اختر صفحة

رأت مصادر بريطانية مطلعة أن الجدل الذي يواكب العملية الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة لندن في المنطقة المحيطة بمقر مجلس العموم البريطاني يتناول تقنيات مكافحة الإرهاب ومواطن الضعف الممكن أن يتسرّب منها الإرهاب إلى الداخل البريطاني، لكنه يغفل الجرأة في مواجهة مصادر التطرف ومنابعه العقائدية في بريطانيا والعالم.وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن هجوم الأربعاء الإرهابي في منطقة ويستمنستر في قلب العاصمة البريطانية الذي أودى بحياة ثلاثة أشخاص إضافة إلى القاتل. وكشفت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي الخميس أن منفذ الهجوم بريطاني المولد “وتأثر بأيديولوجية داعش”.

وقالت الشرطة البريطانية إن اسم المهاجم خالد مسعود وإن لديه سجلا بعدد من الإدانات الجنائية لكنها ليست في جرائم تتصل بالإرهاب.وأوضحت أن مسعود (52 عاما) ولد في كنت إلى الجنوب الشرقي من لندن وكان يقيم في الآونة الأخيرة في وسط إنكلترا.وأضافت في بيان “مسعود لم يكن مشمولا في أي تحقيقات جارية ولم تكن هناك معلومات مخابراتية من قبل عن اعتزامه تنفيذ هجوم إرهابي”.وذكر البيان “لكنه كان معروفا للشرطة وله عدد من الإدانات السابقة باعتداءات تشمل الإيذاء الجسدي البالغ وحيازة أسلحة هجومية وجرائم ضد النظام العام”.

وقال البيان إنه لم تتم إدانته من قبل بأي جريمة تتعلق بالإرهاب.وقالت ماي في كلمة أمام مجلس العموم البريطاني، إن الشرطة سبق أن حققت مع الجاني للاشتباه في صلته بالتطرف العنيف واصفة إياه بأنه كان “شخصية هامشية” وأنه “لم تكن هناك معلومات استخباراتية مسبقة عن نيته، ولا عن خططه”.وأعلنت ماي أن المصابين في الهجوم هم 12 بريطانيا وثلاثة أطفال فرنسيين ورومانيان وأربعة كوريين جنوبيين ويونانيان ومواطن من كل من ألمانيا وبولندا وأيرلندا والصين وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية، كما أصيب ثلاثة رجال شرطة أيضا بجروح.

وقبل خطاب ماي وقف المشرعون دقيقة صمت حدادا على ضحايا الهجوم الإرهابي.كما شاركت في الحداد شرطة العاصمة لندن، ومقر عمدة لندن، وغيرها من أماكن العمل في جميع أنحاء المدينة.ولفتت مصادر بريطانية متخصصة في شؤون الإرهاب أن بريطانيا لم تحسم أمرها مع الجماعات الإسلامية ومازالت مقاربتها ملتبسة لا سيما في ما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين الحاثة أفكارها وعقيدتها على التطرف.وذكرت هذه الأوساط أن لندن تحوّلت في تسعينات القرن الماضي إلى ما أطلق عليه اسم “لندنستان”، من خلال منحها لقيادات جهادية حق اللجوء السياسي في بريطانيا ومن خلال سماحها بأن تكون العاصمة البريطانية منبرا للتطرف الإسلامي.

وتضيف هذه المصادر أن اعتداءات 7 يوليو 2005 في لندن أسست لقطيعة مع هذا النهج، لكن الحكومات البريطانية المتعاقبة تعاملت مع الإسلام السياسي بصفته إحدى الأدوات التي يمكن التعويل عليها في السياسة الخارجية البريطانية.وأثارت أوساط سياسية بريطانية التقرير الذي أعده السير جون جينكينز السفير البريطاني الأسبق في الرياض، وتشارلز فار رئيس لجنة الاستخبارات المشتركة في بريطانيا.وجاء التقرير بعد تحقيق طلبته حكومة ديفيد كاميرون السابقة. وأشار إلى دور جماعة الإخوان الملتبس في الترويج للعنف والإرهاب في العالم.

وتأخذ هذه الأوساط على الحكومة البريطانية عدم أخذها بخلاصات التقرير وعدم البناء عليها للذهاب إلى القطع مع أحد المنابع الأساسية العقيدية للإرهاب الذي تعتمده الجماعات الإرهابية.وكان التقرير قد أكد أن الإخوان المسلمين منظمة عابرة للحدود وليست تنظيما محليا وهدفها إقامة الخلافة الإسلامية. واعتبر أن حركة الجماعة داخل بريطانيا مضرة بالمصالح البريطانية، وأن لها تأثيرا مباشرا على جميع المنظمات الإسلامية المحلية.واعتبر التقرير أن أفكار الجماعة تتعارض مع قيم الديمقراطية وسيادة القانون والحرية والمساواة، وتعتبر خطرا على المنظومة الديمقراطية في عموم أوروبا وتمثل شكلا من أشكال التطرف داخل القارة الأوروبية.

ولفت التقرير إلى أن الجماعة تعتبر المجتمعات الغربية منحلة وغير أخلاقية وفق ما جاء في أدبيات مؤسسها حسن البنا باعتبارها دولا فاسدة. وسلط التقرير المجهر على النهج السري للجماعة وتغلغلها داخل صفوف الحركات الطلابية في بريطانيا.وكان الشيخ علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الواجهة الدولية للإخوان المسلمين، قد أدان تفجيرات لندن الأربعاء، لكن مراقبين اعتبروا أن هذه الإدانة السريعة تعبّر عن القلق الذي يعتري الجماعة جراء تنامي الوعي الدولي بارتباط الجماعة بالإرهاب.

وكان الشيخ يوسف القرضاوي أحد المراجع الإخوانية الكبرى، قد أقر أن أبا بكر البغدادي زعيم داعش “كان شابا من شباب جماعة الإخوان”.وكشف القرضاوي في شريط فيديو عن وجود شبان من قطر ضمن تنظيم داعش، ذاكرا أن البغدادي كان ميالا للقيادة، الأمر الذي جعله يترك الإخوان ويلتحق بالتنظيم المتشدد.ويأتي الكشف عن ارتباط زعيم تنظيم داعش بالإخوان متّسقا مع ما هو معروف من ارتباط أسامة بن لادن وعبدالله عزام وغيرهما بالجماعة.وكان الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة المصري أيمن الظواهري اعترف أيضا في شريط فيديو أن سلفه بن لادن “كان عضوا في فرع سعودي لحركة الإخوان المسلمين في شبابه”.

ويجمع الخبراء في شؤون الجماعات الجهادية على خروج كافة هذه التنظيمات من عباءة الإخوان المسلمين، بحيث بات للجماعة وجه يتحدث عن المدنية وتداول السلطة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ووجه آخر يأخذ شكلا انشقاقيا يبشّر بالخلافة من خلال الجهاد واستخدام العنف.وفيما يتخوف المسلمون في بريطانيا من ردود فعل قد تمس عيشهم اليومي داخل بريطانيا، تطالب منابر بريطانية الحكومة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد التيارات الإسلاموية لتخليص الجالية الإسلامية كما بريطانيا من أفكار وعقائد وممارسات هدفها المس بنموذج التعايش بين الأديان والثقافات المعمول به في المملكة المتحدة.وتدعو أوساط برلمانية إلى إعادة الاعتبار لتقرير السير جون جينكينز وإعادة تفعيل خلاصاته والخروج بالتوصيات والإجراءات اللازمة لوقف الاختراق الإرهابي الذي يتعايش مع القوانين البريطانية.

صحيفة العرب