خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين الشعبوي في ألمانيا ـ مساعي لتعزيز العلاقات مع الصين!
في خطوة لافتة تعكس مساعي حزب البديل من أجل ألمانيا لتوسيع حضوره الخارجي، يعتزم الرئيس المشارك للحزب، تينو تشوروبالا، القيام تعزيز العلاقات مع الصين عبر لقاء مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى وممثلين عن قطاع الأعمال، إلى جانب المشاركة في أنشطة ثقافية صينية. يأتي هذه التقارب في توقيت حساس داخليًا وخارجيًا، إذ يسعى الحزب اليميني الشعبوي إلى تقديم نفسه كقوة سياسية تمتلك شبكة علاقات دولية قادرة على تجاوز العزلة التي يواجهها داخل المشهد السياسي الألماني والأوروبي.
تعزيز صورة الحزب في مجال السياسة الخارجية
يرى مراقبون أن تحرك تشوروبالا نحو بكين لا يمكن فصله عن استراتيجية حزب البديل الرامية إلى كسر الطوق السياسي المفروض عليه، خاصة مع تصاعد الدعوات داخل ألمانيا لمراقبة الحزب أمنيًا أو حتى حظره. فبناء قنوات اتصال مع قوى دولية كبرى يمنح الحزب فرصة لإظهار نفسه لاعبًا سياسيًا ذا امتداد عالمي، وليس مجرد ظاهرة احتجاجية محلية. وفي هذا السياق، يؤكد عالم الاجتماع والخبير في شؤون التطرف اليميني، فيليكس شيلك، أن الرحلة تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز صورة الحزب في مجال السياسة الخارجية، وإظهار قدرته على التواصل مع قوى مؤثرة في النظام الدولي.
يضيف شيلك أن نجاح الأحزاب اليمينية لا يعتمد فقط على الخطاب الشعبوي أو الحشد الانتخابي، بل على قدرتها على إقناع جمهورها بأنها تمتلك نفوذًا حقيقيًا. فإظهار العلاقات مع قوى كبرى مثل الصين يرسل رسالة رمزية إلى القاعدة الانتخابية مفادها أن الحزب ليس معزولًا، بل قادر على نسج علاقات مع قوى صاعدة تمتلك وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا. ومن هذا المنطلق، تمثل الصين خيارًا مثاليًا، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد عالميًا وقوة تتحدى النفوذ الغربي التقليدي.
ما هي أسباب الزيارة؟
رغم أهمية زيارة تشوروبالا إلى الصين، يلفت الانتباه غياب أي عضو من فريق السياسة الخارجية في الحزب عن الوفد المرافق لتشوروبالا، ما يثير تساؤلات حول الطابع الحقيقي للرحلة. فهل هي خطوة مدروسة ضمن استراتيجية مؤسساتية واضحة، أم مبادرة شخصية تهدف إلى تعزيز موقع تشوروبالا داخل الحزب؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل وجود شخصيات بارزة داخل الحزب تمتلك خبرة أوسع في الشأن الصيني، وعلى رأسها أليس وايدل، الرئيسة المشاركة للحزب.
مسار أطلسي نحو واشنطن، ومسار شرقي نحو بكين
سبق لمجموعة العمل المعنية بالسياسة الخارجية داخل حزب البديل أن ركزت على بناء علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، لا سيما مع التيار الجمهوري المرتبط بحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”. وقد قام رئيس المجموعة، ماركوس فرونماير، بعدة زيارات إلى واشنطن، كما التقت بياتريكس فون ستورش بممثلين عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. ويشير ذلك إلى وجود مسارين متوازيين داخل الحزب: مسار أطلسي يميل إلى واشنطن، ومسار شرقي يتجه نحو بكين.
يفسر بعض الخبراء هذا التعدد في المسارات باعتباره انعكاسًا لصراع داخلي غير معلن حول هوية الحزب المستقبلية وشبكة تحالفاته الدولية. فبينما يرى جناح أن التقارب مع الولايات المتحدة يضمن دعمًا سياسيًا وإعلاميًا مؤثرًا، يعتقد جناح آخر أن الصين تمثل شريكًا أكثر فائدة في حال تصاعد التوتر بين الحزب والمؤسسات الألمانية والأوروبية. ومع ذلك، يحذر شيلك من المبالغة في تقدير استعداد بكين لدعم حزب مثل البديل، مؤكدًا أن الصين تفضل بناء علاقات طويلة الأمد مع الأحزاب القومية عمومًا، دون الانخراط في صراعات داخلية قد تضر بمصالحها الاقتصادية والدبلوماسية.
التقارب الصيني مع حزب البديل، أبعاد استراتيجية بعيدة المدى
تزداد حساسية هذه التحركات في ضوء تحذيرات المكتب الاتحادي لحماية الدستور، الذي أشار في تقريره لعام 2024 إلى محاولات صينية للتواصل مع برلمانيين حاليين وسابقين بهدف كسبهم كجماعات ضغط تخدم المصالح الصينية داخل ألمانيا. وفي هذا السياق، قد تُقرأ زيارة تشوروبالا كحلقة جديدة في هذا النوع من التواصل الذي يبدو ظاهريًا غير سياسي، لكنه يحمل أبعادًا استراتيجية بعيدة المدى. من زاوية أخرى، يربط بعض المراقبين زيارة تشوروبالا بإشارات داخلية موجهة إلى القاعدة الانتخابية في شرق ألمانيا، حيث تنتشر مشاعر العداء للولايات المتحدة والشك في النظام الغربي الليبرالي. فإظهار الانفتاح على الصين يمنح الحزب فرصة لتقديم نفسه كبديل جيوسياسي، لا يكتفي بانتقاد الغرب بل يسعى إلى بناء شراكات مع قوى منافسة له.
لا يمكن تجاهل البعد الشخصي في هذه المعادلة. فقد تُفسَّر زيارة تشوروبالا كمحاولة للنأي بنفسه عن أليس وايدل، التي تُعد الخبيرة الأبرز في الحزب في الشؤون الصينية. فوايدل تتحدث الماندرينية وتملك خبرة مصرفية سابقة في شنغهاي وهونغ كونغ، وقد قادت بالفعل وفدًا برلمانيًا للحزب إلى الصين في عام 2023. ومن ثم، قد يسعى تشوروبالا إلى إثبات حضوره المستقل في هذا الملف، وتعزيز مكانته القيادية داخل الحزب في مواجهة شريكته في الرئاسة.
تكشف زيارة تشوروبالا المرتقبة إلى بكين عن تداخل معقد بين الطموحات الشخصية والصراعات الداخلية والاستراتيجيات الجيوسياسية لحزب البديل من أجل ألمانيا. فهي ليست مجرد رحلة دبلوماسية، بل خطوة تحمل رسائل متعددة الاتجاهات إلى القاعدة الانتخابية، وإلى الخصوم السياسيين، وإلى القوى الدولية التي يطمح الحزب إلى استقطابها. وبينما يبقى نجاح هذه الخطوة مرهونًا بردود الفعل الألمانية والصينية، فإنها تؤكد أن اليمين المتطرف في ألمانيا لم يعد يكتفي بخوض معاركه داخل الحدود الوطنية، بل يسعى إلى توسيع ساحته نحو الشرق، حيث تتقاطع المصالح والطموحات والتنافس على النفوذ في عالم سريع التحول.
النتائج
يعكس تقارب حزب البديل إلى الصين تحولًا لافتًا في طريقة تموضع الحزب داخل البيئة السياسية الدولية، بما يشير إلى مرحلة جديدة يسعى فيها الحزب إلى كسر العزلة التي تحيط به داخليًا عبر توسيع شبكة علاقاته الخارجية. وعلى المدى القريب، من المرجح أن توظف قيادة الحزب هذه الزيارة كأداة دعائية لإظهار قدرتها على الوصول إلى قوى كبرى، في محاولة لتعزيز ثقة القاعدة الانتخابية وإرسال رسالة تحدٍ إلى الأحزاب التقليدية والمؤسسات الألمانية.
من المحتمل أن يشهدالمدى القريب تصاعدًا في الجدل السياسي والأمني حول طبيعة هذه العلاقات، خاصة في ظل تحذيرات أجهزة حماية الدستور من محاولات التأثير الصيني داخل المشهد البرلماني. وقد يدفع ذلك الحكومة الألمانية إلى تشديد الرقابة على الاتصالات الخارجية لقيادات الحزب، ما يزيد من حدة الصراع بين الحزب ومؤسسات الدولة، ويمنحه في الوقت ذاته مادة جديدة لتغذية خطاب.
من المتوقع أن تعمّق هذه التحركات التنافس داخل قيادة الحزب بين تشوروبالا وأليس وايدل، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت حضوره في ملف العلاقات الخارجية. وإذا لم تُدار هذه المنافسة بحذر، فقد تتحول إلى انقسام في الرؤية الاستراتيجية للحزب بين محور أمريكي وآخر صيني، بما يضعف تماسكه التنظيمي على المدى البعيد.
تقديم الصين دعمًا سياسيًا مباشرًا للحزب يعتبر أمرًا مستبعدًا، لكنها قد تستمر في سياسة “الانفتاح المحسوب” على القوى الشعبوية الأوروبية لتعزيز نفوذها الناعم. وفي المحصلة، ستبقى قدرة حزب البديل على تحويل هذه العلاقات إلى مكاسب فعلية مرهونة بتوازن دقيق بين الطموح الخارجي والضغوط الداخلية، وبين السعي للنفوذ وخطر العزلة المتزايدة داخل النظام الديمقراطي الألماني.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113446
