Select Page

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات       

لماذا برشلونة؟

مرصد الآزهر ـ 21 أغسطس 2017 ـ برشلونة هي ثاني أكبر مدينة في إسبانيا بعد مدريد ومن بين العشر مدن الأول في مجال السياحة على مستوى العالم؛ مما يجعل منها أحد أهم مصادر الدخل القومي لإسبانيا، كما يحتوي إقليم قطلونية الإسباني الذي يضم مدينة برشلونة على أكبر تعدادٍ من المسلمين والذي يصل إلى بحوالي نصف مليون مسلم. هذا وينعم المسلمون هناك بقدر كبيرمن التعايش والاندماج مع بقية الديانات والثقافات المختلفة داخل المجتمع الإسباني الواحد.

كما أن لدى المسلمين اتحاد مستقل للجمعيات الإسلامية في الإقليم يقدمون من خلاله مطالباتهم الرسمية للحكومة وأيضاً ينظمون عدداً من الفعاليات الدينية والاجتماعية الإيجابية بما يكفل سير الحياة بصورة طبيعية، بيد أن المتطرفين شرعوا في التخطيط لعمليات خبيثة تهدف إلى شق الصف وتصدير صورة الرعب بين أبناء المجتمع الإسباني.

ولعل الازدهار السياحي لبرشلونة عالمياً وكذلك النسبة الأكبر لتواجد المسلمين بها دفع هؤلاء الإرهابين إلى أن يتخذوا منها هدفاًلتنفيذ هجومهم الدنيئ لتحقيق أكبر قدر من الخسائر لإسبانيا مادياً ومعنوياً.

في الوقت ذاته فإن انتشار التطرف في إقليم قطلونية يتم بصورة متسارعة أكثر من غيره في أماكن أخرى في إسبانيا، وربما يعود ذلك إلى وجود مجموعات ممن تؤيد هذا الفكر، وذلك حسبما أورد التقرير السنوي للأمن القومي لعام 2016 والذي تعده الحكومة الإسبانية.

جاء حادث الدهس هذا في برشلونة، والذي خلّف 14 قتيلاً وأكثر من مائة جريح من بينهم حوالي 15 مصاباً في حالة حرجة، ليبين آثار هذا التطرف؛ مستدعياً ضرورة مكافحته بصورة أكبر على المستويين الفكري والأمني.

وقد أفاد تقريرٌ صادر عن معهد إلكانو المتخصص في شئون التطرف والإرهاب للفترة ما بين عامي 2013 و2016  أن الشرطة الإسبانية قد اعتقلت حوالي 113 متطرفًا جهاديًا على علاقة بتنظيم داعش الإرهابي، 27 % منهم كانوا في مدينة برشلونة.

ولنا أن نتذكر ما صرّح به أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أليكانتى، “إجناثيو ألباريث أوسوريو” Ignacio ÁlvarezOssorio، أن أحد الاجتماعات التحضيرية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001 في نيويورك قد تم في قطلونية، وبعد هذه الأحداث وقع هجوم مدريد عام 2004 والذي خلّف 192 ضحية وأنه قد فرّ منفذوا هذه الهجمة إلى بلدة “سانتا كولوما دي جرامانيت”Santa Coloma de Gramanetعلى مشارف برشلونة أيضاً وكأنها دائماً طرف في الصراع مع المتطرفين وإحدى البؤر الرئيسية للإرهاب في أوروبا.

واستمرارًا لهذه الأحداث فقد تمكنت قوات الأمن من إحباط مخطط إرهابي عام 2008 كان يستهدف الهجوم على مترو برشلونة، وألقت القبض على 10 أشخاص متطرفين كانوا على علاقة بتنظيم طالبان في باكستان. كما أفاد أحد المتخصصين في الشأن الإرهابي أن برشلونة كانت مركزاً للتطرف وللسلفيين المتشددين منذ عدة أعوام سابقة، علاوة على تنفيذ الشرطة الإسبانية حوالي30 مداهمة أمنية في برشلونة وحدها ضد عدد من المتطرفين منذ عام 2012.

وربما أحد الأسباب لتحول برشلونة إلى بؤرة إرهابية يعود إلى تأثير قُربها من فرنسا، حيث يوجد مجموعة من المتطرفين على علاقة وطيدة بتنظيم داعش والقاعدة والذين تحولوا بعد ذلك إلى مقاتلين، كما أن هؤلاء يعرضون على مقاتلين آخرين من مختلف البلدان أن يتخذوا من برشلونة ملجأ لهم كجسر ممتد من إسبانيا إلى سوريا والعراق.

هذا وقد كنا قد أوردنا في تقرير سابق أن السمات الشخصية للمعتقلين المنضمين لداعش في إسبانيا تتلخص في أن 44.6% منهم كانوا مدانين في جرائم أخرى مثل السرقة وغيرها، ومعظمهم لديه معرفة سطحية عن الإسلام، وأن 60% منهم يحملون الجنسية الإسبانية، و40% فقط يقيمون في إسبانيا، وأن نسبة عالية منهم يحملون الجنسية الإسبانية من الجيل الثاني من المهاجرين.

ومن أبرز أسباب استهداف برشلونة، وتحديداً في هذه المنطقة السياحية، ضرب قطاع السياحة أحد أهم مصادر الدخل للإقليم ولإسبانيا ككل وهو كذلك استهداف لعدة دول مختلفة في آن واحد من خلال مواطنيها السائحين المتواجدين في هذه المنطقة والذين بلغت أعداد جنسياتهم حوالي 34 جنسية من مختلف دول العالم.

وقد أعربت مجموعة من شركات السياحة والطيران والفنادق أن هذا الحادث يستهدف المجتمع المدني الغربي لاستهدافه منطقة سياحية تحوي هذا العدد من الجنسيات كما ذكرنا، في الوقت ذاته ورغم تبعات الحادث الكارثي على مختلف القطاعات والأجواء العامة في برشلونة إلا أنه لم يؤد إلى تغيير في البرامج السياحية أو إلغاء حجوزات فندقية أو تذاكر طيران وذلك وفقا لما ذكر وزير الثقافة في قطلونية، كما أكد أن الأمور تسير رغم الأحداث بصورة طبيعية.

من جانبه تحدث نائب الرئيس التنفيذي للتحالف السياحي “خوسيه لويس زوريدا”، عن أن تقييم تأثير الحادث وأضراره غير واضح بعد، كما أكد أن الأوضاع الأمنية في إسبانيا والإجراءات المشددة المتَخذة تجعل منها دولة مختلفة تحمل ثقة الزائرين؛ نظراً لتقدمها في المجال الأمني والمعلوماتي. علاوةً على ذلك، أكد الاتحاد الإسباني للفنادق السياحية والإقامة أن إسبانيا تعتبر نموذجا للتعايش السلمي والاندماج المجتمعي، حيث أنها تستوعب المعتقدات والعادات المختلفة كبلد متفتح وأن هذا الهجوم يزيد الثقة في قوات الأمن وللإقليم في تصديهم للإرهاب وقدرتهم على دحره.

الحادث كان مخطط له ومحدد اليوم والساعة والمكان، ولم يكن الأمر ذلك فحسب، بل كان يُراد تنفيذ عدة هجمات وليست هجمة واحدة لإحداث خسائر كارثية لولا تدخل قوات الشرطة وتعاملها السريع مع الأحداث.

ويؤكد مرصد الأزهر على دوره ودور جميع المؤسسات المعنية على ضرورة زيادة الوعي المجتمعي في التنبه لخطورة التطرف وتطوره الاستراتيجي، الـأمر الذي حذّر منه مرصد الأزهر قبل ذلك في مناسبات عديدة، حيث أصبح تنظيم داعش يعتمد بصورة أساسية على الذئاب المنفردة في تنفيذ هجماته وكذلك استخدام داعش طريقة الدهس في قتله للأبرياء -خاصةً بعد سقوطه في الموصل وما لحق صفوفه من خسائر مادية ومعنوية- كأداة جديدة نظراً لأنها غير مكلفة ولا تستلزم مجموعات كبيرة في التنفيذ وكذلك لا تتطلب تقنيات أو تكنولوجيا عالية وكذلك السيطرة على هذا النوع في الوقت الراهن من جانب قوات الأمن أو توقع حدوثه.

ويأمل المرصد أن لا يؤثر هذا الحادث على تعايش المسلمين وتعاملاتهم اليومية مع بقية الإسبان وأن لا يؤثر كذلك على تمكن المسلمين من الحصول على كافة حقوقهم الطبيعية كمواطنين إسبان دون أي تضييق أو تمييز، كما ينبغي على مسلمي إسبانيا أن يستوعبوا حالة الغضب الشعبي هناك وأن يظهروا سماحة الإسلام وقيمه الحقيقية من خلال فعالياتهم وكذلك من خلال أفعالهم ومساهماتهم الإيجابية بما يخدم المجتمع الإسباني أجمع.