خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف ـ ما حجم التطرف اليميني داخل الجيش الألماني؟
شهد الجيش الألماني في عام 2024 تصاعدًا ملحوظًا في عدد حوادث التطرف اليميني، وهو ما أثار قلق الأوساط السياسية والأمنية في البلاد. ووفقًا لرد غير منشور حتى الآن من الحكومة الاتحادية الألمانية على استفسار برلماني تقدّمت به النائبة زادا صالحوفيتش، عضوة حزب اليسار في البوندستاغ، تم فصل ما يقرب من 100 جندي من الخدمة خلال هذا العام بسبب تورطهم في حوادث ذات طابع يميني متطرف. وفي عام 2023، كان عدد حالات الفصل المشابهة قد بلغ 62 فقط، مما يعني أن الزيادة بين العامين تتجاوز 60%، وهي نسبة تثير القلق وتشير إلى تصاعد مقلق في هذه الظاهرة داخل صفوف القوات المسلحة الألمانية.
لا تقتصر المسألة على حالات الفصل فقط، إذ أفادت وزارة الدفاع الألمانية بأنها أحصت نحو 280 حالة يُشتبه بتورط أصحابها في أنشطة يمينية متطرفة خلال هذه الفترة، ما يُمثل ارتفاعًا بنسبة 30% مقارنة بعدد الحالات المُسجلة.
يُعزز هذا الرقم الاتجاه الذي سبق التنبيه إليه في تقرير الدفاع السنوي، والذي أشار إلى تزايد مؤشرات التطرف اليميني في المؤسسة العسكرية، وهو ما يُمثل تهديدًا صريحًا للأمن الداخلي ولدور الجيش كمؤسسة حامية للديمقراطية والنظام الدستوري في ألمانيا.
طبيعة ومخاطر التطرف اليميني
تتنوع الحالات التي تم رصدها من حيث طبيعتها وخطورتها، حيث تراوحت بين التصريحات العنصرية العلنية وإظهار تحية هتلر النازية، وهو فعل يُجرَّم في القانون الألماني. فعلى سبيل المثال، وُثّقت حالة جندي يخدم في مدينة كولونيا قام مرارًا بغناء أغنيات يمينية متطرفة، ورفع ذراعه مُجسِّدًا التحية النازية خلال إحدى المناسبات في شهر مايو 2024، وقد تم تأكيد صحة هذه الحادثة ضمن 17 حالة موثقة مشابهة. كما وردت تقارير عن نحو 50 حالة أخرى يُشتبه أن مرتكبيها قاموا بأداء تحية هتلر، ولكن لم يتم إثباتها بشكل نهائي.
ما يزيد من حدة القلق هو أن عددًا كبيرًا من الجنود المتورطين في هذه الأفعال احتفظوا في البداية بإمكانية الوصول إلى الأسلحة العسكرية، وهي مسألة حساسة للغاية في ظل خطورة الجمع بين الفكر المتطرف والتدريب العسكري والأسلحة. وبحسب بيانات الوزارة، فإن أكثر من 60 جنديًا كانوا لا يزالون قادرين على الوصول إلى السلاح عند الاشتباه بسلوكهم المتطرف، فيما استمر أكثر من 20 آخرين في أداء وظائفهم كمدربين أو قادة داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن تُتخذ بحقهم إجراءات لاحقة.
تجدر الإشارة إلى أن هذه البيانات تتعلق بالجنود العاملين فقط، في حين لم تشمل الإحصاءات الحالية قوات الاحتياط، ما يفتح الباب أمام احتمالية أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير من المعلن. وتُخطط وزارة الدفاع لإصدار تقرير شامل ومُفصل من مكتب التنسيق المختص في شهر سبتمبر 2025، يُفترض أن يُقدم صورة أكثر دقة وشفافية حول حجم المشكلة وانتشارها.
التطورات “مقلقة للغاية”
وصفت النائبة صالحوفيتش من حزب اليسار هذه التطورات بأنها “مقلقة للغاية”، مؤكدة أن السماح للجنود المشتبه في تطرفهم بالاستمرار في حمل السلاح أو تدريب غيرهم يُعد إخفاقًا خطيرًا على مستوى الرقابة والانضباط داخل الجيش. وقالت: “لا ينبغي السماح لأي شخص يُنكر القيم الديمقراطية أن يرتدي الزي العسكري أو يمتلك القدرة على استخدام الأسلحة”. وأضافت: “أن الجيش يجب أن يكون مؤسسة منفتحة تحترم حقوق الإنسان وتنبذ كل أشكال التطرف والكراهية”.
الحوادث “منخفضة نسبيًا”
ردّت وزارة الدفاع بأن عدد هذه الحوادث لا يزال يُعتبر “منخفضًا نسبيًا” إذا ما قورن بالعدد الإجمالي للموظفين في الجيش، والذين يبلغ عددهم نحو 180 ألف جندي محترف بالإضافة إلى 80 ألف موظف مدني، وهو ما يجعل النسبة المئوية للحوادث ضئيلة نسبيًا. إلا أن المتحدثة باسم الوزارة أكدت في تصريح رسمي أن: “كل حالة تطرف هي حالة أكثر من اللازم، ولا يمكن التساهل معها بأي شكل من الأشكال. إن مكافحة التطرف اليميني داخل الجيش تظل أولوية قصوى بالنسبة لنا”.
ضرورة تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية لمواجهة التطرف اليميني
شدد هينينغ أوتي، مفوض شؤون الجيش في البوندستاغ عن الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU)، على ضرورة تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية لمواجهة هذه الظاهرة. ولفت إلى أن إصلاح قانون الجنود لعام 2023 ساهم بشكل فعّال في تسهيل إجراءات فصل الجنود المتطرفين أو إيقافهم مؤقتًا.
أضاف أوتي: “أن هناك حاجة مُلحّة لتسريع وتيرة المعالجة من قبل الجهات المختصة، لا سيما جهاز مكافحة التجسس العسكري (BAMAD) الذي يُعتبر الأداة الأساسية للكشف المبكر عن التوجهات المتطرفة داخل الجيش، داعيًا إلى تزويد هذا الجهاز بالموارد البشرية والفنية اللازمة حتى يتمكن من أداء مهامه بكفاءة”.
التطرف اليميني تحدي لا يقل أهمية عن التحديات الأمنية
يلاحظ أن مسألة التطرف اليميني لم تعد محصورة في الهامش، بل أصبحت قضية مطروحة بوضوح في النقاش العام والسياسي في ألمانيا. وقد سبق أن أثارت قضايا مشابهة جدلاً واسعًا في السنوات الماضية، خصوصًا في ظل محاولات بعض الخلايا المتطرفة التسلل إلى مؤسسات الدولة بما فيها الشرطة والقوات الخاصة.
تُشكّل عودة الخطاب اليميني المتشدد في أوروبا تحديًا لا يقل أهمية عن التحديات الأمنية والاقتصادية الأخرى، لا سيما في مرحلة ما بعد صعود الحركات الشعبوية وتنامي مظاهر العنصرية في الخطاب العام.
إن الوضع الراهن يفرض على الحكومة الألمانية وقوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية التكاتف من أجل بناء استراتيجية متكاملة لا تقتصر على رصد ومعاقبة الحالات المتطرفة، بل تشمل برامج تثقيف وتدريب تهدف إلى ترسيخ قيم الديمقراطية والتعددية والتسامح داخل الجيش ومؤسسات الدولة عمومًا.
ومن المنتظر أن يشكّل التقرير المرتقب في سبتمبر 2025 مرجعًا مهمًا لصناع القرار، وقد يكون حاسمًا في بلورة إصلاحات إضافية تضمن مزيدًا من الشفافية والرقابة داخل المؤسسة العسكرية. فمسؤولية الجيش لا تقتصر على الدفاع عن الحدود، بل تشمل الدفاع عن القيم التي تقوم عليها الدولة.
النتائج
يعكس التقرير تنامي ظاهرة التطرف اليميني داخل الجيش الألماني، وهي ظاهرة مقلقة تهدد ليس فقط المؤسسات العسكرية، بل استقرار المجتمع والديمقراطية الألمانية ككل.
ارتفاع عدد الحالات إلى 97 في عام واحد يُظهر ضعفًا في آليات الكشف المبكر، على الرغم من الإجراءات القانونية والتدابير الاستباقية للكشف عن التطرف داخل الجيش الألماني.
إذا استمر هذا الاتجاه دون تدخل حاسم، فقد يؤدي إلى تقويض الثقة في الجيش، خاصة مع بقاء بعض المتهمين في مواقع حساسة كالتدريب.
يُحتمل أن تزداد الضغوط السياسية والمجتمعية على الحكومة لاتخاذ تدابير أكثر صرامة، بما في ذلك تعزيز الرقابة وتطوير أجهزة الاستخبارات العسكرية.
مستقبليًا، قد يُعاد النظر في طريقة اختيار الجنود وتأهيلهم الأيديولوجي، كما قد تُفرض إجراءات عزل أسرع عند الشبهات.
إذا لم تتم معالجة هذه الظاهرة بفعالية، فقد تُستغل من قبل جهات داخلية وخارجية لتشويه صورة الجيش الألماني وإثارة الفوضى. التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين الحريات الفردية والضوابط الأمنية
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108192
