خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف ـ هل بات حظر حزب البديل من أجل ألمانيا وشيكًا؟
تشير دراسة أعدّتها جامعة كولونيا، استنادًا إلى تقرير صادر عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا، إلى وجود فرصة كبيرة وواقعية لحظر حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD). وبحسب ما ورد في الدراسة التي أعدّها الدستوري ماركوس أوغوريك من مركز أبحاث أجهزة الاستخبارات التابع للجامعة، فإن التقرير يمكن أن يُستخدم كأساس قانوني وجدلي قوي في تحضير دعوى دستورية لحظر الحزب.
تصنيف الحزب كـ”مسعى يميني متطرف مؤكد”
في خطوة تصعيدية، أعلن المكتب الاتحادي لحماية الدستور في مايو 2025 عن قراره تصنيف حزب البديل من أجل ألمانيا رسميًّا بوصفه “مسعى يميني متطرف مؤكد”، أي كحزب يعارض النظام الديمقراطي الحر المنصوص عليه في الدستور الألماني. غير أنّ هذا التصنيف تم تعليقه مؤقتًا بعد رفع الحزب دعوى قضائية تطعن في القرار، في انتظار الحسم القضائي النهائي.
استند التصنيف الجديد إلى تقرير مفصل تجاوز 1100 صفحة، تضمن تحليلات دقيقة لأنشطة وتصريحات السياسيين البارزين في الحزب، وعدد من أعضائه، والتي اعتبرها المكتب دليلاً على انتهاكات دستورية مستمرة. وتظهر هذه الأنشطة، حسب المكتب، توجهًا أيديولوجيًا واضحًا يتعارض مع القيم الدستورية، لا سيما مبدأ الكرامة الإنسانية، التي تُعدّ حجر الأساس في النظام القانوني الألماني.
أدلة دامغة على انتهاكات الحزب
تشير الدراسة الأكاديمية إلى أن التقرير الأمني الصادر عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور يحتوي على 829 دليلاً مختلفًا، تتنوع بين خطابات وتصريحات أدلى بها حوالي 160 عضوًا ومسؤولًا داخل حزب البديل. وقد رأى المحامي أوغوريك أن نحو ثلثي هذه الأدلة تحمل “صلة محتملة أو مؤكدة” بإجراءات الحظر، إذ تُظهر وجود اتجاه عام داخل الحزب يعارض مبدأ الكرامة الإنسانية، ويروّج لخطاب إقصائي ومعادٍ للمهاجرين والأقليات.
وبحسب الدراسة، فإن كثيرًا من هذه التصريحات ذات طبيعة عنصرية أو معادية للأجانب، وهو ما يُعد من العوامل الحاسمة في تحديد مدى توافق أو تعارض الحزب مع المبادئ الأساسية للدستور. ومع ذلك، تُشير الدراسة إلى أن تقييم التصريحات الفردية يظل خاضعًا لتقدير المحاكم، وأنه لا يمكن دائمًا رسم خط فاصل واضح بين حرية التعبير السياسية والسلوك الذي يُمكن تصنيفه على أنه مخالف للدستور.
جدل سياسي حول خطوة الحظر
في الأوساط السياسية، يتواصل الجدل حول مدى جدوى أو خطورة حظر حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يُمثّل القوة السياسية الثانية في البلاد وفقًا لعدة استطلاعات رأي. وقد اتفقت وزارات الداخلية في الحكومة الفيدرالية وولايات ألمانيا على تشكيل فريق عمل مشترك لدراسة تبعات التصنيف الأمني الجديد، والاستعداد للتعامل مع الحزب في حال تثبيت هذا التصنيف قانونيًا.
من مهام هذا الفريق مناقشة قضايا مثل وضع أعضاء الحزب العاملين في أجهزة الدولة، وتأثير انتمائهم السياسي على شروط الوظيفة العامة، بالإضافة إلى ملفات حساسة كـ امتلاك الأسلحة والتصاريح الأمنية الخاصة بالمنتمين للحزب.
في موازاة ذلك، يدفع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم نحو تشكيل فريق عمل موحد على مستوى الدولة والولايات، يُكلّف بجمع أدلة إضافية تدعم الحظر المحتمل، والعمل على بلورة الملف القانوني اللازم لتقديمه إلى المحكمة الدستورية.
في المقابل، يُبدي كل من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) وحليفه الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) تحفظًا واضحًا على الحظر، معبرين عن مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز مكانة الحزب في أوساط ناخبيه، وإعطائه صورة “الضحية” في نظر الجمهور، مما قد يفاقم حالة الاستقطاب السياسي.
صلاحيات المحكمة الدستورية وحدود السياسة
تُجدر الإشارة إلى أن المحكمة الدستورية الاتحادية في ألمانيا هي الجهة الوحيدة المخولة قانونيًا باتخاذ قرار حظر الأحزاب السياسية، وفقًا لأحكام القانون الأساسي الألماني. ويحق لكل من البوندستاغ، والبوندسرات (مجلس الولايات)، والحكومة الاتحادية تقديم طلب الحظر، بناءً على ما يرونه تهديدًا واضحًا للنظام الديمقراطي.
بذلك، يتجه النقاش في ألمانيا إلى مرحلة مفصلية تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والأمنية والسياسية. فحظر حزب يُمثل شريحة كبيرة من الناخبين يظل خطوة بالغة الحساسية، وقد تترك آثارًا عميقة على المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد. ومع تصاعد الأصوات المناهضة لليمين المتطرف، تظل الخيارات القانونية مفتوحة، بينما تترقب ألمانيا قرار المحكمة الذي قد يُعدّ سابقة سياسية وتاريخية.
النتائج
يمثل تصنيف حزب البديل من أجل ألمانيا كـ”مسعى يميني متطرف مؤكد” نقطة تحول في العلاقة بين الدولة الألمانية وهذا الحزب، الذي بات يحظى بشعبية متزايدة في استطلاعات الرأي.
تسلط الدراسة الضوء على إمكانية قانونية فعلية لحظر الحزب، وهو ما قد يشكل سابقة في تاريخ الديمقراطية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.
غير أن المضي في مسار الحظر محفوف بالمخاطر السياسية. فالحظر، رغم مشروعيته الدستورية، قد يُفسَّر من قبل مؤيدي الحزب كمحاولة لإسكات المعارضة، مما يمنح الحزب زخمًا انتخابيًا أكبر تحت شعار “الاضطهاد السياسي”.
في الوقت نفسه، يتطلب النجاح القانوني لقرار الحظر أدلة دامغة تُثبت أن الحزب يُهدد النظام الديمقراطي بشكل فعلي، وليس مجرد تبني خطاب شعبوي حاد.
مستقبلاً، ستُراقب المحكمة الدستورية بدقة كل خطوة، وسيكون للتوازن بين الأمن الدستوري وحرية التعبير الكلمة الفصل. وفي حال فشل محاولة الحظر، قد يؤدي ذلك إلى تقوية الحزب سياسيًا، لذا يجب أن يكون القرار مدروسًا بدقة، مع توفير دعم سياسي ومجتمعي واسع له، حتى لا تنقلب الأهداف المرجوة إلى نتائج عكسية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107891
