خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
كشف استطلاع للرأي أعدّه معهد أبحاث الرأي العام الألماني “إنسا” لصالح صحيفة “بيلد أم زونتاغ”، أن أكثر من ثلثي السكان في ألمانيا يعتقدون أن حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) قد يتمكن لأول مرة من الوصول إلى منصب رئاسة حكومة ولاية ألمانية، وذلك عقب الانتخابات المحلية المقررة في عام 2026.
ووفقًا لنتائج هذا الاستطلاع، يرى 43% من المشاركين أن حزب البديل سيستلم الحكم في ولاية اتحادية واحدة على الأقل، بينما يرى 25% أن الحزب قد يتمكن من الفوز في عدة ولايات. في المقابل، عبّر 19% عن عدم اعتقادهم بإمكانية حدوث ذلك، بينما امتنع 13% عن الإجابة أو أبدوا ترددهم بشأن تقديم توقع واضح.
تحوّل في المزاج السياسي الألماني
تشير هذه الأرقام إلى تحوّل ملحوظ في المزاج السياسي الألماني، خاصة في ولايات شرق البلاد مثل ساكسونيا، وتورينغن، وساكسونيا أنهالت، حيث يتمتع حزب البديل بشعبية متزايدة في خلال العقد الأخير. وبالرغم من مواقف الحزب المثيرة للجدل، التي تشمل سياسات متشددة تجاه الهجرة والاتحاد الأوروبي، فإن شريحة واسعة من السكان باتت تنظر إليه كخيار سياسي قابل للفوز، وربما للحكم.
يرى مراقبون أن هذه التوقعات تعكس خيبة أمل لدى بعض المواطنين من الأحزاب التقليدية، مثل الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، خاصة فيما يتعلق بإدارة ملف الهجرة، والأزمات الاقتصادية، والسياسات البيئية التي يرى البعض أنها تُثقل كاهل المواطنين.
“جدار الحماية” بين CDU وAfD: انقسام شعبي واضح
تضمن الاستطلاع على سؤال بشأن ما يُعرف في ألمانيا باسم “جدار الحماية”، وهو مصطلح سياسي يُستخدم للإشارة إلى القرار الذي اتخذه الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) وحليفه البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، والذي يستبعد أي شكل من أشكال التعاون أو التحالف مع حزب البديل. وقد أُعيد التأكيد على هذا القرار مؤخرًا، ليشمل حزب اليسار (Die Linke)، رغم التباين الأيديولوجي الواضح بينه وبين حزب البديل.
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 47% من المشاركين يؤيدون استمرار هذا “الجدار”، معتبرين أن على الاتحادين المحافظين مواصلة رفضهم لأي تعاون مع حزب البديل لألمانيا. بالمقابل، يرى 40% أن هذا التمييز لم يعد مبررًا ويجب إعادة النظر فيه، خصوصًا إذا ما حصل الحزب على دعم شعبي واسع في الانتخابات. بينما لم يحدد باقي المشاركين موقفهم، إذ فضّل 13% عدم الإجابة أو أبدوا ترددهم في اتخاذ موقف واضح.
حزب مراقب من قبل هيئة حماية الدستور
من الجدير بالذكر أن المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا (BfV) يصنّف حزب البديل من أجل ألمانيا على المستوى الوطني كـ”جهد يميني متطرف مؤكد”. لكن هذا التصنيف لا يزال محل جدل قانوني، حيث لم تُحسم المحاكم بعد في مدى قانونية التصنيف أو في الأدلة المقدّمة لدعمه. لذلك، يُعتبر الحزب حتى 2025 “موضع شبهة” من الناحية الرسمية، وليس منظمة محظورة أو مدانة.
وفي الولايات الشرقية تحديدًا، يتم تصنيف عدد من فروع الحزب مثل تلك في ساكسونيا وتورينغن وبراندنبورغ على أنها مجموعات متطرفة بشكل مؤكد. يثير هذا التصنيف القلق لدى العديد من الساسة والمؤسسات المدنية، الذين يخشون من تنامي نفوذ حزب يُنظر إليه باعتباره خطرًا على الديمقراطية الدستورية الألمانية.
الواقع السياسي المقبل: بين العزلة والشرعية الشعبية
مع اقتراب الانتخابات المحلية في ولايات شرق ألمانيا عام 2026، يبدو أن البلاد تتجه نحو اختبار سياسي صعب، يتمثل في كيفية التعامل مع حزب يحظى بشعبية متزايدة، لكنه مرفوض من قبل معظم النخبة السياسية.
ويُطرح السؤال الكبير: هل يمكن الاستمرار في استبعاد حزب يحظى بدعم أكثر من 20% في بعض الولايات؟ أم أن النظام السياسي سيُجبر في النهاية على إعادة تقييم استراتيجياته التقليدية؟. في الحالتين، يُتوقع أن تكون السنوات القادمة حاسمة في إعادة تشكيل التوازنات السياسية الألمانية، وسط صعود التيارات الشعبوية وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية.
النتائج
تعكس نتائج الاستطلاع تحوّلاً جوهريًا في المزاج العام لدى الناخب الألماني، خاصة في شرق البلاد، حيث بات حزب “البديل من أجل ألمانيا” يمثّل قوة سياسية واقعية لا يمكن تجاهلها.
الصعود الشعبي المتزايد للحزب يأتي في ظل تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية، وعجزها عن تقديم حلول حاسمة لملفات معقدة مثل الهجرة، والتضخم، والطاقة، والأمن الثقافي.
رغم تصنيفات الحزب من قبل هيئة حماية الدستور، إلا أن الحزب ينجح في تسويق نفسه كبديل حقيقي للنخبة الحاكمة.
إذا استمر هذا الزخم الشعبي، فقد نشهد خلال انتخابات 2026 تحولات تاريخية، تبدأ من كسر “جدار الحماية السياسي” إلى فرض واقع جديد من المشاركة أو حتى الحكم المحلي.
على المستوى الاستراتيجي، قد تضطر الأحزاب الوسطية إلى إعادة النظر في نهجها التقليدي في العزل السياسي. إما أن تُعيد بناء ثقة المواطنين ببرامجها، أو تواجه سيناريوهات تحالفية غير مألوفة.
هذا الوضع يضع الديمقراطية الألمانية أمام مفترق طرق، فإما أن تثبت قدرتها على التكيّف مع التحولات الشعبية، أو تنزلق نحو مزيد من الاستقطاب.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107661
