Select Page

كتب، الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب، أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

هذا المركز تابع لوزارة الدفاع بالسعودية انطلق في 1/5/2017 عبر وسائل التواصل الاجتماعي شارحا أهدافه العالمية بلغات عدة هي الإنجليزية والفرنسية والعربية.
التغيرات الجوهرية لن تشهد النجاح ما لم تظهر من قلب العالم العربي وهي السعودية، خصوصا ونحن نشهد بين الحملة على الإرهاب والحملة على المؤسسة الدينية تحولت إلى أشتات فكرية تتوه معها القضية.
يرأس المركز وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان ويهدف إلى كشف الأخطاء والمزاعم والشبهات وأساليب الخداع التي يروج لها التطرف والإرهاب، وإيضاح المنهج الشرعي الصحيح في قضايا التطرف والإرهاب وتقديم مبادرات فكرية لكثير من الجهات داخل السعودية وخارجها إضافة إلى مبادرات فكرية للتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب وأيديولوجية التطرف.
لن يتوقف المركز عند هذا الحد بل يهدف ويسعى إلى الارتقاء بمستوى الوعي الصحيح للإسلام في الداخل الإسلامي وخارجه وتحقيق المزيد من التعرف على حقيقة الصورة الذهنية الإيجابية للإسلام عالميا وتحصين الشباب عالميا عبر برامج وقائية وعلاجية وتفكيك الوسائل التي يسعى الإرهاب من خلالها استقطاب عناصره وخصوصا فئة الشباب المتحمس أو ممن أسلم حديثا يعتقد أن الإسلام يأمره بذلك أو أن هذا هو الإسلام الصحيح.

دور المركز مسؤول عن بث منهج الوسطية والاعتدال وبث المفاهيم الصحيحة لكثير من القضايا والأحكام التي تدعم قضايا التطرف نتيجة الفهم الخاطئ أو المفهوم الاختزالي في جزئية من الدين في الحدود التي لديها شروط في التطبيق أو في الخلافة وهي ليست أصلا في الدين أساسا، أو تشويه تلك المفاهيم الصحيحة بتأويلات فاسدة خصوصا أن كل طرف يدعي أنه يتبع الوسطية، ولكن ما هي الوسطية الحقيقية وهذه مسؤولية المركز التي تعتمد على علماء لهم بحوث مستفيضة عن وسطية الإسلام.

مثل مفهوم الجزية الذي هو في الأصل مفهوم يجري تطبيقه في زمن الحروب أو بديلا عن المشاركة في واجبه الدفاعي، أو مفهوم يقابل الزكاة التي يدفعها المسلم، وهو مفهوم ضريبي يدفعها غير المسلم، لكن المتطرفون أساؤوا مفهوم الجزية وحاولوا تصديره إلى الغرب وغير المسلمين، وتهديدهم بمثل تلك المصطلحات التي أساؤوا فهمها.
وكذلك أساء المتطرفون مفهوم الجهاد الذي هو قتال للدفاع عن النفس وصد المعتدي ولا شئ آخر غير ذلك  مثل اعتقادهم أن الجهاد هو القتال من أجل نشر الدين الإسلامي وهو مناف للآيات القرآنية ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ( وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) أي أن بر غير المسلم غير المعتدي مثل بر الوالدين وهو تأويل قراني لم يفهمه المتطرفون وحتى بعض المثقفين من المسلمين الذين يتهمون الإسلام بتهم لا تختلف عن تهم الغربيين فيما أنصف كثير من المستشرقين الإسلام ما لم ينصفه كثير من المثقفين العرب.

وقد خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم صفية رضي الله عنها وقال يا صفية إن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك ولم يربط عتقها بزواجها بل أكرم مثواها، ولم يكرها على الإسلام بل خيرها البقاء على دينها وأن تلحق بقومها، لكن قالت صفية خيرتني بين الكفر والإسلام فالله ورسوله أحب إلى من العتق وأن أرجع إلى قومي، وعن أنس قال بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل لعيها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال ما يبكيك فقالت: قالت لي صفية أني بنت يهودي فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنك لأبنة نبي وأن عمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفخر عليك ثم قال اتقي الله يا حفصة) رواه الترمذي.

كما أن بزيجة الرسول صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث حيث تقول السيدة عائشة رضي الله عنها أعتق بتزويج جويرية من النبي أهل مائة بيت وهكذا حرر النبي قبيلة بأكملها بهذه الزيجة وقد اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب الحكيم لتحرير الأسرى بطريقة غير مباشرة أيضا مع أسرى هوازن وثقيف وكانوا ستة آلاف نسمة وكان هذا الفعل أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم والدعوة إلى الخير تحتاج إلى مثل هذه الأساليب البارعة لأن كثيرا من الناس يمقتون الوعظ المباشر والأمر أشد على الأنفس عندما تطالبهم بالتخلي عما يملكون بلا مقابل فعندما جاءه وفد هوازن وناشدوه إخلاء سبيل أسراهم قال لهم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وأرشدهم إلى أن يأتوا وقت الصلاة ويستشفعوا بالنبي إلى المسلمين ففعلوا فقام النبي وسأل الناس أن يخلوا سبيل السرى ولكل رجل لا تطيب نفسه بالتخلي عن أسيره ستة من الإبل من أية غنائم تأتي إلى النبي في أقرب وقت ممكن تعطى له مقابل كل نفس يطلق سراحها فقال المهاجرون ما كان لنا فهو لرسول الله وقال الأنصار ما قاله المهاجرون وهكذا حرر النبي كل الأسرى،

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم حينما ولدت ماريا القبطية ولده إبراهيم قال صلى الله عليه وسلم ( أعتقها ولدها ) وقال صلى الله عليه وسلم ( أيما أمة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات إلا أن يعتقها قبل موته ) أخرجه بن ماجة فأي خير أصاب الملايين من الجواري على مر العصور وكانت ماريا القبطية خيرا لكل أمة تلد لسيدها ولو سقطا غير مكتمل فأي بركة تسببت فيها سيدتنا ماريا للجواري، وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما ) بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن أم أيمن الحبشية بقية أهلي وتارة يقول أمي الثانية وهي حاضنته بعد وفاة أمه أعتقها بعد بلوغه، فكيف يدعي المتطرفون والمثقفون أن هذا الدين يدعوا إلى قتل اليهود والمسيحيين.

وهذا يدل على أن هذا الدين أتى لتحرير البشر وليس لاستعبادهم، وهذا الأسلوب لا يفقهه المتطرفون ولا المثقفون الذين يدعون أن هذا الدين هو الذي يشجع على التطرف والقتل وهم مثل المتطرفين الذين لم يفهموا حقيقة وسماحة هذا الدين، وأما قتال الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود فقد غدروا وخانوا العهود والمواثيق التي ينهى عن نقضها الإسلام مهما كانت الأسباب ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ).
وكذلك قتل المرتد الذي له تفسيرات متباينة وهي تتعارض مع كثير من الآيات القرآنية ( ليس عليك هداهم ) ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعا ) ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) آيات تؤكد على حرية المعتقد في الإسلام والمسلم لا يكون مسلما إذا لم يؤمن ببقية الكتب والرسل جميعهم الذين أرسلهم الله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ).

مفهوم الكفر في المصطلح اللغوي

كذلك مفهوم الكفر في المصطلح اللغوي لا يعني عدم دخول الجنة وإنما كل طرف يكفر بما يؤمن به الآخر، ودخول الجنة مختص بالله سبحانه وتعالي وليس بالبشر، وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه ) رواه مسلم، وتكفير غير المسلم ليس من حكمة الإسلام الذي يتألف الناس وإسماع غير المسلم كلمة كافر مقتض لتنفيره عن سماع الحق وعن قبوله إياه، وهو يتنافى مع قول الله سبحانه وتعالى ( وجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن ) وتتنافى مع قول الله سبحانه وتعالى ( وقولوا للناس حسنا )، بينما قتل المرتد اعتمادا على قول الله سبحانه وتعالى ( ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ولفظ الآية يمت ولم تقل يقتل المرتد وهناك فرق واضح بين المعنيين وكذلك في الآية الأخرى ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)، لكن هناك حديث من بدل دينه فاقتلوه وللحديث عدة روايات معظمها لعكرمة عن عبد الله بن عباس وهناك الكثير من الحجج التي تشكك في تلك الرواية خصوصا وأن كثير من الصحابة بأن عكرمة اتبع الخوارج في زمن الإمام علي رضي الله عنه حتى أن بعض الروايات تذكر أن عبد الله بن عمر كان يقول لنافع اتق الله يا نافع ويحك يا نافع لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس وهو كذلك من أحاديث الآحاد التي تنتهي بعكرمة وابن عباس وهناك من يدعي أن السند ضعيف، لكن الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الصيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) مثلما قاتل أبو بكر المرتدين الذين خرجوا على الدولة لزعزعة أمن الدولة.

التلاعب بالدين
كما ينهى الإسلام عن التلاعب بالدين دخولا وخروجا لأغراض مشبوهة تهدد النسيج الإيماني للمجتمع المسلم، وهناك كثير ممن ارتد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقتل أحدا من أصحابه وكذلك في عهد الصحابة ولم ينفذ الصحابة حد الردة بل تركوا في حالهم يذهبون أينما أرادوا، ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) فالآية لم تنص على قتلهم بعد ارتدادهم عن الإيمان ثلاث مرات، ولم يعط الإسلام لأحد قدسية تفوق قدسية الدين وعصمة الأنبياء ( للمزيد يمكن النظر في كتابي ذلك الدين القيم كتاب الكتروني مجاني ).

اهداف المركز

لذلك سيعمل المركز على تكوين فهم عميق ومؤصل لمشكلة التطرف من خلال أساليب وكوامن نزعاته وتحديد الفئات المستهدفة من قبل الجماعات المتطرفة، والتعاون الفعال مع كثير من المؤسسات والمراكز الفكرية والإعلامية من أجل رسم أساليب فاعلة لتعزيز قيم الاعتدال والتسامح والحوار والتفاهم في سياق الإيمان بحتمية التنوع والتعددية التي ينكرها الكثيرون، لكن هذا الطرح الجديد سيكون بعيدا عن الأطروحات النظرية المجردة النمطية، أي أن النظرة الجديدة يجب أن تتجاوز الأساليب النمطية والتي لا تتعارض مع ثوابت الدين الإسلامي.
من أهداف المركز أيضا إيضاح أن الخطاب الإسلامي يراعي تفاوت المفاهيم والثقافات والحضارات والتي من خلال تلك النظرة نشأت الحضارة الإسلامية وتلاقحت مع بقية الحضارات الأخرى وهو خطاب منسجم مع صياغات العصر.

كما يهدف المركز إلى إنشاء منصات علمية وفكرية وملتقيات عالمية وكراسي بحثية وأدوات استطلاع وتحليل والتركيز على الانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع عقد شراكات عالمية من أجل تنظيم مؤتمرات وندوات وحلقات للنقاش ولا سيما مع مراكز التأثير والاستشراف بغية تحقيق إيجابية التوسع والانتشار.
خصوصا وأن المركز يهدف إلى وصول مثل هذا الخطاب للفئات المستهدفة حتى لا تكون نقاشات مغلقة أو تقتصر على الفئات المثقفة والإعلامية مثل بقية المنتديات بل هدفه توجيه الرأي العام إضافة إلى إشراك المجتمعات لغرس وتعزيز هيمنة الرؤية المعتدلة حتى لو كان وصولها فيه شئ من التشويش على الأقل تكون قد وصلت وقابلة للمزيد من النقاش لدى مثل تلك الفئات المستهدفة وفي نفس الوقت تصحيح صورة الإسلام وتخفيف درجة الخوف من الإسلام السائدة في مناطق واسعة من العالم خصوصا في أوربا وأمريكا التي ساهمت في بزوغ النزعة الشعبوية المناهضة للإسلام والمهاجرين.
المركز بحكم عالميته له عدد من الأمناء من داخل السعودية وخارجها ويتنوع محتواه وخطابه ليشمل كافة الفئات المشمولة والمستهدفة برسائله، وسبق للمركز مشاركات عالمية إذ قدم مجموعة من المبادرات الفكرية وتواصل مع مراكز الفكر والتأثير حول العالم وشرع الكترونيا في بث رسائله المركزة لمحاربة الفكر المتطرف الذي يعتمده الإرهاب كقاعدة لتضليل مستهدفيه من جميع دول العالم حيث استطاع استقطاب عدد كبير من المغرر بهم من أكثر من مائة دولة بمن فيهم أشخاص نشأوا وتعلموا في دول غير إسلامية ولكنهم متأثرين برسائل التطرف التي وصلتهم الكترونيا خصوصا ما كان متركزا على إثارة العاطفة الدينية.

 

Dr_mahboob1@hotmail.com

الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب