المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف ـ هل تواجه ألمانيا تهديدا جديا من حركة “مواطني الرايخ”؟
يواجه ثلاثة أشخاص يزعم انتماؤهم لجماعة “رايخسبورغر” المحاكمة في ميونيخ بتهمة دعم خطط انقلابية والتآمر لاختطاف وزير الصحة السابق. يزعم الرجال دعم جماعة تطلق على نفسها اسم “رايخسبورغر”، وهي جزء من حركة “مواطني الرايخ” في ألمانيا. ويشير هذا المصطلح، الذي يعني “مواطني الرايخ”، إلى مجموعة من المتطرفين ونظريات المؤامرة الذين يرفضون شرعية الجمهورية الألمانية. وقد سجن أربعة أعضاء من “رايخسبورغر” في مارس 2025 بتهمة التخطيط لإشعال حرب أهلية في ألمانيا بالعنف بهدف الاستيلاء على السلطة. تسعى هذه الجماعة إلى إعادة تأسيس شكل من أشكال الحكم القائم على الدستور الإمبراطوري لعام 1871، وهو ما يعني إعادة هيكلة الدولة الألمانية لتصبح نظاما استبداديا يشبه الإمبراطورية السابقة. ويُعتبر هذا التوجه من أخطر المخاطر الداخلية التي تواجه ألمانيا، نظرا لأنه يرتبط بتطرف سياسي وعسكري يرفض النظام الديمقراطي الحالي. وتؤكد السلطات الألمانية أن هذه الحركة تنشط في شبكات سرية، وتستخدم وسائل التواصل الحديثة والإنترنت المظلم للتنسيق بين أعضائها والتخطيط لعمليات تستهدف الشخصيات السياسية والبنية التحتية الحيوية.
التخطيط للاستيلاء على السلطة في ألمانيا
أدين الأشخاص بالتآمر لاختطاف وزير الصحة آنذاك كارل لاوترباخ، الذي كان هدفا للهجوم بسبب القيود التي فرضتها الحكومة الألمانية خلال جائحة كوفيد-19. ويخشى الخبراء أن مثل هذه العمليات لو نجحت كان من الممكن أن تؤدي إلى زعزعة استقرار الحكومة وإشاعة حالة من الفوضى العامة، وهو ما يوضح خطورة خطط هذه الجماعة على الدولة والمجتمع. ويحاكم الرجال الثلاثة، وهم آخيم م (60 عاما)، ويواخيم ك (71 عاما)، وراينر س (62 عاما)، في الأول من أبريل 2026 بتهمة دعم الجماعة ومساندة خططها الانقلابية. ووفقا للادعاء، فقد كان من المقرر أن يشغلوا جميعا مناصب وزارية في “مملكة بروسيا” المعاد تأسيسها بعد الإطاحة بالنظام الألماني. وزعم أن هذه المجموعة، التي أشار إليها المحققون باسم Kaiserreichsgruppe أو “المجموعة الإمبراطورية”، كانت ملتزمة بإقامة ألمانيا استبدادية جديدة بالقوة استنادا إلى الدستور الإمبراطوري القديم لعام 1871.
أظهرت التحقيقات أن أعضاء هذه الجماعة كانوا يعملون ضمن شبكات محكمة التنظيم، تضم ضباطا سابقين في الجيش ونوابا سابقين في البرلمان، بالإضافة إلى أفراد مدنيين متطرفين، يسعون جميعا لتقويض النظام الديمقراطي القائم وإعادة صياغة هياكل الدولة. ويؤكد المسؤولون أن هذه الشبكات كانت تخطط لتجنيد أفراد جدد وتدريبهم على استخدام الأسلحة ومعدات الاتصالات الحديثة، وذلك لتنفيذ العمليات الانقلابية المخطط لها بشكل سري ودقيق.
سلسلة من المحاكمات
في العام 2025، أصدرت محكمة كوبلنز الإقليمية العليا أحكاما بالسجن على ثلاثة رجال وامرأة، تراوحت بين خمس سنوات وتسعة أشهر وثماني سنوات. وكانوا قد خططوا لتنفيذ هجوم تخريبي أطلق عليه اسم “ليلة صامتة” لتعطيل شبكة الكهرباء، أملا في الاستيلاء على السلطة في خضم الفوضى التي ستعقب ذلك. وقد أظهرت التحقيقات أن الهجوم كان يستهدف البنية التحتية الحيوية للبلاد، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء وخطوط نقل الطاقة، مما يوضح حجم التهديد الذي كان يشكله هؤلاء الأفراد على الأمن القومي. كما سجن شخصان آخران، رجل وامرأة، في أبريل 2025 لتواطئهما في المؤامرة. تعد المحاكمة في ميونخ واحدة من عدة محاكمات تستهدف أعضاء مزعومين في حركة “مواطني الرايخ”، بمن فيهم مجموعة من “مواطني الرايخ” بقيادة الأمير هاينريش الثالث عشر رويس، الذي يحاكم في ثلاث محاكم منفصلة بتهمة التآمر للإطاحة بالحكومة. وإلى جانب رويس، تشمل قائمة المتهمين في هذه القضية ضابطا سابقا في الجيش ونائبا سابقا في البرلمان من حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف. وتؤكد السلطات أن هناك تنسيقا بين هذه المجموعات المختلفة في عدة ولايات ألمانية، وأنها تعمل على نشر أفكارها المتطرفة بين الشباب والمجتمعات المحلية لتعزيز قاعدة دعمها.
كان هناك حوالي 26 ألف مواطن من الرايخ في ألمانيا عام 2024، وفقا لوكالة الاستخبارات الداخلية الفيدرالية (BfV)، بزيادة عن حوالي 25 ألفا في عام 2023. وتؤكد التقارير أن هذا الرقم يشمل أعضاء متنوعين من الجماعات المتطرفة، ممن يشاركون في أنشطة سرية وعلنية لدعم أهداف الحركة. وفي نوفمبر 2025، ألقت الشرطة الألمانية القبض على رجل مرتبط بشكل غير مباشر بحركة مواطني الرايخ، والذي يزعم أنه أجرى مكالمات عبر الإنترنت على الشبكة المظلمة لقتل سياسيين، بمن فيهم المستشاران السابقان أنجيلا ميركل وأولاف شولتز.
جهود متواصلة لمكافحة التطرف اليميني
تشير السلطات إلى أن هذه الاعتقالات تعكس الجهود المتواصلة لمكافحة التطرف الداخلي وضمان أمن الدولة. وقد أكدت وزارة الداخلية الألمانية أن التحقيقات مستمرة، وأن هناك مراقبة دقيقة لأنشطة أعضاء هذه الجماعة، بما في ذلك خططهم المستقبلية لأي أعمال عنف أو انقلاب محتمل. ويعمل المحققون على تحليل جميع البيانات الرقمية والاتصالات المشفرة لتفكيك الشبكات الداخلية ومنع أي تهديد محتمل للأمن القومي الألماني. كما أظهرت التحقيقات أن الجماعة كانت تخطط للاستفادة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك موجات البطالة والاضطرابات المدنية، لتبرير عملياتها الانقلابية والتأثير على الرأي العام لصالح أهدافها. وقد وصف خبراء الأمن هذا الأسلوب بأنه محاولة متعمدة لخلق بيئة من الفوضى تسمح لهم بالسيطرة على مفاصل الدولة تدريجيا.
تؤكد هذه القضية على أهمية الاستمرار في تعزيز المراقبة الأمنية والتعاون بين الأجهزة الأمنية المختلفة، بما في ذلك الاستخبارات الداخلية والشرطة والجيش، لرصد أي تهديد محتمل من الجماعات المتطرفة. وتعتبر هذه المحاكمات جزءا من جهود شاملة لضمان عدم تمكن أي مجموعة من تقويض المؤسسات الديمقراطية أو تهديد استقرار ألمانيا. كما ينظر الخبراء إلى هذه المحاكمات كفرصة لتعزيز التشريعات المتعلقة بمكافحة التطرف الداخلي، بما في ذلك قوانين مكافحة الإرهاب وحيازة الأسلحة غير القانونية، وتحسين آليات الرصد الرقمي للتواصل بين أعضاء الجماعات المتطرفة. ويؤكد المختصون أن تطبيق هذه القوانين بشكل صارم يساهم في منع محاولات الانقلاب أو أي أعمال عنف سياسية مستقبلية.
النتائج
تظل محاكمة الثلاثة في ميونخ رمزيا لما تواجهه ألمانيا من تحديات كبيرة في مكافحة التطرف الداخلي، خاصة مع تزايد عدد الأفراد المرتبطين بحركة “مواطني الرايخ” واستخدامهم الوسائل الرقمية للتخطيط لأنشطة غير قانونية. إن نجاح هذه المحاكمات قد يشكل رسالة واضحة إلى الجماعات المتطرفة الأخرى حول عواقب مخالفة القانون ومحاولات زعزعة استقرار الدولة.
تسلط هذه القضية الضوء على العلاقة بين التطرف السياسي والتهديدات الأمنية، وتؤكد الحاجة إلى برامج توعية ومبادرات مجتمعية للحد من انتشار الأفكار المتطرفة بين الشباب والمواطنين. ويؤكد الخبراء أن الوقاية من التطرف لا تقل أهمية عن الإجراءات الأمنية والقضائية، حيث تساهم في تعزيز وعي المجتمع بخطورة هذه الحركات والحيلولة دون تجنيد عناصر جديدة.
تمثل هذه المحاكمة خطوة مهمة في المسار القانوني والأمني لألمانيا لمواجهة التهديدات الداخلية التي تستهدف استقرار الدولة، وهي تذكير مستمر بأهمية اليقظة والتعاون بين كافة مؤسسات الدولة والمجتمع لمواجهة أي تهديد محتمل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116791
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
