المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف في ألمانيا ـ ما دلالات عدم تصنيف حزب البديل كمنظمة يمينية متطرفة؟
انتصار جزئي لحزب البديل من أجل ألمانيا في معركته القانونية مع المكتب الاتحادي لحماية الدستور، فقد وافقت المحكمة على طلبه العاجل ضد إعادة تصنيفه كمنظمة يمينية متطرفة. ما دلالة ذلك؟. عقب صدور حكم قضائي، مُنع المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) مؤقتا من تصنيف حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) كـ”منظمة يمينية متطرفة مؤكدة” ومراقبته وفقا لذلك. وقد وافقت المحكمة الإدارية في كولونيا على طلب الحزب العاجل ضد هذا التصنيف، وقضت بأن على الوكالة الاتحادية انتظار نتيجة الدعوى الأصلية. فماذا تعني تصنيفات جهاز المخابرات الداخلية تحديدا؟ ما هي تبعاتها على الحزب، وما هو الدور الفعلي للمكتب الاتحادي لحماية الدستور؟.
لماذا يوجد المكتب الفيدرالي لحماية الدستور أصلا؟
المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) هو جهاز إنذار مبكر ومراقبة لا يملك صلاحيات الشرطة. ويرتبط تأسيسه بتجارب جمهورية فايمار. ففي ذلك الوقت، فشلت الديمقراطية، جزئيا، بسبب غياب الحماية من الحركات المتطرفة. استغل الاشتراكيون الوطنيون الهياكل الديمقراطية لجمهورية فايمار للاستيلاء على السلطة، وأساءوا استخدامها لإلغاء الديمقراطية وإقامة دكتاتورية. أراد مؤسسو الجمهورية الاتحادية تجنب مثل هذه المخاطر في المستقبل. ولذلك ينص القانون الأساسي على أنه يجوز بموجب القانون الاتحادي إنشاء “مكاتب مركزية لأجهزة الاستخبارات والمعلومات الشرطية، وللشرطة الجنائية، ولجمع الوثائق لأغراض الحماية الدستورية”.
ما هي الصلاحيات التي يتمتع بها المكتب الاتحادي لحماية الدستور؟
يعد القانون الاتحادي لحماية الدستور أحد هذه القوانين الاتحادية، إذ ينظم عمل المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV). ويخول هذا المكتب بجمع المعلومات وتقييمها، ويعمل كنظام إنذار مبكر، يصدر تنبيهات بشأن الجماعات والشبكات والأحزاب المتطرفة، والإرهابيين المشتبه بهم. كما أنه مسؤول عن مكافحة التجسس. لا يملك المكتب الاتحادي لحماية الدستور وأجهزة الاستخبارات الداخلية على مستوى الولايات أي صلاحيات شرطية. ومع ذلك، يجري تبادل المعلومات مع الشرطة، على سبيل المثال في المركز المشترك لمكافحة الإرهاب (GTAZ)، حيث يتم تبادل معلومات مهمة حول المتطرفين الإسلاميين. ولأغراض عملية، حدد المكتب الاتحادي لحماية الدستور مستويات تصعيد مختلفة:
ما هي حالة الاختبار؟
تعد “القضية قيد المراجعة” أدنى مستوى من مستويات التحقيق. في هذه المرحلة، تظهر مؤشرات أولية على أن منظمة أو فردا ما قد يسعى لتحقيق أهداف متطرفة. مع ذلك، لا يسمح للسلطات في هذه المرحلة إلا بتقييم المعلومات المتاحة للعموم، مثل أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي، والخطابات، والمنشورات، والفعاليات العامة. ويحظر استخدام أساليب الاستخبارات السرية، كالمراقبة أو الاستعانة بالمخبرين (المخبرين السريين داخل المجموعة). في القضية قيد المراجعة، تخضع المجموعة للتدقيق، ولكن لم يتم تصنيفها رسميا بعد كحالة متطرفة مشتبه بها. ولا يسمح بالكشف العلني عن القضايا قيد المراجعة.
ما الذي يشكل حالة مشتبه بها؟
إذا تراكمت الأدلة على السعي لتحقيق أهداف متطرفة، يمكن للمكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) تصنيف المنظمة كجماعة متطرفة مشتبه بها. ويسمح للمكتب بتصنيف الجماعة على هذا النحو، ونشر هذا التصنيف إذا توفرت مؤشرات معقولة “أدلة فعلية” على أنها تعمل بالفعل ضد النظام الديمقراطي. يمكن أن يضعف هذا التصنيف مصداقية المنظمة وقبولها. بالنسبة للمنظمات المصنفة كجماعات متطرفة مشتبه بها، يمكن استخدام أساليب استخباراتية سرية لجمع المزيد من المعلومات. على سبيل المثال، يمكن مراقبة أعضاء الجماعة في اجتماعاتهم.
متى يعتبر حزب ما متطرفا بشكل قاطع؟
هذا التصنيف الأعلى، الذي كان محل نقاش مع حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، يعني، وفقا للمكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV)، أن المنظمة تسعى بوضوح إلى تحقيق أهداف متطرفة. في هذه الحالة، خلص المكتب إلى وجود أدلة كافية تثبت معارضة الجماعة للديمقراطية بشكل فعلي. تعتبر الجماعات المصنفة بهذا الشكل متطرفة رسميا، ويذكر اسمها في التقرير السنوي للمكتب الاتحادي لحماية الدستور. في هذه الحالة، يستخدم المكتب كامل نطاق أساليبه الاستخباراتية للمراقبة. عادة ما تنأى السلطات أو الأحزاب أو الجمعيات بنفسها عن هذه الجماعات، وقد تسحب التمويلات، وقد تتعرض وظائف الموظفين الحكوميين للخطر. لكن هذا لم يحدث في هذه الحالة. فقد قضت المحكمة الإدارية في كولونيا، بعد مراجعة القضية في إجراءات معجلة، بأن الأدلة التي قدمها المكتب الاتحادي لحماية الدستور لا تثبت حاليا أن الطابع العام لحزب البديل من أجل ألمانيا يهيمن عليه أيديولوجيات متطرفة.
ماذا يعني هذا بالنسبة لحظر محتمل؟
لا يؤثر قرار المحكمة بشكل مباشر على احتمال حظر حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD). مع ذلك، كان من الممكن أن يكتسب النقاش السياسي حول مدى ملاءمة الحظر ونجاحه زخما لو رفضت المحكمة طلب الحزب العاجل. المحكمة الدستورية الاتحادية وحدها هي المخولة بالبت في حظر الأحزاب. ويمكن تقديم هذا الطلب من قبل البوندستاغ أو البوندسرات أو الحكومة الاتحادية. منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية، لم ينجح سوى طلبين لحظر الأحزاب السياسية في كارلسروه. في عام 1952 ضد حزب الرايخ الاشتراكي النازي الجديد (SRP). وفي عام 1956 ضد الحزب الشيوعي الألماني (KPD).
النتائج
يحمل القرار القضائي الصادر عن المحكمة الإدارية في كولونيا دلالات تتجاوز حدوده الإجرائية، إذ يعكس حساسية التوازن بين حماية النظام الديمقراطي وصون التعددية الحزبية. ففي المدى القريب، قد يمنح الحكم حزب البديل من أجل ألمانيا مساحة سياسية لالتقاط الأنفاس وتعزيز خطابه القائل بانه يتعرض لاستهداف مؤسسي. كما قد يفرض على المكتب الاتحادي لحماية الدستور مزيدا من التدقيق القانوني في منهجية التصنيف ومستوى الادلة المطلوبة قبل الانتقال إلى اعلى درجات التوصيف.
على المدى المتوسط، يتوقع ان تتعمق المواجهة القانونية بين الطرفين في اطار الدعوى الاصلية. وستكون المحكمة مطالبة بتحديد معايير اوضح للفصل بين الخطاب الشعبوي الحاد والمواقف التي ترقى فعليا إلى معاداة النظام الديمقراطي. هذا التحديد سيكون له اثر مباشر ليس فقط على الحزب المعني، بل على مجمل العلاقة بين اجهزة الاستخبارات الداخلية والاحزاب السياسية.
اما على المدى البعيد، فقد يسهم الجدل في اعادة فتح النقاش السياسي حول اليات حظر الاحزاب في ألمانيا، وشروط تفعيل هذا الخيار الاستثنائي. ورغم ان قرار المحكمة لا يؤثر مباشرة على مسار الحظر، الا انه يبرز صعوبة اثبات الطابع المتطرف الشامل لحزب يتمتع بتمثيل برلماني وقاعدة انتخابية واسعة.
بوجه عام، يكشف هذا التطور عن اختبار جديد للديمقراطية الألمانية، حيث يتعين عليها ان تثبت قدرتها على الدفاع عن نفسها دون الانزلاق إلى تقويض قواعد المنافسة السياسية. وستتحدد مآلات الملف وفقا لما ستسفر عنه الاجراءات القضائية اللاحقة، وكذلك تبعا لقدرة الفاعلين السياسيين على ادارة الخلاف ضمن اطار دستوري يحافظ على الاستقرار والثقة العامة.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115555
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
