خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
تجسس اتهام ضابط في سلاح الجو الأوكراني بالتجسس لصالح روسيا
كشف جهاز الأمن الأوكراني عن توقيف رائد في سلاح الجو الأوكراني، بتهمة تسريب معلومات حساسة إلى الاستخبارات العسكرية الروسية، في تطور يُعدّ من أخطر قضايا الاختراق الأمني التي تواجهها أوكرانيا منذ اندلاع الحرب. وفقًا للبيان الصادر عن جهاز الأمن الأوكراني في 30 يوليو 2025، فإن الضابط الموقوف يُشتبه بتورطه في نقل معلومات مفصلة حول مواقع وتحركات الطائرات الغربية، وخاصة مقاتلات من طراز F-16، إلى الجانب الروسي. كما يُعتقد أنه قدّم إحداثيات دقيقة لمدارج الطيران العسكري، وأوقات الإقلاع، وأنماط الهجوم، إضافة إلى بيانات تتعلق بالأطقم الجوية والخطط التكتيكية.
المتهم، الذي شغل منصب مدرّب طيران ضمن القوات الجوية، كان على دراية بالمنظومات الغربية المقاتلة التي تم تزويد أوكرانيا بها مؤخرًا، ومن بينها:
- مقاتلات F-16 الأميركية
- طائرات Mirage 2000 الفرنسية
- طائرات Su-24 السوفييتية المطوّرة
الأهمية العملياتية للطائرات الغربية في الدفاع الأوكراني
تُشكل الطائرات الغربية عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الدفاع الجوي الأوكراني، خصوصًا في التصدي لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية. وقد تلقت أوكرانيا 42 طائرة F-16 من حلفائها، معظمها من هولندا، في إطار تعزيز قدراتها الدفاعية.هذه الطائرات لا تُستخدم فقط في العمليات الهجومية، بل تؤدي دورًا محوريًا في اعتراض الهجمات الجوية الروسية، وتغطية الأجواء الحيوية، لا سيما حول العاصمة كييف والمطارات العسكرية في غرب البلاد، مثل قاعدة ستاروكوستيانتينيف الجوية، التي تتعرض بانتظام لغارات روسية دقيقة. تشير المؤشرات الأولية إلى أن المعلومات التي نُقلت قد استخدمت في توجيه الضربات الجوية الروسية بدقة أكبر نحو أهداف ذات طبيعة استراتيجية، من بينها المطارات التي تستضيف الطائرات الغربية، ما يؤكد وجود مساعٍ روسية لاختراق منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية وتعطيل قدراتها الجوية.
ردود الفعل الرسمية والتداعيات الأمنية
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي علّق على الحادثة بالقول: “من يقف مع المحتل، سيواجه العدالة بقوة القضاء الأوكراني.” وقد أثارت القضية قلقًا كبيرًا في الأوساط العسكرية والأمنية، نظراً لحساسيتها وتأثيرها المباشر على سير العمليات الدفاعية. ورغم أن التحقيقات لا تزال داخلية، ولم تُفتح بعد تحقيقات مستقلة، فإن خطورة الحادثة تكمُن في تهديدها للأمن التشغيلي لأحدث الأنظمة الجوية التي تسعى كييف إلى توظيفها كعامل توازن في ظل تفوّق روسيا الجوي. يُشار إلى أن جهاز الأمن الأوكراني كشف، في وقت سابق، عن توقيف عدد من المواطنين الصينيين بتهمة التجسس على برامج أسلحة أوكرانية. غير أن القضية الراهنة تُعدّ أكثر تعقيدًا، نظرًا لمساسها المباشر بأمن سلاح الجو.
تشير هذه الحادثة إلى اختراق أمني خطير ضمن بنية القوات الجوية الأوكرانية، وتُبرز التحديات التي تواجهها كييف في الحفاظ على سرية منظوماتها الدفاعية، لا سيما في ظل انتقالها إلى استخدام أسلحة غربية متطورة. وتؤكد العملية استمرار الجهد الاستخباري الروسي النشط داخل أوكرانيا، وضرورة تعزيز آليات الأمن الداخلي والمراقبة المضادة، خصوصًا فيما يتعلق بحماية المعلومات المرتبطة بالطائرات المقاتلة والبنية التحتية الجوية الحيوية.
التجسس الروسي ضد أوكرانيا
اكتشاف شبكة تجسس روسية في مدينة أوديسا – أبريل 2024 : أعلن جهاز الأمن الأوكراني (SBU) عن تفكيك خلية تجسس تابعة للاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، كانت تعمل على جمع معلومات عن تحركات الأسطول البحري الأوكراني، ومواقع منظومات الدفاع الساحلي في أوديسا. تضمنت الشبكة مدنيين وموظفين سابقين في الجيش الأوكراني.
ضبط موظف في وزارة الدفاع الأوكرانية – يناير 2024: تم توقيف موظف رفيع المستوى في وزارة الدفاع الأوكرانية للاشتباه في تزويده الجانب الروسي بمعلومات عن عمليات شراء الأسلحة الغربية وتوزيعها على الوحدات القتالية.
اعتقال موظف في شركة طيران أوكرانية – سبتمبر 2023
ألقت السلطات الأوكرانية القبض على فني في شركة “Antonov” لصناعة الطائرات بتهمة تسريب معلومات فنية وتصميمية عن الطائرات العسكرية الجديدة، لا سيما طائرة An-178، إلى عملاء مرتبطين بالاستخبارات الروسية.
تجنيد عسكري أوكراني في دونيتسك – مارس 2023
أعلنت كييف عن اعتقال جندي يعمل على خط التماس في منطقة دونيتسك، بتهمة إرسال صور لمواقع الوحدات الأوكرانية، وخطط الانتشار، عبر تطبيقات مشفرة إلى ضباط في الاستخبارات الروسية.
استخدام طائرات مسيّرة مدنية لجمع المعلومات – 2022–2023
كشف جهاز الأمن الأوكراني عن استخدام روسيا لطائرات مسيّرة تجارية (drones) مزوّدة بكاميرات حرارية وأجهزة إرسال لتحديد مواقع أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية بالقرب من كييف وخاركيف. وتم اعتراض عدد من هذه الطائرات وتحليل بياناتها.
تفكيك شبكة تجسس في لفيف – يوليو 2022
تم القبض على أربعة مواطنين أوكرانيين كانوا يزوّدون روسيا بمعلومات عن تحركات القوات الغربية وتخزين الأسلحة المقدمة من الناتو قرب مدينة لفيف، غرب أوكرانيا. كانت المعلومات تُرسل إلى جهة تابعة لـ GRU.
أشارت تقارير استخباراتية أوروبية إلى محاولات الاستخبارات الروسية تجنيد لاجئين أوكرانيين في بولندا وألمانيا وهنغاريا بهدف جمع معلومات عن عائلات الضباط العسكريين أو عناصر القوات الخاصة. تشير هذه الحوادث إلى أن روسيا تعتمد على مزيج من العملاء المحليين، والطائرات المسيّرة، وعمليات التجنيد داخل القوات الأوكرانية، وتوظيف مدنيين في القطاعات الحيوية مثل النقل والدفاع، ضمن استراتيجية استخبارية متعددة المستويات تهدف إلى تقويض القدرة الدفاعية لأوكرانيا واستهداف البنية التحتية العسكرية بدقة أكبر.
جهاز الأمن الأوكراني (SBU)
يُعدّ جهاز الأمن الأوكراني (SBU) الهيئة المركزية المسؤولة عن الأمن الداخلي ومكافحة التجسس وحماية سيادة الدولة في أوكرانيا. تأسس الجهاز في أعقاب استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، بوصفه الوريث المباشر للفرع المحلي من جهاز “الـKGB” السوفييتي، وقد خضع منذ ذلك الحين لعدة عمليات إصلاح وتحديث، خاصة بعد اندلاع الحرب مع روسيا في عام 2014 واشتدادها في 2022. يتمتع الـSBU بصلاحيات واسعة تشمل مكافحة التجسس، محاربة الإرهاب، الأمن السيبراني، ومكافحة الفساد في مؤسسات الدولة. كما يتولى مهمة رصد الأنشطة المعادية للدولة، والتصدي لعمليات التخريب والتسلل الاستخباراتي، سواء من الداخل أو من جهات أجنبية، وفي مقدمتها روسيا.
خلال سنوات الحرب، لعب جهاز الأمن الأوكراني دورًا محوريًا في تفكيك شبكات التجسس الروسية داخل الأراضي الأوكرانية، وضبط عناصر مدنية وعسكرية تورطت في نقل معلومات حساسة للعدو. كما طور الجهاز تعاونًا وثيقًا مع أجهزة استخبارات غربية، أبرزها CIA وMI6، في إطار تعزيز قدراته التقنية والاستخباراتية.ويُعرف عن الجهاز أنه ينشط بقوة في المناطق المتاخمة لخطوط المواجهة، وفي المدن الكبرى والمواقع العسكرية الاستراتيجية، وهو يقود حاليًا عدة عمليات أمنية سرية تهدف إلى تحديد نقاط الاختراق الروسية داخل المؤسسات العسكرية والحكومية. وبالرغم من تعرضه لانتقادات سابقة تتعلق بالاختراق والفساد، إلا أن الجهاز شهد منذ 2022 إعادة هيكلة على مستويات قيادية وعملانية، بهدف رفع الكفاءة وتعزيز الثقة الغربية في أدائه، لا سيما بعد اتساع نطاق الدعم العسكري الدولي لأوكرانيا.
جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)
يُعدّ جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، المعروف اختصارًا بـ GRU (من الروسية أحد أقوى وأكثر الأجهزة الاستخباراتية سرّية وتأثيرًا في روسيا. تأسس الجهاز في عام 1918 بوصفه إدارة الاستطلاع العسكري للجيش الأحمر، وتطوّر عبر العقود ليُصبح الذراع الاستخباراتي الخارجي التابع لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية. تتمثل مهمة GRU الرئيسية في جمع المعلومات الاستخباراتية العسكرية والاستراتيجية خارج حدود روسيا، بما يشمل الرصد التقني والبشري، وقيادة العمليات الخاصة، والحرب السيبرانية، وعمليات التخريب والتأثير. ويختلف GRU عن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) في كونه تابعًا للجيش ويُعنى أساسًا بالمجال العسكري، بينما يتولى FSB الأمن الداخلي. تمتلك GRU شبكة واسعة من العملاء السريين في الخارج، وتُتهم بالوقوف وراء عدد من عمليات التجسس والتخريب في أوروبا وأميركا، أبرزها:
- محاولة اغتيال العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا عام 2018 باستخدام غاز الأعصاب.
- تنفيذ هجمات سيبرانية ضد مؤسسات حكومية في أوكرانيا، ألمانيا، والولايات المتحدة.
- قيادة وحدات نخبوية تُعرف باسم “الوحدات الخاصة لـ GRU”، مثل الوحدة 29155، المرتبطة بعمليات اغتيال وتفجير سرية.
خلال الحرب في أوكرانيا، لعب GRU دورًا مركزيًا في تنسيق عمليات التجسس والاستطلاع والهجمات السيبرانية، وكان مسؤولًا عن تجنيد عملاء داخل المؤسسات العسكرية الأوكرانية، بما في ذلك سلاح الجو، وهيئات التخطيط العملياتي. يُعدّ الجهاز من أكثر مؤسسات الاستخبارات الروسية انغلاقًا، ويخضع مباشرة لقيادة هيئة الأركان الروسية ووزارة الدفاع. ويُعتقد أن إمكانياته الاستخباراتية تعتمد على مزيج من الوسائل التقليدية والتقنيات الحديثة في الحرب الإلكترونية والتأثير النفسي والإعلامي.
الانعكاسات على هولندا والدول الغربية المورّدة للمقاتلات:
تشكيك في آليات الأمن والتأهيل داخل الجيش الأوكراني: الحادثة تمثل خرقًا مباشرًا للثقة في قدرة أوكرانيا على حماية الأسرار العسكرية، وخاصة فيما يتعلق بمنظومات الطيران الغربية. قد تُطالب الدول المورّدة، وعلى رأسها هولندا، بمراجعة معايير اختيار الطيارين الأوكرانيين الذين يتلقون التدريب على الـ F-16، وربما بفرض إجراءات تحقق أمنية أكثر صرامة.
بما أن هولندا هي الدولة التي قدمت العدد الأكبر من طائرات F-16 إلى أوكرانيا (42 طائرة)، فإن الكشف عن تسريب بيانات تشغيلية ومواقعها يُعدّ فشلًا أمنيًا غير مباشر يطال الحكومة الهولندية. من المرجح أن يطالب البرلمان الهولندي بإجراء تقييم أمني مشترك مع الناتو لضمان عدم تكرار حوادث تسريب كهذه.
بعض الدول الغربية قد تُعيد النظر مؤقتًا في تسليم دفعات جديدة من الطائرات إلى أوكرانيا حتى يتم ضمان إجراءات أمنية صارمة تحمي البيانات التشغيلية والتكتيكية. هناك خطر بأن تتحول هذه الحادثة إلى ورقة ضغط داخلية لدى بعض الحكومات الغربية وخاصة تلك التي تشهد صعودًا لليمين المتطرف أو التي تعاني من ضغط الرأي العام.
التأثير على برنامج دعم أوكرانيا بالمقاتلات الغربية: تحوّل الدعم من الكمي إلى النوعي بدلًا من تسريع تسليم أعداد إضافية من الطائرات، قد تتجه الدول الداعمة إلى تركيز الدعم على التدريب الأمني، وتطوير نظم الحماية السيبرانية والمعلوماتية. وتعزيز آليات التحقق والتوثيق داخل برنامج الطيران الأوكراني سيكون على الأرجح شرطًا لاستمرار التعاون.
وقد تتخذ الدول الغربية قرارًا بنقل جميع تدريبات الطيارين الأوكرانيين إلى دول الناتو مثل رومانيا أو بولندا أو الولايات المتحدة، لمنع أي اختراق استخباراتي داخلي خلال عمليات التأهيل.
زيادة الاعتماد على الطائرات دون طيار والأنظمة”المٌسيرة” : في ظل هذه الثغرات الأمنية، قد تُفضّل بعض الدول الغربية توسيع دعم أوكرانيا بأنظمة غير مأهولة أكثر من المقاتلات التقليدية، لسهولة التحكم بها عن بُعد وتقليل خطر التجسس البشري. الحادثة تمنح روسيا مكسبًا استخباراتيًا نادرًا قد ينعكس على فعالية الغارات الجوية الروسية في الأسابيع القادمة.
على المستوى الأطلسي، قد تستغل موسكو هذه الحادثة لتغذية الانقسام داخل الناتو، واتهام كييف بالعجز عن حماية أسرار التحالف.
دول مثل الولايات المتحدة، رغم أنها أكثر انخراطًا في البرنامج، قد تُشدد على ربط استمرار الدعم الجوي بإصلاحات أمنية عسكرية داخل أوكرانيا.
إن قيام ضابط طيار أوكراني بالتجسس لصالح روسيا يمثل تطورًا خطيرًا قد يُقوّض ثقة الغرب المؤقتة في المنظومة الأمنية الأوكرانية، خاصة في المجال الجوي. هولندا، بصفتها المورّد الرئيسي لطائرات F-16، ستتعرض لضغوط سياسية وأمنية لتبرير استمرار الدعم. أما مستقبل تسليم المزيد من الطائرات، فسيعتمد إلى حد كبير على قدرة أوكرانيا على احتواء الأزمة وإصلاح البنية الأمنية داخل سلاح الجو.
