
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : هند ناصر خلفان السويدي ، باحثة في الأمن الدولي والإرهاب ـ دولة الإمارات
أعلنت الولايات كلاً من المتحدة الأمريكية وإسرائيل يوم الثامن عشر من فبراير للعام 2026 بدء العمليات العسكرية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية مُعددين الأسباب من شنِ هذه العمليات ، ويأتي في مقدمتها القضاء على النظام الحاكم في الجمهورية الإيرانية ومنع إيران من القيام بأعمالٍ عدائية تجاه جيرانها ووقف الدعم الإيراني عن أذرعها في منطقة الشرق الأوسط .
كل هذه الأسباب من الممكن دراستها وماقشتها على الطاولة ؛ إلا أنه قد لاح في الأفق مشهد سريالي غريب عن القرن الواحد والعشرين ؛ الزجِ بمصطلحات من القرون الوسطى في أتون حرب تدور رحاها في القرن الواحد وعشرين ألا وهي ” السردية الدينية وإستحضار قصص النهاية من أجل خوض غمار هذه الحرب “.
فعلى الصعيد الأمريكي ؛ هناك جدلٌ كبير وواسع ولا سيما بعد الكشف عن المزاعم التي تفيد بأن بعض القادة العسكريين الأمريكين استخدموا الخطاب الديني الذي يتحدث عن ” معركة هرمجدون ” أو نهاية العالم عند شرح الحرب على إيران للجنود الأمريكيين وهذا الأمر يثير النقاش السياسي والقانوني حول استخدام المصطلحات الدينية داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية .
فقد تلقت ” مؤسسة الحرية الدينية العسكرية ” ( MRFF) أكثر من 200 شكوى من جنود أمريكيين من مختلف أفرع القوات المسلحة الأمريكية . وقد جاء في فحوى هذه الشكاوى ” أن بعض القادة العسكريين واثناء الإحاطات العسكرية قالوا أن الحرب على إيران هي جزء من ” خطةًٍ إلهيةٍ ” مُستشهدين في ذلك بنصوص من سفر الرؤيا في الكتاب المقدس عن معركة هرمجدون ونهاية الزمان .
وأحد الجنود ذكر في شكواه أن قائداً عسكرياً أخبرهم أثناء اجتماع عسكرية بأن العمليات الجارية على إيران ليست حرب عادية ، بل هي جزء من الأحداث التي تقود إلى عودة المسيح وفق بعض التفسيرات الدينية .
وأن هذا القائد العسكري أشار أيضاً إلى أن الصراع في الشرق الأوسط قد يمثل تحقيقاً لنبوءاتً دينية ترتبط بنهاية العالم . وعلى صعيد أخر فقد أفادت بعض التقارير أن بعض الضباط قالوا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد مُسح من قبل المسيح من أجل إشعال هذه الأحداث وهذا يكشف لنا حساسية العلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمؤسسة العسكرية والحروب الخارجية ونرى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُحضر قساً إلى مكتبه ويقوم مع فريقه بتأدية صلوات من أجل تحقيق النصر في الحرب على إيران.
على الصعيد الإيراني ؛ فإن إغتيال المرشد الأعلى للثورة الخمينية على خامنئي كان كفيلاً في حد ذاته إستحضار نبرة “الاستشهاد” منذ موقعة كربلاء الشهيرة تاريخياً والتي أستشهد فيها الحسين بن علي مروراً بجميع الحوادث التي تتعلق بهذا الأمر ولا سيما ووفق الرويات فقد رفض الخميني التستر أو الإنزواء بل قرر ممارسة حياته بشكل تقليدي وإعتيادي وقد نتج عن ذلك سهولة إستهدافه من قبل سلاحي الجو الإسرائيلي والأمريكي ، وبالتبعية ووفق الموروث العقدي الإيراني فقد تم رفع راية الثأر ذات اللون الأحمر على مسجد كمران الواقع في مدينة قم الإيرانية وهذه الراية تعني الكثير والكثير بالنسبة للشيعة وتمثل ضوء أحمر للأخذ بالثأر من العدو وحتى دعوة للذئاب المنفردة والخلايا النائمة لمباشرة عمليات الثأر .
على هذا الأساس تتزايد الدعوات في الشارع الإيراني مطالبةً بالثأر مُستحضرين الشعارات الدينية ” يا لثارات الحُسين ” .هذا الشعب الذي يعيش طيلة عامه كاملاً وبشكل لا ينقطع في ما يمُكن تسميته بالأربعينيات ، فكل شهيد له أربعينية ، أو ما يمكننا القول مجازاً أن هذا الشعب يعيش حرفياً داخل ” حدائق الأحزان”.
هذا ما يجعل المشهد أمامنا أكثر ضبابية ، فأبو ظبي ودبي والرياض والبحرين وسلطنة عمان والأردن والعراق وأذربيجان طالتها جميعاً الصواريخ والمسيرات الإيرانية ، فحتى الأمس القريب أطلقت إيران قرابة 2700 مُسيرة إنتحارية وصاروخ طالت الأراضي العربية منهم 2389 مسيرة وصاروخ .
ويستمر الجانب الإيراني في التصعيد في مقابل الجانب الإسرائيلي والأمريكي ، كل ذلك مدعوم بسردية دينية من جانب أحدهم فبين من يعلنها حرب صليبية تُنبئْ بظهور المسيح عليه السلام وما بين ما يعلنها حرب كربلائية للثأر للشهداء غير آبه أي طرف منهم لمآلات الأوضاع وخطورتها على الصعيد الدولي والعالمي.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هي الفائدة الحقيقية التي سوف يجنيها العالم المتحضر أو الذي يزعم التحضر على أقل تقدير من إستحضار مصطلحات دينية سادت في العصور الوسطى من أجل شن هجوم عسكري في العصر الحديث ؟
إن عالمنا اليوم ، أمام خياران لا ثالث لهم ، إما أن يكون مُتحضر قولاً وفعلاً ويتابع مسيرة التقدم والحضارة في شتى مجالات الحياة ، والسعي نحو مواجهة مواقفه الصعبة وحل توتراته وأزماته بالجلوس إلى الطاولة ، وإما إستحضار الماضي بمصطلحاته التي لن يكون منتوجها سوى الحروب والتدمير ، فآفة الإنسان إستحضار الماضي.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=115965
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
