اختر صفحة

اعداد : شبل الهاشمي، باحث في شؤون التطرف ومكافحة الارهاب
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

الجزء الاول

مازال تنظيم داعش، يضع الغرب نصب اهتمامه، ويصعد من عملياته الانتحارية هناك، محاولة منه لتخفيف الضغوطات عن معاقله، وتعتبر الدعاية المتطرفة، ذراع تنظيم داعش التي لاتقل عن  المواجهات على الارض. وفي هذا السياق يخاطب المتحدث السابق للتنظيم ، العدناني، انصاره قائلا:[نخص جنود الخلافة في أوروبا وأمريكا ، هناك من يتحرج باستهداف المدنيين ويعرض عنهم لشكه بالجواز والمشروعية فاعلموا أن في عقر دار الصليبيين لا عصمة للدماء ولا وجود لما يسمى بالأبرياء، والأدلة كثيرة] (هكذا خاطب (ابو محمد العدناني) المتحدث باسم تنظيم داعش في خطبته (ويحيي من حي عن بينة)  (آية في سورة الأنفال) مناصري التنظيم في أوروبا قبل مقتله داعياً إياهم استهداف أي شيء في الدول الغربية (ولو كان “حجراً يلقيه على الصليبيين في عقر دارهم) والتي يبدوا لمن لم يقراء ما بين سطور العمليات الارهابية  التي جرت في فرنسا وبلجيكا والمانيا وغيرها ان تلك المجاميع قد نفذت عملياتها دون تخطيط مسبق معتمدا في رؤيته تلك على ردات الفعل العفوية الناجمة عن اثارة مشاعر من امن بالفكر الداعشي من مسلمي اوربا مرجحين في ذلك نظرية (الذئاب المنفردة) والتي يمكن ان تصح في الجزء اليسير مما حصل من عمليات اعتداء خارج اراضي ما يسمى بدولة الخلافة الا ان حقيقية ما يجري على ارض الواقع يخالف ما يظهر في وسائل الاعلام ولعدة اسباب منها :
1. ان الكتائب الخاصة التي ظهرت في عدد من الاصدارات المرئية (جيش الخلافة وجيش دابق وجيش العسرة وكتائب الشيشانيين والاكتيبة الاوزبكية وغيرها) والتي عمل على تنظيمها عدد من الامراء العسكريين (ابو عبد الرحمن البيلاوي لم نرى لها ظهوراً وتاثيراً على ارض المعركة سوى في معارك استعادة السيطرة على مصفى بيجي او التعرضات التي تحدث بين فترة واخرى ضمن جزيرة الانبار مما يشير الى ان تلك القوات قد اعتمدت تكتيكا حربيا يقوم على الانسحاب التدريجي من المناطق التي سيطرت عليها التنظيم وبالشكل الذي يجنب تلك الكتائب الخسائر على نطاق واسع وقد ظهر ذلك جليا في اخر عمليتين نفذها التنظيم مؤخرا في كركوك عندما احتل نصف احياء المحافظة وبوقت قصير اضافة الى اختراقه لكل القوات المتواجدة في قضاء الرطبة الحدودي ووصوله الى قلب المنطقة المحصنة فيه .

2. اغلب الاجهزة الاستخبارية تعلم علم اليقين ان مقاتلي تلك الكتائب هم من الاجانب الذين عمل التنظيم وخلال ثلاث سنوات على تدريبهم تدريبا عسكريا وامنيا مكثفا كان له الاثر بصورة مباشرة او غير مباشرة في زعزعة الاستقرار الامني في القارة العجوز حيث  تشير اغلب التقارير الاستخبارية ان اغلب هؤلاء المقاتلين قد شارك اما في الاعداد لتلك العمليات الارهابية او كان له دورا في تنفيذها كما يشار الى ان اغلبهم قد عمل ضمن تلك المجاميع ليعودوا فيما بعد الى بلدانهم محملين بما تعلموه من فنون القتال والتخطيط الحربي والعمليات الخاصة وهذا واضح في عملية الاعداد والتخطيط بل وحتى التجهيز الفني لعمليات ( شارلي ايبدو) في فرنسا و (مطار بروكسل) في بلجيكا .

3. الصراع على زعامة التيار السلفي الجهادي بين داعش والقاعدة والذي ظهر على السطح بعد بداية الثورة السورية الا ان  خطوط الاختلاف والتباين لم تقف عند حدود المشهد السوري، إذ بدأت عرى التيارات والتنظيمات التي تنتمي إلى التيار السلفي الجهادي تتفسّخ وتنقسم ما بين مؤيد للظواهري ومعه النصرة أو موالٍ للبغدادي وتنظيم الدولة، وظهر ذلك الاستقطاب جليّا في انقسام أبناء هذا التيار في كلّ من الأردن والمغرب العربي.

فقد وقف كلّ من أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني ومعهم مفاتيح التيار في الأردن مع النصرة بينما وقف تيار آخر مع تنظيم الدولة، وانقسم المهاجرون من الأردن إلى سوريا بين التنظيمين، فيما أعلن حسن الكتاني، أحد أبرز القيادات الجهادية في المغرب، وقوفه إلى جانب النصرة في مقابل داعش (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تلك التحولات والتطورات المتسارعة على أرض الواقع من الضروري أن تطرح أسئلة جوهرية عن المعالم الأساسية للخلاف بين الطرفين؟ وفيما إذا كان طارئا فعلا مع المشهد السوري أم أنّ هذا الصراع على النفوذ سيلقي بظلاله خارج الاراضي التي يتنازع عليها التنظيمين في العراق وسوريا وما هي النتائج والسيناريوهات المتوقعة والمترتبة على ما يحدث اليوم لا بد لنا من معرفة
ملامح عمل التنظيم في تشكيل امارته المزعومة وكيف عمل وسيعمل على اخضاع مجتمعات كاملة لسلطته وما هي المراحل التي ستمر بها دورة حياة التنظيم والاستراتيجية التي سيتبعها هذا ما سنستعرضه وكما يلي :

 

المرحلة الاولى (جمع المعلومات)

تجمع اغلب التقارير الاستخبارية دولية الى ان تنظيم داعش استطاع وخلال السنوات الماضية ان يشكل هيئة استخبارية متخصصة للقيام بعمليات خاصة خارج الاراضي التي تقع تحت سيطرته اشرف على تاسيسها عدد من ضباط جهاز المخابرات العراقي المنحل فهم يرون ان هؤلاء العناصر هم ادرى من غيرهم بشعاب اوربا والبلدان التي حضروا منها وهذا ما سبق وان اشرت اليه في مقالة سابقة نشرت على موقع المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب بعنوان(“#الجهاديون” العائدون الى اوطانهم #والتشظي #الفكري) تناولت فيها وبشكل مقتضب فرضيتان عما سيؤول اليه الحال لهذا العدد الكبير من المقاتلين الاجانب بعد انتهاء العمليات الحربية في العراق وسوريا وعودتهم الى اوطانهم وبهذا فان داعش يكاد ينفرد من بين مجمل التنظيمات السلفية الجهادية في استباق مراحل العمل الجهادي او ما يسمى بالشوكات الجهادية  بابتكار مرحلة (جمع المعلومات) ويعود ذلك الى عدة اسباب منها :

 

1. الخبرة المتراكمة التي اكتسبها التنظيم في العمل الجهادي طوال سنين عمله في العراق وسوريا وتشكيله لهيئات متخصصة في الامن والمعلومات (وزارة الامن) ايام (ابو عمر البغدادي) وصولاً الى (ديوان الامن) في عهد (ابو بكر البغدادي).
2. اتساع رقعة المناطق التي سيطر عليها التنظيم وازدياد اعداد العناصر المنظمة للعمل الجهادي من مختلف الدول.
3. الصراع العقائدي بين مختلف الفصائل الاسلامية المسلحة في سوريا والعراق وافغانستان وما يتبعه من تحول فكري في النهج والتوجه .
4. التطور التقني والفني وازدياد وتيرة التحدي الامني وتشعبه وانعكاسه على ازدياد حالات الخرق الامني بين صفوف التنظيم في استهداف القايادات العليا للتنظيم  .

التاصيل الشرعي لعملية جمع المعلومات واهميته في العمل الجهادي

 

ذهب اغلب منظري داعش الى تبويب وتاطير العمل الامني ضمن اسانيد شرعية مستندين في ذلك على نصوص الايات القرانية والاحاديث النبوية التي وردت ضمن تفاسير وشروحات فقهاء السلفية الجهادية ومنهم ابن تيمية وابن القيم الجوزية ومن تلك الاسانيد :

 

1. ما ورد في سورة العنكبوت(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ( .
2. (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيـه ولا تيأسوا من روح)
3. (يا أيها الذين امنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً(

الا ان السوال الاهم يبقى كيف سيعمل هؤلاء على نشر افكارهم المتطرفة ضمن مجتمع تسوده مبادى الديمقراطية الغربية وتحكمه قوانين وانظمة تحميها اجهزة امنية واستخبارية قوية تمتلك من المعلومات والخبرات بما يمكنها من القضاء على اي تنظيم سري وهنا لابد لنا للاجابة ان نعودة مرة اخرى الى سوريا ونظامها المخابراتي القوي والذي لم يكن احد يتوقع له ما وصل به الحال في الوقت الحاضر في ظل الحروب الدائرة في سوريا وسيطرة الجماعات الراديكالية على مساحات واسعة منه ، حيث تشير اغلب وثائق التنظيم التي عثر عليها في عدد من المناطق المحررة والتي غالبا ما كانت تحمل في طياتها مراسلات بين القيادة المركزية للتنظيم و عدد من الامراء الامنيين ان قادة تنظيم بدءوا منذ عام 2008 بوضع استراتيجية تمكنهم من التمدد خارج الحدود العراقية من خلال ارسال عدد من القادة الامنيين ممن يتمتعون بالخبرة الامنية للقيام بمهام جمع المعلومات عن :

1. دراسة طبيعة المجتمعات السائدة ونقاط الضعف والقوة في التجمع البشري.
2. الموارد البشرية والخبرات التقنية التي يتمتع بها افراد تلك التجمعات والطريقة التي تمكنهم من الاستفادة منها.
3. مصادر الطاقة والمياه والغذاء واماكن توزيعها.

4. دراسة الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي و الخلافات الفكرية والعقائدية لسكان تلك المناطق لوضع الخطط الكفيلة بالانتقال بهم الى المرحلة الثانية مع الاخذ بعين الاعتبار خصوصية كل دولة وهذا ما حصل بالفعل في سوريا و ليبيا و افغانستان وشبه جزيرة سيناء ، وفي الاغلب هذه هي المرحلة الاولى في عمل التنظيم التي تسبق مراحل كتب فيها وتناولها في التحليل الكثير من الكتاب والمفكرين الا انهم لم يشيروا الى المرحلة التي تسبق النكاية والانهاك وادارة التوحش للوصول الى المرحلة الاخيرة في التمكين والتي سنستعرضها تباعاً .