اختر صفحة

ماذا يعني انهيار دولة الخلافة بالنسبة لداعش والمشروع الجهادي الأوسع

العرب اللندنية ـ بات تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل وكذلك الرقة على وشك الهزيمة، لكن مآلات الحرب ضد داعش في العراق وسوريا والتي تسير لفائدة قوات التحالف لا تعني اجتثاث هذا التنظيم أو القضاء على الإرهاب في المنطقة والعالم؛ فإلى جانب الصراعات الأخرى التي ستشهدها المنطقة بين مختلف الأطراف التي اجتمعت اليوم ضدّ داعش، يستعد الخبراء إلى تغيير جديد في خارطة التنظيمات الجهادية ستكون النقطة الأبرز فيها عودة تنظيم القاعدة إلى صدارة المشهد.

الموصل(العراق) – قبل ثلاث سنوات توجهت أنظار العالم نحو مسجد كبير في مدينة الموصل في شمال العراق، بداخله منبر يعتليه رجل ذو لحية، مرتديا عمامة سوداء ولباسا بذات اللون. ألقى خطبة الجمعة في المصلين وقدم نفسه على أنه أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، وأعلن عن “دولة الخلافة” ونصب نفسه “خليفة المسلمين”.

منذ ذلك التاريخ، دخلت الحرب في العراق في منحى جديد طال أيضا الحرب الدائرة في سوريا، وتطور الأمر ليصبح حربا دولية ضدّ إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تمكن في غضون سنوات قليلة من تحقيق ما لم يحققه تنظيم القاعدة في سنوات طويلة، وأعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط وغير خارطة الإرهاب واستراتيجياته في مختلف أنحاء العالم.

منذ إعلان “دولة الخلافة” سيطر التنظيم الذي كان في البداية اسمه الدولة الإسلامية في العراق والشام، ثم اختصره إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، على مناطق شاسعة من العراق وسوريا، وفي وقت لاحق، تمدد إلى ليبيا. لكن خلال السنتين الأخيرتين تعرض التنظيم، الذي أضحى “أغنى منظمة إرهابية في العالم”، لهزائم كبرى.

أفول نجم داعش

من الموصل كانت نقطة الانطلاق ومنها ستكون نقطة أفول نجم هذا التنظيم المتشدد الذي يفقد بالتوازي مع الحرب ضده في العراق مراكزه الأساسية في سوريا، وخصوصا في عاصمته الرقة، حيث تدور رحى حرب مصيرية، يقول خبراء إنها ستنتهي بتوجيه ضربة حاسمة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وستكون لنتائج معركة الرقة، إلى جانب ما حققته القوات العراقية في الموصل، انعكاسات هامة على خارطة التنظيمات الجهادية في العالم، وسط توقعات بأن تعود الصورة إلى أصلها، أي إلى تصدر التنظيم الأم، تنظيم القاعدة المشهد من جديد.

وسواء تأكدت الأنباء بشأن مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أم بقي مصيره مجهولا، يقول المراقبون إن التنظيم لن يعود قويا بعد أن فقد أرضه ومصادر تمويله وأيضا مقاتليه وشعبيته، لكنه في المقابل سيكون أكثر وحشية وسيركز في المستقبل على العمليات التي تقوم بها الذئاب المنفردة وخلاياه المنتشرة في العالم، ضمن حرب ستتخذ أبعادا مختلفة عما يدور الآن في الشرق الأوسط.

وترك البغدادي القتال في الموصل لقادة محليين ويعتقد أنه يختبئ في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا حسبما تفيد مصادر عسكرية أميركية وعراقية، فيما رجحت وزارة الدفاع الروسية أن يكون البغدادي باغتته ضربة جوية روسية استهدفت اجتماعا لقادة كبار في تنظيم الدولة الإسلامية في جنوب الرقة، في أواخر شهر مايو الماضي. ويقال إنه قتل بصحبة ثلاثين من قادة داعش من رتب متوسطة وثلاثمئة مقاتل.

لا شك في أن الأخبار القادمة من الموصل والتي تتحدث عن سقوط “دولة الخلافة” تجعل أغلب الناس يشعرون بنوع من الارتياح، لكن يغلب على هذا الارتياح القلق والتفكير في ما سيكون عليه الوضع في المرحلة القادمة.

ويقول الكاتب المتخصص في الجماعات الجهادية عدنان خان إن أغلب الخبراء يتفقون على أنه سيتم قتل البغدادي في أي لحظة، هذا إن لم يكن قد مات بعد، وكانت آخر مرة قدّم فيها بيانا للعموم في نوفمبر من العام الماضي عندما أطلق رسالة صوتية يدعو فيها مقاتليه إلى الصمود أمام تقدم الجيش العراقي في الموصل حتى في الوقت الذي تقهقر فيه هو إلى الصحراء. ويبقى السؤال هو الآتي: ماذا ستعني وفاة البغدادي وسقوط دولة الخلافة بالنسبة إلى داعش والمشروع الجهادي الأوسع؟

خرج تنظيم الدولة الإسلامية من رحم تنظيم القاعدة لكن الخلافات المرجعية والمطامع الاستراتيجية والاقتصادية والسبب الذي ظهر لأجله تنظيم داعش جعلتهما يتنافسان ويعلنان العداء ضد بعضهما.

وحسب بعض الخبراء، يعني انهيار دولة الخلافة ووفاة البغدادي دق المسمار الأخير في نعش داعش، لكن في الوقت ذاته من شأن ذلك أن يقوي القاعدة ومن المحتمل أن يصعّد من الأخطار التي يطرحها الإرهاب الدولي. وكانت التوقعات الاستراتيجية أشارت إلى أن اهتمام العالم يجب أن يتوجه إلى تنظيم القاعدة الذي تمكن من إعادة بناء قدراته بهدوء، ومن المتوقع أن يكون أكثر نشاطا وقوة.

في هذه الحالة، يكمن الشيطان في التفاصيل العملياتية، وفق عدنان خان الذي يفسر قراءته مشيرا إلى أنه عندما قُتل أسامة بن لادن في سنة 2011 لم تكن النتائج مدمرة بشكل كبير بالنسبة إلى تنظيم القاعدة. ويمكن تفسير ذلك بعدد من الأسباب الهيكلية واللوجستية، إذ كانت القاعدة قد قررت تحويل تنظيمها إلى اسم تجاري أعارته إلى فروع لها مقابل الالتزام بـ”قضيتها”، وبعدها يكون للأتباع الحرية في استخدام اسم القاعدة لجمع الأموال الخاصة بهم وجذب المجندين الجدد.

وفي أعقاب وفاة بن لادن عانت القاعدة من أزمة صغيرة في القيادة لكن لم تصل إلى درجة الاضطراب الكبير، وذلك يعود في جزء منه إلى أن بن لادن وضع تنظيمه قبل نفسه، أي الاسم التجاري قبل الشخصية.

وكانت هذه المنظومة ناجحة، فحتى بعد وفاة بن لادن بقي اسم القاعدة رمزا قويا في عالم الجهاديين، إذ أن طبيعة أهداف القاعدة كانت مهيأة لهذا النوع من الهيكلة غير واضحة المعالم. وبخلاف داعش ليست هناك “دولة خلافة” مركزية استنفدت الموارد وركزت اهتمامها على الحفاظ على الفضاء الجغرافي. كما لم تكن هناك ضرورة أيديولوجية لمبايعة الخليفة، فعندما سارت المجموعات في ركب القاعدة كانت تستثمر في غاية وليس في شخص.

اختار البغدادي مسارا مختلفا، وعن طريق تسمية نفسه “خليفة” تمكن من حشد منظرين دينيين يوافقونه الرأي حول فكرة محسوسة. وفي حين دعت القاعدة إلى الحذر ودخلت في لعبة طويلة المدى، وعد البغدادي بتحقيق حلم الجهاديين المتمثل في إنشاء “دولة الخلافة” في الوقت الحاضر، وكان التوسع الهائل لداعش خلال الأسابيع والأشهر الأولى بعد تأسيس “دولة الخلافة” في سوريا والعراق دليلا على قوة وعد البغدادي.

لكن قوة داعش هي في الوقت ذاته نقطة ضعفه. لقد طالب البغدادي بالبيعة لنفسه شخصيا، وكانت علة وجوده الخلافة، ذلك المشروع المشيد على الرمل، وهو الآن بصدد الانهيار. ودون وجود البغدادي في دفة القيادة سيخسر داعش الصفة الفريدة التي ميزته عن القاعدة، ودون أرض لـ”دولة الخلافة” يصبح داعش القاعدة لكن باسم مغاير.

وينقل عدنان خان عن كولين كلارك، مختص في العلوم السياسية في مؤسسة راند كوربورايشن في الولايات المتحدة ملاحظته أن “منزلة البغدادي كخليفة كانت مهمة لدفع التجنيد. من المستحيل التنبؤ بالضبط ماذا سيحدث في هذه الوضعيات”.

احتفالات سابقة لآونها

بعد ثمانية أشهر من حرب مدن طاحنة، تتوقع القوات العراقية أن تنتهي المعركة التي استمرت فترة طويلة خلال الأيام المقبلة بعد أن باتت فلول مقاتلي الدولة الإسلامية محاصرة في بضعة أحياء بالمدينة القديمة. وقال العميد يحيى رسول المتحدث باسم الجيش العراقي للتلفزيون الرسمي “سقطت دولة خرافتهم”.

لكن، كولين كلارك سبق وحذر من “الاحتفالات السابقة لأوانها”، إذ أن تنظيم الدولة الإسلامية لن يختفي بكل بساطة على إثر موت البغدادي أو سقوط “دولة الخلافة” في العراق وسوريا؛ كما أن علامته التجارية لديها بعض قوة الاستمرار و”ربما لم يكن مهما جدا من الناحية العملياتية فذلك الدور منوط بعهدة آخرين مثل أبي محمد العدناني”.

ويذكر أن العدناني قتل في ضربة جوية أميركية في أغسطس من السنة الماضية، ولم يساعد قتله في تعطيل زخم العمليات لدى داعش إذ تبنى التنظيم موجة من الهجمات.

ومع ذلك، يؤكد عدنان خان، وغيره من الخبراء، أن علامة داعش التجارية ستخبو وإن استمر في الانتقال إلى حركة تعتمد على الامتياز على طراز القاعدة، وهي عملية شرع فيها في السنة الماضية، فلن يخدم ذلك إلا القاعدة. ويحدس كلارك وآخرون غيره بأن أيمن الظواهري تعمد سحب القاعدة من عملياتها في البلدان الغربية ليترك الاهتمام منصبا على داعش بينما تتولى القاعدة تدعيم شرعيتها السياسية في سوريا.

لكن كلارك يحذر من أن أبا الإرهاب الحديث العابر للحدود لم يقطع روابطه مع الغرب بعد، ويخشى هو وغيره من أن يهيئ انهيار “دولة الخلافة” الساحة لحدوث تقارب بين داعش والقاعدة. ويبدو ذلك أمرا طبيعيا فمع نهاية “دولة الخلافة” وعبادة الشخصية التي دفعتها إلى الأمام ستكسب المقاربة المنهجية لدى القاعدة تجاه الجهاد المعركة. ويبدو أن صبرها أوتي أكله فبعد أن صعد داعش سقطت القاعدة، والآن مع سقوط داعش تبدو القاعدة مقبلة على الصعود من جديد. تلك هي لعبة الأخذ والرد بين أقوى التنظيمات الإرهابية في العالم.