خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أثار محتوى مرئي نشره السياسي الشعبوي الهولندي اليميني خيرت فيلدرز موجة واسعة من الجدل والغضب، إذ تجاوز عدد الشكاوى المقدمة بشأنه 2500 شكوى في فترة زمنية قصيرة. وأعلنت عدة جمعيات ومنظمات إسلامية في هولندا أنها رفعت دعاوى جنائية ضد فيلدرز، متهمةً إياه بالتحريض المتعمد على كراهية النساء المسلمات، واستخدام صور ذات دلالات “متطرفة” في مونتاج صُوَر نشره عبر منصة التواصل الاجتماعي “إكس”.
وبحسب ما نقلته صحيفة “إن آر سي هاندلسبلاد” الهولندية واسعة الانتشار، فإن هذه الشكاوى جاءت بعد موجة غير مسبوقة من البلاغات التي انهالت على الخط الساخن لمكافحة التمييز في البلاد، حيث اعتبر كثيرون أن المنشور تجاوز حدود حرية التعبير ليصل إلى خطاب كراهية مباشر. وقد رأت المنظمات الإسلامية أن ما قام به فيلدرز ليس حادثًا عرضيًا، بل هو جزء من نهج دعائي ممنهج يتبعه منذ سنوات في خطاباته وظهوره الإعلامي.
إثارة الجدل وجذب الانتباه خلال الحملة الانتخابية
وفقًا لتصريحات المحامي آدم كاتباس، الممثل القانوني لتلك المنظمات، فإن التهم الموجهة ضد فيلدرز تتعلق تحديدًا بصورة نشرها في أغسطس 2025، قبل أشهر قليلة من الانتخابات البرلمانية المقررة في وقت لاحق من العام 2025. وتتهم المنظمات فيلدرز بالتحريض على الكراهية، والإساءة الجماعية، والتمييز العنصري، والتحريض على العنف. ويرى المحامي أن توقيت نشر هذه الصورة لم يكن مصادفة، بل كان مقصودًا لإثارة الجدل وجذب الانتباه خلال الحملة الانتخابية.
وبمجرد نشر المنشور على منصة “إكس”، سُجّل في الخط الساخن لمكافحة التمييز Discriminatie.nl أكثر من 2500 شكوى في فترة وجيزة، وهو رقم قياسي يُعد من بين الأعلى في تاريخ الحوادث المماثلة في هولندا. وقد وُصفت التعليقات المرفقة بالصورة بأنها “مهينة”، و”وتحض على الكراهية”، و”عنصرية بشكل خطير”. وأشارت بعض التقارير إلى أن الكثير من المشتكين شعروا بالصدمة من جرأة الأسلوب المستخدم، الذي اعتبروه إحياءً لخطاب دعائي يعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين.
المحامون الذين يمثلون المنظمات الإسلامية أشاروا إلى أوجه تشابه واضحة بين الصور التي نشرها فيلدرز وبعض أنماط الدعاية النازية، والتي كانت تروّج لفكرة “التفوّق العرقي” وتُظهر شخصيات “شقراء” بوصفها النموذج المثالي، مقابل التقليل من شأن مجموعات أخرى ووصمها بأنها “أجنبية” أو “دخيلة”. هذا الأسلوب، بحسب المحامين، يُعيد إنتاج خطاب تاريخي خطير سبق أن أدى إلى نتائج كارثية في أوروبا.
يُعرف خيرت فيلدرز بمواقفه اليمينية المتشددة والمناهضة للإسلام منذ سنوات طويلة، حيث دعا مرارًا إلى حظر بناء المساجد في هولندا، وتشديد الرقابة على الحدود، وفرض قيود صارمة على الهجرة، بل وصل في بعض تصريحاته إلى الدعوة لحظر سفر طالبي اللجوء من دول ذات أغلبية مسلمة. كما اشتهر بخطابه الاستفزازي الذي لا يتجنب الصدام مع الأقليات الدينية والعرقية، وهو ما أكسبه قاعدة انتخابية مؤيدة، وفي الوقت نفسه عرّضه لانتقادات حادة وملاحقات قضائية متكررة.
حزب الحرية الذي يقوده فيلدرز حقق فوزًا كبيرًا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر 2023، حيث حصد نسبة من المقاعد اعتُبرت تاريخية بالنسبة لحزب يميني شعبوي في هولندا. إلا أن هذا الفوز لم يترجم بسهولة إلى تشكيل حكومة، إذ واجه الحزب صعوبات كبيرة في التوصل إلى ائتلاف مع أحزاب أخرى، نظرًا للخلافات العميقة حول برامجه وسياساته المثيرة للجدل.
ويعتقد مراقبون أن مثل هذه الحوادث، وإن كانت تثير الغضب لدى قطاعات واسعة من المجتمع، قد تسهم أيضًا في تعزيز شعبية فيلدرز بين أنصاره، الذين يرون فيه صوتًا قويًا ضد ما يصفونه بـ”الهجرة غير الشرعية” و”أسلمة المجتمع”. من جهة أخرى، يرى معارضوه أن استغلال الرموز التاريخية المثيرة للحساسية، مثل الدعاية النازية، يتجاوز كل الخطوط الحمراء، ويشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الاجتماعي.
النتائج
تعكس هذه القضية الجدل الدائم في أوروبا حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، خاصة في سياق سياسي متوتر تتصاعد فيه النزعات الشعبوية والقومية. فبينما يؤكد فيلدرز وأنصاره على حقهم في التعبير عن آرائهم السياسية، يرى المنتقدون أن هذا الحق لا يمكن أن يكون مبررًا لنشر خطاب يحرض على العنف أو يهمش فئات بعينها من المجتمع.
القضية مرشحة لأن تظل حاضرة في النقاش العام خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات، حيث من المتوقع أن تستغل أطراف مختلفة هذه الواقعة لتأكيد مواقفها، سواء المؤيدة أو المعارضة لفيلدرز. وفي ظل الانقسام المجتمعي الحاد، قد تصبح هذه الحادثة واحدة من أبرز نقاط الجدل في المشهد السياسي الهولندي لعام 2025.
رابط مختصر..
