الإستخباراتدراسات

اهمية عنصر #الاستخبارات في عمل #الاجهزة_المحترفه. بشير الوندي

كتب، بشير الوندي

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مباحث في الاستخبارات (42)

مدخل

يتصور البعض ان على رجل الاستخبارات ان يكون ذا مواصفات خارقة , وقد كُتبت الكثير من المقالات وبتفاصيل متنوعة وطويلة عن مواصفات رجل الاستخبارات , واعتقد ان ماكتب لاينطبق الا على امثال شخصية سوبرمان!!.
فكتب عن الخبرة والمهارة والدهاء والتمويه وحب العمل و الطاعة وتنفيذ الاوامر وحفظ الاسرار والكتمان ومعرفة البيئة وتوصيل المعلومات وقوة الملاحظة وعدم حب الظهور وعدم الثرثرة. وغيرها من الشروط , وبرغم انها مواصفات ممتازة الا انها ببساطة لاتصلح كشروط للتعيين وانما تُكتسب بالمران داخل الاجهزة الاستخبارية من خلال التدريب.

واذا بحثنا عن شخص بمواصفات خارقه فلا نجد احد ولعل المواصفات التي يذكرها البعض لاتتوفر في رئيس الجهاز الاستخباري نفسه.

ان البعض لا يفرق بين مواصفات عنصر الجيش ومواصفات عنصر الامن ومواصفات عنصر الاستخبارات ويجمع بين الثلاثة , وهذا خطا كبير , فلكل عمل نوعيته واساليبه.
فرجل الاستخبارات مطلوب منه ان يعيش لصق العدو احيانا , لذا , لو كان الجندي يحتاج للتدريع في الجبهة , فرجل الاستخبارات قد يحتاج ان يطيل لحيته ويمسك مسبحة في مسجد ما في مدينة عدوه على حدود بلاده . يختلف توصيف الطاعه بين الجندي وعنصر الاستخبارات .
فالجندي ملزم بالطاعة  بدقة والابتعاد عن اية صلة بالعدو والحرص منه , بينما يدرب عنصر الاستخبارات على التعايش مع العدو .

المواصفات والكفاءة

يجب ان يتميز جهاز الاستخبارات بقدرة تشخيص ماذا يريد , ويجب ان يبحث الجهاز عن المشترك العام بالحد الادنى كمميزة لجذب الشخص, ومن ثم يقوم الجهاز المحترف بتربيه وتعليم الموظف على مايريد
ان اهم عاملين لهما تاثير كبير في اكتمال منظومة الاستخبارات هما الاخلاص والكفاءة , فالاخلاص هو عنصر اساس في اختيار الشخص للعمل الاستخباري ( في مركز الجهاز ) فيجب ان يتمتع باخلاص لوطنه ولمواطنته .
والكفاءة هي من واجبات الاستخبارات التي يجب ان تعمد الى زياده المعرفة والمهارات والقدرات والقابليات ليصل العنصر الى المستوى الذي يؤهله ليكون في مؤسسة الاستخبارات ,فالمعايير تأتي قبل التوظيف الاستخباري اما الكفاءة فتأتي بالمران

وتعتمد الاجهزه معايير وخطوات للاختيار منها السيره الذاتية وتدقيقها والتصريح الامني (وهو تدقيق موقف الفرد وعائلته) التخصص والمهارة وتطابقها مع حاجة المؤسسة والفحوص الطبية ومراقبة السلوك الشخصي والاختبارات وهي متنوعة.

وتتنوع المعايير حسب الدول والاخلاقيات السائدة في كل بلد ومجتمع , وتكبر وتصغر حسب متطلبات الجهاز, لكن بالمستوى العام هناك معايير مشتركة في كل دول العالم كالذكاء والاستقامة وحسن السلوك والوطنية والسلامة الجسدية والعقلية.
ولكن الامر لايبدو دوما بتلك البساطة , فقد ذهبت بعض الاجهزة الى اصطياد بعض المجرمين من اصحاب السوابق كالمزورين والمهربين او بعض الهكرز لاستكمال حاجتها لبعض المهارات المهمة كما في قصة رأفت الهجان
فبرغم استهتاره وسمعته وماضيه الا انه  المصري الوحيد الذي استطاع ان يخترق ويعيش في اسرائيل ويصل الى مستوى الاشخاص المعروفين ويرفد المخابرات المصرية طيلة 20 عام بالمعلومات القيمة.

فهنا لا يوجد مقياس حقيقي للعمل الاستخباري بالمعايير , فمن يذهب للعمل مع العدو يجب ان تكون له قدرات خارج معاييرنا كما ان المعايير والقيم تختلف من بلد لآخر , فذبح حاتم الطائي فرسه لضيوفه يُعد عندنا خلق رفيع وكرم لكنه في معايير دول اوروبية وحشية .

اما الكفاءة  فهي من واجب الجهاز وهو المسول عن تطويرها كالخبرة وحب العمل والمغامرة والطاعة وحفظ الاسرار وانتحال الصفه والتمويه وقوة الملاحظة والعيش بشخصية اخرى (في بعض الدول المحترفة لا يمنح عنصر الاستخبارات سلاحاً شخصيا ليتعود كيف يعيش بين الناس منتحلاً شخصية وعمل اخر).

ويتكامل التقييم بالرقابة الدقيقة الصارمة و التدريب والتعليم المستمر و الحوافز و العدالة الادارية والمراجعة الدورية ومكافحة نقاط الضعف كالثرثرة وحب الظهور والانحراف الفكري والمشاكل النفسية والعائلية ومراقبة الموقف المالي وتدقيق سوابق المقربين والاستغلال وغيرها.

ومن هنا فإن من الخطير ان يفرض احد ما بنفوذه , او تفرض الحكومة على الاجهزة الاستخبارية  عناصر لتوظيفها , لان الوساطة في تلك الاجهزة تدمر العمل الاستخباري.

طرق التوظيف الاستخباري

ذكرنا في مبحث سابق (راجع : التوظيف الاستخباري) مواضيع تخص كثيرا كيف يتم اختيار الشخص للعمل في هذا المجال ومنها: 1- التوظيف الداخلي :وهو اعاده هيكلة المؤسسة من خلال تصحيح استخدام الموارد البشرية فيها , فهناك من يستطيع ان ينجح في العمل الميداني واخر في العمل المكتبي واخر لديه قدرة على التحليل واخر لديه قدرات في الاختراق او البرمجة او التنصت وغيرها.

ويتم تمييز الاجهزة المحترفه للضباط بين العمل الميداني والعمل المكتبي ,اي بين القوه الفاعلة والقوه العاقلة خلال سنوات فتضع العنصر من 10 الى 15 عام من بدايه الخدمه في العمل الميداني والمتبقي من الخدمة للعمل المكتبي لان الفتره الاولى هي فترة الشباب والقوة  وتكون الاخطاء في الميدان اقل كلفه وضرر من الاخطاء في المكتب , فيعتبر الميدان محل اختبار وكسب المهاره والتعلم والنشاط ليتحول الى خبرات تُستثمر  فيما بعد في فترة العمل المكتبي.

2- التوظيف الانتقالي :وهو افضل حالات التوظيف لانه يتم عبرتشخيص واصطياد العنصر الذي عمل في الجيش او المؤسسات الامنية الاخرى بشكل دقيق ومعرفة كفائته وتقييماته السابقة ويتم نقله الى الجهاز الاستخباري , وهذه الحاله معتمدة في اغلب الاجهزة المحترفة .
3- التوظيف الانتقائي :ويتم بتكليف بعض الاساتذه في الجامعات بشكل خاص لتشخيص بعض الطلبة من اصحاب المواهب والمهارات والقابليات ويتم تدقيق موقفهم ومن ثم مفاتحتهم.
4- التوظيف العشوائي :وهو الاعلان من خلال شبكة التواصل والتلفزيون  ويكون التقديم متاحا للجميع.

هدهد سليمان

لو وضعنا هدهد سليمان في مقياس العمل الاستخباري  سنلاحظ ان الهدهد لم يكن مكلف بالواجب ولكن احساسه بالمسؤولية دفعه للمبادرة , كما لم يطل الانقطاع عن القائد وعاد سريعا اي انه تواصل مع القائد بسرعة وتثبَّتَ وتأكد من الموضوع اي احاط به وامتص غضب القائد ( احطت بما لم تحط به  وجئتك من سبا بنبا يقين) اي عدم اشغال القائد بالتفاصيل والكلام غير الدقيق واكمل واجبه وعاد لتقديم التقرير,  كما ارسل المعلومة بسرية, بلغة الطير بينه والقائد اي الكتمان والسريه , وكانت لديه القدرة على العودة الى الهدف وتنفيذ قرار الحاكم والوصف الرائع والدقيق وحسب حاجه القائد , ثم تقديم المقترحات في نهايه التقرير وهذا ما فعله الهدهد بالذكاء الكامل في التوصيف والتسلسل والتوصيات.
ان الكثير من المعاني والمعايير في قصة الهدهد ولو طبقت سنرى اننا  بلا استخبارات.

مابعد التوظيف

ان عناصر الاستخبارات في الدول الكبرى ليسوا ملائكة لكن , ميزة العمل الاستخباري لها خصوصية  عن  باقي الاجهزة .

في الاجهزه الامنية والجيش يتدرب عناصرها دوما لمنعهم من الاقتراب من العدو وقتل العدو في حال حاول ان يقترب ,اي ان العدو وحش يجب ان لا نقترب منه او نسمح له ان يقترب منا , ولكن عنصر الاستخبارات يتدرب لكي يتعلم كيف يذهب ويعيش مع العدو , اذن هو صاحب مهمة اخطر من الجيش فهو مع العدو لوحده ولا احد يسانده سوى عقله وتدريبه وذكائه.

لذايخضع رجل الاستخبارات طيلة فتره عمله الى رقابة في كل شيء , في العمل والاجازه والعائلة والاصدقاء والحسابات المصرفية واسلوب العيش وكل اتصالاته تخضع للمراقبة وهو يعلم بذالك , وعندما ينفك من العمل يذهب للتدريب والتعليم والدورات مستمره دوما حتى نهايه الخدمة .
بل ان بعض الاجهزه تزود عناصرها بساعات يدوية او سوار لكي تعرف اين هو دوماً كما ان جميع عجلاتهم مزوده بنظام جي بي اس وبيوتهم مثبتة وارقام هواتفهم .

تنوع القدرات

تتنوع قدرات الضابط الاستخباري وفق ابداعاته وامكاناته وبروزه , فالضابط الميداني في الاستخبارات قد يحتاج الى الارتجال والفطنه والشجاعة لانه يتعامل مع المخبر والمصدر والعدو بشكل مباشر, اما الضابط المكتبي فيحتاج الى التروي وشده الملاحظة والتحليل ودراسه الاخبار والمعلومات , فمثلا ضابط التحليل عليه ان يفهم ويحلل مواد خام من المعلومات , رغم انه لا يرى الحدث الا من خلال عين المصدر الذي وصف له مشاهداته.

كما ان الاستخبارات تتعامل بشكل كبير مع المخبرين والمصادر وقد يكون المصدر جاء للعمل مقابل المال او للتضليل , وهنا نفقد المعايير وتبقى الاهداف هي الاساس في كيفية  الافادة من مصدر هو في جانب العدو و لا تنطبق عليه معاييرنا كالوطنية والاخلاص .
هنا تصبح المعلومة هي الملاك والمعيار فمن ياتي بها فهو الافضل

ففي مجال التجنيد تعمل الاستخبارات وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة فالاستخبارات تقوم بالكثير من الاعمال غير المشروعة لتحقيق الاهداف وقد تستطيع الاستخبارات تجنيد ابن ابو بكر البغدادي وابوه اكبر مجرم عالمي حاليا اذا تحققت الفائدة من التجنيد.

معاييرنا

ان ما يحدث لدينا هو تعيين الاقارب والمتحزبين والمدللين بلا ضوابط ولا وطنية او استقامة او تدقيق السجل الجنائي.
ولو احصت الحكومة حالات التعيين في العراق خلال 13 عام لحصلنا على ارقام مخيفه في الرشوه والمحسوبية وعناصر الاحزاب و ذوي الجنسيتين والاختصاصات البعيده عن الاستخبارات والاميين و اصحاب السوابق او من عوائل ذات سوابق .ناهيك عن ترهل الاجهزه الاستخبارية , وهو امر يشمل كافة المستويات الاستخبارية وهو امر ادى الى نزف انهار من الدماء .
ان فشل الدولة في بناء اجهزه الاستخبارات من الناحيه البشرية وفشل انتاج قيادات استخبارية محترفة في كافة المجالات كان له الدور الاكبر في تغول التهديدات وانهيار الامن وانتشار الفساد والفاسدين.

فنحن نعيش فوضى دون موازين او معايير لاختيار الافراد من المستوى القيادي حتى المستوى الاخير , فنحن نمتلك الاموال ونمتلك الامكانيات والمعدات وتتوفر الكثير من الخدمات اللوجستية التي كانت مفقودة في عمل اجهزة النظام السابق, ولكن فقدان عنصر الكفاءة والتفريط بالكفاءآت السابقة (من غير الذين اجرموا بحق الشعب ), اضاع علينا ثروة وطنية من تراكم المهارة والخبرة واصبح من السهولة ان تلاحظ فقدان القدرة والكفاءة الفردية للعاملين مما ينتج جهاز غير كفوءٍ.

ومن هنا لابد من ان نشدد على ان العمل الاستخباري هو علم لاتنفع معه الوساطات وانما هي الكفاءة وحدها المعيار , والله الموفق

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى