خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف ـ هل يعيد صعود “حزب البديل” تشكيل الخريطة السياسية الالمانية؟
تُظهر أحدث استطلاعات الرأي في ألمانيا أن حزب البديل من أجل ألمانيا يواصل تعزيز موقعه على الخريطة السياسية، محافظًا على مستوياته القياسية التي حققها خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الأحزاب التقليدية صعوبة متزايدة في استعادة ثقة الناخبين. ويعكس استطلاع معهد إنسا، الذي أُجري لصالح صحيفة بيلد، هذا التحول التدريجي في المزاج العام، حيث حافظ الحزب اليميني الشعبوي على صدارته، بينما يقترب منه ببطء تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي دون أن يتمكن من تجاوزه
رسوخ شعبية حزب البديل وصعوبة كبح التقدم
وبحسب نتائج الاستطلاع، حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على 26% في سؤال: ماذا لو أُجريت انتخابات برلمانية الأحد المقبل؟ وهي النسبة نفسها التي سجلها خلال الفترة السابقة، ما يعكس رسوخ شعبيته وصعوبة كبح التقدم الذي حققه. ويأتي خلفه مباشرة تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي بنسبة 25.5%، بعد ارتفاع طفيف بنقطة مئوية، غير أن هذا التقدم ما يزال غير كافٍ لإحداث انعطافة كبيرة في ترتيب المشهد السياسي.
أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك التقليدي في الحكومات الألمانية، فقد حافظ على نسبة تأييد بلغت 15%، من دون أي تغييرات تُذكر، في مؤشر على استمرار حالة الركود السياسي التي يمر بها. كما استقر حزب الخضر عند 11%، وهو مستوى أقل بكثير مما كان عليه خلال سنوات قوته التي أعقبت انتخابات 2021. وتراجعت شعبية حزب اليسار إلى 10.5%، بخسارة طفيفة، بينما هبط الحزب الديمقراطي الحر إلى 3%، ما يعني أنه سيبقى دون عتبة الخمسة في المائة ولن يتمكن من دخول البوندستاغ. وبشكل عام، حصلت بقية الأحزاب الصغيرة مجتمعة على نسبة 5%، وهي نسبة لا تغير في واقع التوازنات القائمة.
انهيار تدريجي لـ”جدار الحماية”
ومن بين أبرز التحولات التي رصدها الاستطلاع ما وصفته وسائل الإعلام بانهيار تدريجي لـ”جدار الحماية” الذي كان يمنع ناخبين كثر من التفكير في التصويت لحزب البديل. فخلال السنوات الماضية، دأبت الأحزاب التقليدية والإعلام على تحذير الرأي العام من دعم الحزب اليميني، لكن هذه الإستراتيجية يبدو أنها فقدت الكثير من فعاليتها. فقد تراجعت نسبة الذين يستبعدون تمامًا التصويت للبديل من أجل ألمانيا إلى 49% فقط، وهو أدنى مستوى تاريخي، بعد أن كانت نحو 75% في مراحل سابقة. ويشير ذلك إلى أن النظرة السلبية تجاه الحزب آخذة في الانحسار، خصوصًا بين الفئات التي لم تعد ترى في الأحزاب التقليدية إجابات مقنعة على التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
كشف الاستطلاع أن 26% من المشاركين يمكنهم تخيل التصويت له، بينما اعتبر 7% أن الأمر ممكن بحسب الظروف، في حين لا يزال 18% مترددين. ويرى هيرمان بينكرت، رئيس معهد إنسا، أن هذه الأرقام تمثل تحولًا مهمًا، مشيرًا إلى أن نسبة الرفض لدى الحزب، رغم أنها تبقى الأعلى مقارنة ببقية الأحزاب، إلا أنها في الوقت ذاته الأفضل في تاريخه. ويُرجع بعض المحللين ذلك إلى تصاعد المشاعر الاحتجاجية ضد سياسات الحكومة، وإلى تراجع الثقة في الطبقة السياسية التي تعاني انقسامات داخلية وأزمات ائتلافية متكررة.
الحكومة الألمانية لا تزال بعيدة عن تحقيق أغلبية برلمانية
من جهة أخرى، يُظهر الاستطلاع أن الحكومة الألمانية لا تزال بعيدة عن تحقيق أغلبية برلمانية، حتى لو تشكل ائتلاف نظري بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي من جهة، والحزب الاشتراكي الديمقراطي من جهة أخرى، تحت قيادة المحتمل فريدريش ميرز. فالمجموع لا يتجاوز 40.5%، في حين أن تشكيل أغلبية حاكمة يتطلب 44% على الأقل، ما يعكس تراجع قدرة الأحزاب التقليدية على تشكيل تحالفات مستقرة دون الاستعانة بحزب ثالث قوي.
وفي ما يتعلق بشعبية السياسيين الأفراد، حافظ وزير الدفاع بوريس بيستوريوس من الحزب الاشتراكي الديمقراطي على صدارة التصنيف، مستفيدًا من حضوره الإعلامي القوي ودوره البارز في إدارة ملف الجيش الألماني وإعادة تسليحه. وجاء خلفه هندريك فوست من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ثم ماركوس سودر من الاتحاد الاجتماعي المسيحي. أما أليس فايدل، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، فقد عادت إلى قائمة العشرة الأوائل، ما يعكس ارتفاعًا في شعبيتها ووزنها السياسي داخل المشهد العام. وعلى الجانب الآخر، انخفض ترتيب قائدة حزب الخضر فرانزيسكا برانتنر إلى المرتبة السادسة عشرة، متقدمة بفارق بسيط على فريدريش ميرز الذي لا يزال يعاني تراجعًا ملحوظًا في التأييد الشعبي.
تشير مجمل هذه التطورات إلى مشهد سياسي ألماني يسير نحو مزيد من التجزئة، حيث تتآكل القاعدة الانتخابية للأحزاب التقليدية، بينما يواصل حزب البديل استقطاب شرائح جديدة، رغم الجدل الذي يحيط بخطابه وبرامجه. وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا الاتجاه سيستمر، أم أن الأحزاب الكبرى ستتمكن من استعادة زمام المبادرة خلال الأشهر التي تسبق الاستحقاقات السياسية المقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112096
