خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف في ألمانيا ـ هل تؤثر الانقسامات الداخلية على مصداقية “AfD” في القضايا الدفاعية؟
تقوم ألمانيا بتعزيز ترسانتها العسكرية بسبب حرب أوكرانيا منذ بدايتها في فبراير 2022 ومع ذلك، فإن أكبر حزب معارض في البلاد لم يتفق بعد على كيفية التعامل مع الجيش الألماني. قرر مقاطعة جورليتس حظر أي إعلان للجيش الألماني أو لصناعة الأسلحة على المساحات العامة مستقبلاً. جاء هذا الاقتراح من تحالف ساهرا فاغنشتاين (BSW)، وحصل على دعم من رئيس حزب AfD المشارك تينو كروبالا. أوضحت كتلة حزب AfD دعمها القرار بهدف “خفض التصعيد، والدبلوماسية، وتحقيق السلام”، وفقًا لما ذكرته صحيفة Die Welt. كان الحزب قد أعرب، بمناسبة الذكرى السبعين للجيش الألماني، عن تضامنه مع القوات المسلحة وطالب بمزيد من التقدير للجنود، ومع ذلك، يبقى موقف AfD من الجيش الألماني متناقضًا.
انتقد النائب عن AfD والضابط السابق في الجيش الألماني روديجير لوتسان في زميله في الحزب بيورن هوكه بسبب تصريحاته حول الخدمة العسكرية الإجبارية. كان هوكه قد صرح في برلمان ولاية تورينغن بأن ألمانيا لم تعد تستحق أن تُدافع عنها. وواجهه لوتسان بالإشارة إلى الأهمية التاريخية للتقاليد العسكرية الألمانية، متسائلاً: “ماذا كان سيقول رجال ونساء حروب التحرير؟ لم يكونوا ليوافقوا على هذا التقييم أبدًا”.
وردّ هوكه، المعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة، عبر منصة X بأنه مستعد “في أي وقت” لـ “القتال والموت من أجل وجود ألمانيا”. أضاف أنه يرى ضرورة أن يتحمل الشباب مسؤولياتهم تجاه الوطن، مشددًا على أن السياسة يجب أولاً أن “تتحمل مسؤولياتها تجاه شعبها”. تشير الدراسات إلى أن الدعوات لتحمل “مسؤولية تجاه الشعب” ليست ظاهرة جديدة؛ ففي القرن التاسع عشر، ومع بروز القومية الحديثة، انتشرت فكرة الوعي الوطني القوي الذي يربط الهوية والولاء والمسؤولية الجماعية، وغالبًا ما ارتبطت النقاشات السياسية بفكرة الوحدة والتضامن والدفاع عن المصلحة العامة.
خلاف حول جاهزية AfD
كشفت أبحاث صحيفة Frankfurter Allgemeine Sonntagszeitung (FAS) أن بعض سياسيي AfD قد لا يكونون مستعدين للقتال من أجل ألمانيا في حال اندلاع حرب. ويعود ذلك إلى دوافع سياسية أكثر منها سلمية، إذ يرون أن البلاد تُدار من “الأشخاص الخطأ” وأنها “مفرطة في الليبرالية”. أجابت استطلاعات FAS بين جميع أعضاء AfD في البرلمان (151 عضوًا) عن سؤال ما إذا كانوا سيقاتلون في حالة الحرب “تحت هذه الحكومة”، فأجاب 11 فقط بالإيجاب. شدد ضباط سابقون مثل لوتسان ويان نولتي على جاهزيتهم للقتال، مستندين إلى القسم الذي يؤديه الجنود لألمانيا: حيث يقسم الجنود الاحترافيون والمؤقتون “الولاء لجمهورية ألمانيا والدفاع الشجاع عن حقوق وحريات الشعب الألماني”. أما المجندون والمتطوعون في الخدمة العسكرية، فيؤدون قسمًا مماثلًا.
تباين المواقف حول الخدمة العسكرية الإجبارية داخل AfD
هناك اختلافات في موقف AfD من الخدمة العسكرية الإجبارية؛ إذ تدعم رئيسة الحزب أليس فايدل إعادة إدخالها، بينما يرفض كروبالا ذلك، مبررًا موقفه بعدم إرسال المجندين إلى الخارج أو إلى شرق أوكرانيا. بشكل عام، يمكن للمجندين وفق قانون الخدمة العسكرية المشاركة في عمليات خارجية فقط بموافقتهم الكتابية، ولا يتم إرسالهم تلقائيًا إلى الخارج. كما ترفض الحكومة تحت قيادة المستشار فريدريك ميرز (CDU) إرسال قوات برية ألمانية، معتبرة أن “التكهنات” المتعلقة بالوضع في عملية السلام أو وقف إطلاق النار في الحرب الروسية في حرب أوكرانيا “لا علاقة لها بالواقع”. يقول وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (SPD) أيضًا في مقابلة مع إذاعة Deutschlandfunk إنه يمكن “مناقشة إرسال قوات برية إلى أوكرانيا بعد انتهاء العمليات القتالية فقط”.
النتائج
تُظهر التطورات أن موقف حزب البديل لألمانيا (AfD) تجاه الجيش الألماني والخدمة العسكرية يتسم بالانقسام والازدواجية، ما يعكس صراعًا داخليًا بين تيارات مختلفة داخل الحزب. من جهة، هناك عناصر تؤكد على الولاء التاريخي والالتزام العسكري تجاه الدولة، كما هو الحال مع ضباط سابقين الذين يربطون الخدمة العسكرية بالقسم الدستوري والواجب الوطني.
يبرز تيار يميني متطرف، يميل إلى تقييم الالتزام العسكري وفقًا للجدوى السياسية للحكومة الحالية، معتبرًا أن الجنود لا يجب أن يقاتلوا إلا إذا كانت البلاد تُدار من قبل “الأشخاص المناسبين”. هذا الانقسام يعكس صعوبة الحزب في تبني موقف موحد تجاه قضايا الأمن والدفاع، ويُظهر هشاشة استراتيجيته السياسية في المجال العسكري.
يظهر الانقسام فيما يخص الخدمة العسكرية الإجبارية، حيث تدعم رئيسة الحزب أليس فايدل إعادة الخدمة العسكرية، بينما يرفض تينو كروبالا ذلك، مبررًا موقفه بالحذر من إرسال المجندين إلى مناطق النزاع، مثل أوكرانيا. هذا الخلاف يعكس تباين رؤى الحزب بين دعم تعزيز الدفاع الوطني بشكل تقليدي وبين تبني موقف سياسي يراعي المخاطر والانعكاسات الدولية لأي قرار عسكري.
على المستوى الاجتماعي والسياسي، تشير المواقف المتطرفة لبعض أعضاء AfD إلى خطر إعادة صياغة الخطاب الوطني والولاء الجماعي في سياق قومي ضيق، ما قد يخلق توتّرًا في النقاش العام حول العلاقة بين الجيش والمجتمع، خاصة في ظل حرب أوكرانيا. كما تكشف استطلاعات الرأي حول استعداد النواب للقتال أن الأغلبية لا تثق في الحكومة الحالية، ما يعكس أزمة ثقة بين الحزب والدولة، وهو ما قد يضعف موقفه السياسي مستقبلاً.
من المتوقع أن يستمر الخلاف داخل AfD حول الجيش والخدمة العسكرية، مع احتمال أن يصبح هذا الموضوع محورًا للنقاش الداخلي والاختلافات الإيديولوجية. هذا الانقسام قد يضع الحزب في موقف ضعيف على الساحة السياسية، خاصة إذا استمرت الأزمات الأمنية في أوروبا وارتفعت الضغوط على الحكومة الألمانية لتعزيز الدفاع الوطني.
من المرجح أن يؤدي الانقسام إلى إعادة تعريف دور الحزب في السياسة الدفاعية، إذ قد يركز على القضايا الرمزية للوطنية والولاء، بدل الانخراط الفعلي في القرارات العسكرية أو المشاركة في العمليات الخارجية. يمثل موقف AfD حالة نموذجية لكيفية تأثير الصراعات الداخلية داخل الأحزاب على السياسات الدفاعية والأمنية، ويؤكد على أهمية وحدة الرؤية السياسية لتحقيق مصداقية في القضايا الاستراتيجية الوطنية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112735
