المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية
انسحاب القوات الأمريكية من أوروبا… قراءة استراتيجية
يمثل قرار الولايات المتحدة سحب نحو 5,000 جندي من ألمانيا تطوراً يتجاوز كونه إجراءً تكتيكياً داخل منظومة الانتشار العسكري، ليعكس تحولات أعمق في بنية العلاقة بين واشنطن وأوروبا. لفهم هذا القرار، لا بد أولاً من إدراك الصورة الكاملة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، والذي لا يقوم على نمط واحد، بل يتوزع بين قوات دائمة، وقوات دورية أو مؤقتة، إضافة إلى شبكة واسعة من القواعد والمواقع المشتركة مع حلف الناتو.
إجمالاً، تنتشر في أوروبا نحو 68 ألف جندي أمريكي بشكل دائم، وترتفع الأرقام إلى ما بين 80 و100 ألف جندي عند احتساب القوات الدورية التي تم نشرها بعد تصاعد التوتر مع روسيا عقب حرب أوكرانيا عام 2022. هذا الانتشار الواسع لا يعكس مجرد حضور عسكري، بل بنية متكاملة للردع وإدارة العمليات تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
في قلب هذه المنظومة تأتي ألمانيا باعتبارها المركز الأهم، حيث يتمركز فيها نحو 36,400 جندي أمريكي، أي ما يقارب نصف القوات الدائمة في أوروبا. وتضم ألمانيا شبكة واسعة من القواعد الجوية والبرية ومراكز القيادة والمستشفيات العسكرية، ما يجعلها العمود الفقري للعمليات الأمريكية في القارة. يليها مباشرة وجود قوي في إيطاليا بنحو 12,600 جندي، ثم بريطانيا بين 10 و12 ألف جندي، بينما تنتشر قوات أصغر في إسبانيا وبولندا ورومانيا ودول البلطيق واليونان، مع تفاوت واضح في طبيعة المهام بين التمركز الدائم والوجود الدوراني. هذا التوزيع يكشف حقيقة مهمة: أكثر من 70% من القوات الأمريكية في أوروبا تتركز في ثلاث دول فقط هي ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، وهو ما يعكس نمطاً تاريخياً من الاعتماد على مراكز رئيسية لإدارة النفوذ العسكري والسياسي الأمريكي داخل الناتو.
على مستوى البنية التحتية، يمتد الوجود الأمريكي إلى ما بين 31 قاعدة دائمة و18 موقعاً إضافياً، مع تقديرات أخرى تشير إلى أكثر من 40 منشأة عسكرية متنوعة. ألمانيا وحدها تستحوذ على ما بين 20 و40 منشأة، تشمل قواعد جوية مثل رامشتاين، إلى جانب منشآت برية ومراكز طبية عسكرية. أما إيطاليا فتضم نحو 8 إلى 10 قواعد، في حين تمتلك بريطانيا ما بين 10 و15 قاعدة معظمها ذات طابع جوي واستخباراتي، مع قواعد أصغر في إسبانيا وبولندا ورومانيا، وقاعدة بحرية استراتيجية في اليونان (سودا باي)، إضافة إلى وجود محدود في دول الشمال. ومن حيث النوع، يمكن تقسيم هذه القواعد إلى ثلاث فئات: جوية للانتشار العالمي السريع، وبرية للتدريب والتمركز القتالي، وبحرية للتحكم في المتوسط والممرات الحيوية.
ضمن هذا السياق، تبرز السويد كعنصر جديد نسبياً في معادلة الأمن الأوروبي. فبعد انضمامها إلى حلف الناتو، أصبحت السويد جزءاً من البنية الدفاعية الغربية، مع توجه واضح نحو تعزيز قدراتها العسكرية في منطقة البلطيق والشمال الأوروبي. تمتلك السويد تقليدياً قوة عسكرية صغيرة نسبياً لكنها عالية الكفاءة، وقد رفعت إنفاقها الدفاعي إلى ما يقارب 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مع خطط لزيادة هذا الرقم تدريجياً إلى نحو 2.5% خلال السنوات القادمة، إضافة إلى توسعة سريعة في سلاح الجو والبحرية، خصوصاً في بحر البلطيق. وجود السويد داخل الناتو يضيف بعداً استراتيجياً مهماً، لأنه يعزز قدرة الحلف على مراقبة روسيا من الشمال، ويغلق عملياً فراغاً جغرافياً حساساً بين دول البلطيق وسكاندينافيا، ما يزيد من عمق الردع الأوروبي دون الاعتماد الكامل على القوات الأمريكية.
يأتي قرار سحب 5,000 جندي من ألمانيا كإشارة سياسية أكثر منه تغييراً كمياً في ميزان القوة. فالعدد محدود نسبياً، لكنه يمس العقدة المركزية في شبكة الانتشار الأمريكي داخل أوروبا، ويعيد طرح سؤال أعمق حول مستقبل الالتزام الأمريكي طويل الأمد بأمن القارة؟
لكن هذا القرار لا يمكن عزله عن تحول أوسع في البيئة الاستراتيجية الأوروبية ذاتها، حيث تشهد القارة أكبر موجة إعادة تسليح منذ نهاية الحرب الباردة. فقد رفعت ألمانيا ميزانيتها الدفاعية إلى أكثر من 85 مليار يورو سنوياً، وأنشأت صندوقاً خاصاً بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش. أما بولندا فقد تجاوز إنفاقها الدفاعي 4% من الناتج المحلي، لتصبح الأعلى داخل الناتو، بينما تحافظ بريطانيا على إنفاق يقارب 55 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وفرنسا على أكثر من 50 مليار يورو، مع خطة لرفعه إلى ما فوق 60 مليار بحلول 2030. في المقابل تقترب دول البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) من أو تتجاوز 3% من الناتج المحلي، وهي من أعلى النسب داخل الناتو. زادتا رومانيا وفنلندا (بعد انضمامها للناتو) الإنفاق إلى ما بين 2.2% و2.5% مع توسع في الدفاع الجوي والصاروخي.
إلى جانب الإنفاق، تتجه أوروبا نحو بناء استراتيجية عسكرية مستقلة نسبياً عبر: تعزيز “القوة الأوروبية السريعة الانتشار” داخل الاتحاد الأوروبي، وتطوير منظومات دفاع جوي وصاروخي مشتركة، وتقليل الاعتماد على الاستخبارات الأمريكية في بعض المسارح، وتوسيع التعاون الدفاعي الثنائي خارج إطار الناتو (خصوصاً فرنسا–ألمانيا–إيطاليا). في المقابل، يظل حلف الناتو الإطار المركزي، لكن وظيفته تتحول تدريجياً من قيادة أمريكية شبه مطلقة إلى شراكة أكثر توازنًا، خاصة مع تزايد النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول “الاستقلال الاستراتيجي”. أما على الجانب الروسي، ترى روسيا في هذه التحولات فرصة لاختبار تماسك الغرب، خاصة في الجبهة الشمالية والشرقية بعد توسع الناتو ليشمل السويد وفنلندا، ما يعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في بحر البلطيق.
في النهاية، فإن سحب جزء من القوات الأمريكية من ألمانيا لا يمثل تغييراً في موازين القوة بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار داخل النظام الغربي. فالولايات المتحدة تتحرك نحو إدارة أكثر مرونة لالتزاماتها، بينما تتحرك أوروبا، بما فيها السويد، نحو بناء قدرة دفاعية أكثر استقلالاً. وبين هذين المسارين، يتشكل نظام أمني جديد أكثر تعقيداً، لا يقوم على التبعية المطلقة ولا على الانفصال الكامل، بل على شراكة أقل استقراراً وأكثر تعددية في مراكز القرار.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117959
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
