاهرات رافضة لخطة تقشفية للحكومة، وفي نوفمبر وديسمبر أضرب موظفو متحف “اللوفر” احتجاجاً على تدهور الأجور.

الانقسام حول السياسات الخارجية: تختلف استجابة دول الاتحاد بشأن الأزمات الدولية والقضايا الداخلية الشائكة، مثل دعم أوكرانيا واستخدام الأصول الروسية. وتدفع دول شرق أوروبا والبلطيق باتجاه تسريع الدعم، على عكس دول أوروبا الغربية، مثل فرنسا وألمانيا، التي تطالب بالتوازن بين الدبلوماسية والدعم، فيما ترفض المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك هذا الدعم. وتدور مناقشات بين دول الشمال والجنوب المحافظة مالياً، مثل فرنسا وإيطاليا، حول الدين المشترك، إلى جانب الخلافات بشأن ميثاق الهجرة واللجوء الجديد ومراقبة الحدود. وتظل التوترات قائمة بين شرق أوروبا وغربها حول استقلال القضاء في بعض دول أوروبا الوسطى والشرقية.

السيناريوهات المستقبلية للأمن الأوروبي

سيناريو التصعيد: رغم الحديث عن مفاوضات بين موسكو وكييف، فإن المواجهة العسكرية بين أوروبا وروسيا تقترب، لا سيما أن رؤساء أجهزة الاستخبارات الألمانية الثلاثة حذروا من وقوع هجوم روسي محتمل في 2029، وأن هدف بوتين هو تفكيك الاتحاد الأوروبي. تشير التقديرات إلى أن دول البلطيق ستكون الهدف. يرفع الاتحاد الأوروبي الإنفاق الدفاعي بنسبة (3.5%) بحلول 2035، ويخصص (1.5%) من الناتج الاقتصادي لإجراءات أمنية، في ظل تكرار حوادث اختراق أجواء دول أوروبا بالمسيرات، والهجمات الإلكترونية على البنية التحتية للدول في 2025. ولا يمكن النظر إلى هذه الحوادث كعمليات عشوائية، بل تعد ضمن اختبار روسيا لقدرات أوروبا على الرد في حال نشوب حرب.

تحول الخطاب الأوروبي من الحديث عن التنمية إلى تأهيل الشعوب للحرب، وشبه المستشار الألماني “فريديرش ميرتس” استراتيجية الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في أوكرانيا بـ”استراتيجية هتلر” في العام 1938. وحذر الأمين العام لحلف الناتو “مارك روته” من استخدام روسيا القوة العسكرية خلال (5) سنوات ضد الحلف. ووزعت الحكومة الهولندية على الأسر كتيباً يرشدهم إلى كيفية الاستعداد للبقاء على قيد الحياة لمدة (72) ساعة دون ماء أو كهرباء أو إشارة هاتف، ما يعني أن الحرب باتت ضمن توجهات أوروبا خلال (2026 ـ 2027)، وهي الفترة التي ستبلغ فيها روسيا أعلى جاهزيتها العسكرية.

سيناريو احتواء الأزمات: ستلجأ أوروبا إلى التهدئة في الملف الإيراني، رغم تحولها إلى شريك لواشنطن في “هندسة الضغط” على طهران، وتوتر العلاقات الأوروبية الإيرانية بعد تفعيل “آلية الزناد”. لكنها تراعي طرح روسيا للوساطة المباشرة بين إيران وإسرائيل، المدعومة بتأييد صيني للمسار الدبلوماسي، وحالة الضعف التي يعاني منها النظام الإيراني جراء الاحتجاجات الحالية والقيود الاقتصادية، إلى جانب النظرة الأمنية للنظام الإيراني، الذي يعتمد على الحرب الهجينة ضد أوروبا. في الأزمة السودانية، تتخوف أوروبا من تدفق المهاجرين وامتداد الفوضى، لذا ستقوم بالوساطة دون الانحياز لأي طرف في الحرب، والانتقال من التحذيرات إلى التحرك لوضع حد للمعاناة الإنسانية، وبحث آليات وقف الانتهاكات عبر شراكة أوروبية عربية أفريقية، لتحويل الإدانة إلى وسيلة ضغط على طرفي الصراع.

سيناريو الانكفاء الأوروبي: ستصبح الأزمات الداخلية الشغل الشاغل لأوروبا، نتيجة عدم استقرار بعض الحكومات في فرنسا وهولندا وبولندا وإسبانيا، وصعود اليمين المتطرف إلى الحكم، واستمرار الخلافات حول الهجرة واللجوء والأمن الداخلي. وسيركز التكتل على تطبيق قواعد صارمة بشأن الهجرة، وحماية الحدود، وتطوير نظام الدخول والخروج، وتعزيز عمل وكالات “يوروبول وفرونتكس” ووكالات إنفاذ القانون، ووضع خطط لضمان أمن الغذاء والطاقة في عامي 2026 و2027.

سيناريو المقاربة الأمنية: يركز الاتحاد جهوده على سد الثغرات الأمنية وبناء قوة ردع كافية لمواجهة أي حرب محتملة. وستظل الدول الأعضاء مسؤولة عن قواتها، من العقيدة إلى الانتشار وتحديد احتياجاتها العسكرية. وسيعمل الاتحاد على سياسة أمن ودفاع موحدة بطريقة لا تمس الخصوصية الوطنية لكل دولة، وتسمح بجاهزية أوروبا بحلول 2030. ويسهل الاتحاد صناعة الدفاع الأوروبية عبر خفض التكاليف، وتجنب الشراء التنافسي، وتحسين القوة الشرائية للدول، ودعم البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج للتنقل والاتصالات الفضائية. الدفاع ـ هل تتجه ألمانيا نحو نشر قواتها في أوكرانيا؟

تقييم وقراءة مستقبلية

– تجعل التعددية القطبية الدولية خلال العام 2026 توزيع القوة أكثر تعقيدًا بكثير مما كان عليه خلال حقبة ثنائية القطبية في العلاقات الدولية أو فترة أحادية القطبية القصيرة. تؤكد خارطة الصراعات الدولية أن العام 2026 يتجه نحو تزامن الأزمات بدل تعاقبها. أوكرانيا، وإيران وإسرائيل، ومضيق تايوان، والبحر الأحمر، والساحل الأفريقي، كلها بؤر مرشحة للاشتعال، حيث يمكن لتصعيد محدود في منطقة واحدة أن يُحدث أثرًا متسلسلًا في مناطق أخرى.

– يشير المشهد إلى أن العام 2026 سيشهد توسع “الحروب الرمادية”، وتزايد الاعتماد على الوكلاء المحليين والأدوات غير العسكرية لتحقيق أهداف استراتيجية. من المتوقع أن تتزايد حوادث الحرب الهجينة في عام 2026 مع وقوع هجمات واسعة النطاق وعمليات تأثير مع اقتراب الانتخابات في العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا. سيجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام اختبار حاسم، إما تحويل استراتيجياته المعلنة إلى قدرات عملياتية حقيقية، أو البقاء لاعبًا اقتصاديًا كبيرًا بدور سياسي وأمني محدود.

– من المرجح أن يعيد الاتحاد الأوروبي التموضع كمؤثر سياسي بعيدًا عن المظلة الأمريكية، لا سيما أنها لم تعد ضمانة كافية. لكن إعادة التموضع ستواجه العديد من العقبات في مجالات الدفاع، والطاقة، والاستخبارات، خاصة أن الفجوة بين الطموح الأوروبي والقدرة الفعلية لا تزال قائمة، فضلًا عن الانقسامات الداخلية، وصعود التيارات الشعبوية، وتفاوت الرؤى الوطنية حول حجم وسرعة الاستقلال الاستراتيجي.

– يمكن لصناع القرار الأوروبيين تسريع عملية “الاستقلال الاستراتيجي” من خلال التركيز على الثغرات، بدلًا من السعي إلى الانفصال الكامل عن واشنطن، وكذلك الاستثمار العاجل في الدفاعات الجوية، والحرب الإلكترونية، وحماية البنى التحتية الحيوية، مع الإبقاء على التنسيق السياسي والعسكري الأطلسي لتجنب فراغ دفاعي. بالإضافة إلى إدارة “التعددية القطبية” بمرونة، عبر بناء شراكات مع القوى الصاعدة كالهند وتركيا والبرازيل، بما يخفف الاستقطاب بين واشنطن وبكين.

– يوصى بتعزيز دور “الوسيط المُرجِّح” للاتحاد الأوروبي في مناطق الأزمات، في البحر الأحمر وغرب البلقان والساحل الأفريقي ومنطقة الخليج العربي. كما ينبغي لصناع القرار الأوروبيين تكثيف التنسيق الاستخباراتي لتقليص قابلية المجتمعات الأوروبية للاختراق، واعتماد مقاربات أمنية مجتمعية شاملة، حيث تدمج تلك المقاربات الأمن السيبراني، ومكافحة التضليل، وحماية التماسك الداخلي، وليس الاكتفاء بالأدوات العسكرية.

**

– تُبرز حرب أوكرانيا عودة الصراع العسكري الواسع إلى القارة، وتفرض على الدول الأوروبية إعادة بناء قدراتها الدفاعية بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات التقليدية، وكشف البلقان هشاشة الأمن الأوروبي في خاصرته الجنوبية الشرقية، وقدرة الفاعلين الخارجيين على توظيف النزاعات المجمّدة كورقة ضغط استراتيجية.

– أثبتت النزاعات الإقليمية على صعيد التهديدات غير المباشرة، ، مثل حرب غزة، والصراعات في سوريا والسودان، أنها تؤثر مباشرة في الاستقرار الداخلي الأوروبي. فالجرائم وخطابات الكراهية المعادية للسامية، والنشاطات المتطرفة، والانقسامات الاجتماعية والسياسية، أصبحت تمثل تحديات مستمرة للسلام الاجتماعي الأوروبي.

– تمثل إيران عامل ضغط على أوروبا من خلال دعمها العسكري لحلفائها، وأنشطتها الاستخبارية، وقدرتها على التحكم في مسارات الطاقة والتجارة العالمية.

– من المرجح أن يستمر الأمن الأوروبي في مواجهة تهديدات متعددة المستويات على مدى السنوات القادمة، نتيجة تداخل النزاعات الإقليمية والتهديدات الداخلية، فحرب أوكرانيا ستظل محورًا أساسيًا للضغط العسكري، حيث يُتوقع استمرار الاستثمارات في الردع والجاهزية العسكرية.

– من المحتمل أن تظل أوروبا تواجه ضغوطًا داخلية من التطرف والهجرة غير النظامية، خاصة مع تداعيات الأزمات في غزة وسوريا والسودان. سيكون لذلك تأثير مباشر في الأمن المجتمعي، مع احتمال استمرار زيادة الجرائم المعادية للسامية ونشاطات الجماعات المتطرفة، وهذا سيستدعي تطوير قدرات الاستخبارات والأمن السيبراني، وتعزيز برامج الاندماج والتوعية لمواجهة الاستقطاب الاجتماعي.

– بات متوقعًا أن تتعزز جهود الاتحاد الأوروبي لدعم أمن الجناح الشرقي والجنوب، عبر بناء أطر مؤسسية للتعاون الدفاعي، ومشاركة الموارد الاستخباراتية، وتعزيز القدرة على الاستجابة السريعة للأزمات. وسيكون هذا التعاون عاملًا حاسمًا لتخفيف تأثيرات النزاعات الخارجية على القارة.

**

– أصبحت أوروبا أمام خيارٍ أوحد يتعلق بإعادة تموضعها من جديد سياسياً وأمنياً على الساحة الدولية، نظراً لتشابك الأزمات العالمية، وتراجع واشنطن في التزاماتها تجاه أوروبا، وصعود لاعبين رئيسيين مثل الصين في المشهد الدولي، وتصاعد التسلح العالمي التقليدي والنووي. وهو ما يتطلب من أوروبا توحيد موقفها في القضايا الخلافية، مثل دعم كييف، وترميم العلاقات مع بكين، كبداية للاستقلال في القرار السياسي عن واشنطن، الذي سيُعد انطلاقة للاستقلال الاستراتيجي.

– يرتبط اللجوء بالأوضاع السياسية والأمنية المضطربة، وتمثل دول الاتحاد وجهة آمنة للاجئين والمهاجرين، ما يزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية عليها. وتشكل التوترات في الشرق الأوسط، وحربا السودان وأوكرانيا، ودخول فنزويلا على خط الأزمات عقب اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو”، عاملاً رئيسياً في تدفق اللاجئين. وقد تُستخدم هذه النقطة كأداة ضغط جيوسياسية ضد أوروبا، لعرقلة استراتيجيتها الأمنية والضغط عليها في مفاوضات حرب أوكرانيا.

– تدرك أوروبا أن الوسيط الفاعل في الأزمات يجب أن يمتلك أدوات ضغط، وعلاقات متوازنة مع أطراف الأزمة، وقدرة على اتخاذ مواقف مغايرة لواشنطن، في ظل تباين نهج الجانبين الأمريكي والأوروبي في حرب أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ما يعني أن مسألة الدفاع الأمني الأوروبي يجب أن تشمل البعد النووي، وهنا يأتي بالضرورة تفعيل دور القوتين النوويتين الأوروبيتين، فرنسا وبريطانيا، كخطوة أولى لتوسيع نطاق الردع النووي الأوروبي، وإرسال رسائل إلى الحلفاء والخصوم بأن عام 2026 سيصبح مرحلة مفصلية في سياسات القارة الأوروبية.

– من المتوقع أن يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات مجتمعية؛ إذ إن عدداً من الأوروبيين يفتقدون المرونة للصمود أمام تبعات النزاعات الدولية، ما يتطلب رفع الوعي المجتمعي، عبر التعاون بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية، لوضع تدابير لمكافحة التطرف والاختراقات السيبرانية. كما ستعاني دول من إشكالية التراجع الديموغرافي، وانعكاساتها على بناء الجيوش والمشاركة في تطوير صناعة دفاعية مشتركة. لذا ستبحث الدول عن تحقيق التوازن بين الاحتياجات العسكرية والمتطلبات الاقتصادية، عبر تقديم حوافز للخدمة العسكرية وطرح دوام جزئي في الوظائف العسكرية.

– من المرجح أن تلجأ أوروبا إلى فتح حوار مع روسيا، وتشير تلميحات باريس بضرورة استئناف الحوار مع موسكو إلى إدراك أوروبا خطورة انفراد واشنطن بالمفاوضات بين موسكو وكييف، في ظل تقدم ميداني لموسكو في المعارك، والضغوط الأمريكية للقبول بشروطها. وهو ما يفسر نتائج قمة “تحالف الراغبين” بشأن إرسال قوات إلى أوكرانيا وتقديم ضمانات أمنية قوية في حال التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب.

– ستواصل أوروبا تعاونها مع الحلفاء في الشرق الأوسط لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ومنع تأجيج المشهد بين إسرائيل وحركة حماس من ناحية، وبين إسرائيل وحزب الله من ناحية أخرى. وفي المقابل، ستتمسك بالعقوبات والدبلوماسية مع إيران للتصدي لأي محاولات إسرائيلية لشن حرب جديدة.

– يمثل تعاطي أوروبا مع تهديدات ترامب بشأن ضم غرينلاند اختباراً حقيقياً لكيفية التعامل مع الأزمات الدولية، نظراً لأن التصعيد المحتمل في أوروبا قد يشهد، ولأول مرة، خصماً هو حليف في حلف الناتو. ولا سيما أن هذه التهديدات تزامنت مع إجراءات أمريكية أحادية في فنزويلا، وعقب إقرار استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. لذا ستسعى أوروبا إلى التهدئة عبر وسطاء داخل الناتو، وإرسال رسائل سياسية من خلال تكثيف الزيارات إلى الجزيرة وإبرام صفقات اقتصادية معها، واتباع الدبلوماسية بتقديم أدلة تؤكد أحقية الدنمارك في غرينلاند، قبل نشر قوات أوروبية عبر الناتو في الجزيرة، لتفعيل المادة (5) من ميثاق الحلف ومنع واشنطن من أي عمل عسكري.

رابط نشر مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=113421

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

هوامش

Russia’s hybrid-warfare attacks in Europe dropped this year, but could they pick up in 2026?
https://tinyurl.com/5dp5vhuf

Horror WW3 map shows the 5 locations where global conflict could erupt in 2026
https://tinyurl.com/53auk45s

Europe will need thousands more tanks and troops to mount a credible military defence without the US
https://tinyurl.com/wemdutam

Are spheres of influence making a comeback on the international stage?
https://tinyurl.com/5d7nc2wa

 **

European security in a time of war: Standing with Ukraine, against Russia and without the US

https://2u.pw/xZLWx

2025 in the Western Balkans: A year-end SITREP

https://2u.pw/7IH73

2025 – FINAL – IRAN’S THREAT TO REGIONAL AND EURO-ATLANTIC SECURITY

https://2u.pw/LIJ2C

EU sees Syria instability as terror risk

https://2u.pw/JL52r

 **

Russia’s war of aggression against Ukraine: Council extends economic sanctions for a further 6 months
https ://shorturl.at/6op48

New report: major developments and trends on terrorism in Europe in 2024
https://shorturl.at/nmL8Y

Asylum applications in September 2025
https://shorturl.at/TRD2H

Far-right parties surge across Europe
https://tinyurl.com/4wj5h56w

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...