خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف في ألمانيا ـ هل تصبح المنصات المشفرة ملاذًا للجماعات المتطرفة؟
يحذر مسؤولو أمن الدولة في ألمانيا من تصاعد خطر تطرف الشباب عبر الإنترنت، مؤكدين أن منصات التواصل المشفرة، وعلى رأسها تطبيق “تيليغرام”، باتت بيئة خصبة لتجنيد المراهقين ونشر الفكر المتطرف. وتُعد مجموعات الدردشة والقنوات التي تمجد الإرهابيين اليمينيين المتطرفين من أخطر أدوات هذا التوجه، حيث تتيح فضاءً مغلقًا لتبادل الدعاية العنصرية، وترويج نظريات المؤامرة، وبناء شبكات تواصل عابرة للحدود. ويشير خبراء الأمن إلى أن المنخرطين في هذه البيئات الرقمية يزدادون صغرًا في السن وأكثر استعدادًا للعنف، في ظل غياب الرقابة الأسرية وضعف الوعي بمخاطر المحتوى المتطرف.
تكشف دراسة حديثة أن مئات الشباب الألمان يتواصلون عبر ما يُعرف بـ”مشهد تيرورغرام”، وهو شبكة فضفاضة من مجموعات وقنوات رقمية تروج لأيديولوجيات النازية الجديدة وتبني سرديات تمجد الهجمات الإرهابية وتحتفي بمرتكبيها. وفي هذا السياق، أعلنت إدارة الشرطة الجنائية في ولاية بادن-فورتمبيرغ، بالتعاون مع مكاتب الادعاء العام في شتوتغارت وميونيخ، نتائج تحقيقات شملت أكثر من ثلاثين قضية، بعضها يمتد إلى ولايات ألمانية أخرى. وأكدت السلطات أن هذا المشهد يمثل “بيئة شبابية تميل إلى العنف وتنتمي إلى التطرف اليميني والنازية الجديدة”.
تشير التقارير الأمنية إلى أن البنية الإلكترونية التي تمجد العنف شهدت نموًا متسارعًا خلال السنوات الماضية، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى الرقمي وصعوبة تتبع القنوات المغلقة. ويثير هذا التطور قلقًا متزايدًا لدى الأجهزة الأمنية وصانعي القرار، في ظل مخاوف من تحول التطرف الرقمي إلى تهديد ميداني مباشر.
ما هي أهداف هذه الجماعات؟
تشير التحقيقات الأمنية إلى أن الهدف الأساسي لهذه الجماعات المتطرفة لا يقتصر على نشر خطاب الكراهية فحسب، بل يتعداه إلى السعي لإحداث فوضى عارمة وزعزعة الاستقرار وإسقاط النظام الاجتماعي القائم. وتكشف التقارير أن هذه الحركة، التي تقتصر في الغالب على الذكور من فئة الشباب، تشهد وتيرة تطرف سريعة ومقلقة، حيث تتبنى أفكارًا راديكالية خلال فترات زمنية قصيرة للغاية. وتصف الأجهزة الأمنية هذه البيئة الرقمية بأنها “شديدة الميل إلى العنف والإرهاب”، إذ لا تكتفي بترويج الأيديولوجيات المتطرفة، بل تحرض بشكل مباشر على تنفيذ هجمات فردية أو جماعية.
يبلغ متوسط أعمار المنخرطين في هذه الجماعات ما يزيد قليلاً عن 16 عامًا، في حين لا يتجاوز عمر بعضهم 14 عامًا فقط. وتعد هذه الفئة العمرية الأكثر هشاشة، نظرًا لعدم تشكل منظومة قيم ثابتة لديها بعد، ما يجعلها أكثر قابلية للتأثر بالدعاية المتطرفة وأساليب الاستقطاب النفسي. وفي هذا السياق، تحدث وزير داخلية ولاية بادن-فورتمبيرغ، توماس ستروبل، عن “حالات تطرف سريعة” استغرقت أقل من عام في نحو 50% من القضايا التي خضعت للتحقيق، في مؤشر خطير على تسارع انتشار الفكر المتطرف بين المراهقين.
البعد النفسي والاجتماعي في مسار التطرف اليميني
أفادت الدراسة بأن معظم أتباع هذا المشهد المتطرف الذين خضعوا للفحص يعانون من “أمراض أو اضطرابات نفسية مُشخّصة”، ما يسلط الضوء على البعد النفسي والاجتماعي في مسار التطرف الرقمي. وتشير النتائج إلى أن هذه الحالات غالبًا ما تبحث عن شعور بالانتماء والاعتراف داخل فضاءات افتراضية تمنحهم وهم القوة والهوية، في ظل افتقادهم للدعم في حياتهم اليومية. ولهذا يلعب المحيط الاجتماعي، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو دوائر الأصدقاء، دورًا حاسمًا كنظام إنذار مبكر يمكنه رصد بوادر الانعزال والتغيرات السلوكية المفاجئة.
أوضح مكتب الشرطة الجنائية في الولاية والنيابة العامة أن “الغالبية العظمى من هؤلاء الأفراد مُهمَلون داخل أسرهم ومعزولون اجتماعيًا”، ما يجعلهم فريسة سهلة لخطاب الاستقطاب المتطرف. ويعتمد هؤلاء الشباب على غياب الرقابة والاهتمام من محيطهم، معتقدين أن أحدًا لن يلاحظ تحولهم التدريجي نحو العنف والكراهية. وتؤكد السلطات أن هذا الواقع يفرض ضرورة تعزيز الوعي الأسري والتربوي، إلى جانب تطوير برامج الدعم النفسي والاجتماعي، للحد من انجراف المراهقين نحو مسارات التطرف قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي للمجتمع.
النتائج
تعكس المعطيات المتزايدة حول تطرف الشباب عبر المنصات الرقمية في ألمانيا ملامح تحدٍ أمني واجتماعي مرشح للتصاعد خلال السنوات المقبلة، ما لم تُعتمد استراتيجيات وقائية أكثر شمولًا ومرونة. فالتطور المتسارع في أدوات الاتصال المشفرة، واتساع الفضاءات المغلقة على الإنترنت، سيمنح الجماعات المتطرفة قدرة أكبر على إعادة إنتاج خطابها واستقطاب فئات عمرية أصغر، يصعب رصدها بالوسائل التقليدية.
من المرجح أن يشهد “مشهد تيرورغرام” تحولًا من شبكة فضفاضة إلى بنية أكثر تنظيمًا واحترافية، قادرة على توزيع الأدوار بين الدعاية، والتجنيد، والتخطيط لهجمات فردية منخفضة التكلفة وعالية التأثير.
من المحتمل أن تجد الأجهزة الأمنية نفسها أمام سباق زمني مع سرعة التطرف الرقمي. فكلما تطورت تقنيات التشفير وإخفاء الهوية، ستزداد صعوبة اختراق القنوات المغلقة، ما يدفع السلطات إلى توسيع قدراتها السيبرانية وتعزيز التعاون بين الشرطة والاستخبارات والمنصات الرقمية. وقد تتجه ألمانيا إلى سن تشريعات أكثر صرامة لمراقبة المحتوى المتطرف، وهو ما سيفتح نقاشًا واسعًا حول التوازن بين الأمن وحماية الخصوصية والحريات الرقمية.
تشير المؤشرات إلى أن الإهمال الأسري والعزلة النفسية سيظلان من أبرز بوابات الاستقطاب. وإذا لم تُعزّز برامج الدعم النفسي والتربوي داخل المدارس والمجتمعات المحلية، فمن المحتمل نشوء جيل أكثر قابلية للراديكالية ستبقى قائمة. وفي هذا السياق، قد تتحول المؤسسات التعليمية إلى خط الدفاع الأول، من خلال إدماج التوعية الرقمية ومهارات التفكير النقدي في المناهج الدراسية، بما يقلل من تأثير الدعاية المتطرفة.
من المتوقع أن يتجاوز التطرف اليميني حدوده الوطنية ليصبح شبكة عابرة للدول، تستفيد من تشابه الخطابات الشعبوية وتصاعد الاستقطاب السياسي. وهذا يعني أن مواجهة الظاهرة لن تكون مسؤولية دولة واحدة، بل ستتطلب تنسيقًا أوروبيًا مشتركًا في مجالات الاستخبارات والتشريع والرقابة الرقمية.
يمكن القول أن مستقبل مواجهة التطرف الرقمي في ألمانيا سيتحدد بمدى القدرة على الانتقال من رد الفعل الأمني إلى الوقاية المبكرة، ومن الرقابة التقنية إلى المعالجة النفسية والاجتماعية الشاملة، قبل أن يتحول التهديد الافتراضي إلى واقع ميداني يصعب احتواؤه.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113560
