خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف ـ “جيل ألمانيا”، إلى أين يتجه الجناح الشبابي الجديد لحزب البديل؟
أراد حزب البديل من أجل ألمانيا أن يسلك مسارًا جديدًا بإعادة تنظيم منظمته الشبابية، في محاولة لإعادة تقديم نفسه أمام الرأي العام كحزب يسعى لتجديد هياكله وتغيير صورته المثيرة للجدل. ورغم هذا الإعلان السياسي، فإن هيئة حماية الدستور في تورينغن رصدت منذ اللحظة الأولى مؤشرات واضحة على وجود توجهات يمينية متطرفة داخل منظمة الشباب الجديدة التي أسسها الحزب تحت اسم “جيل ألمانيا”. وقد أثار هذا التأسيس سلسلة من ردود الفعل داخل مؤسسات الأمن الداخلي الألمانية، نظرًا لحساسية العلاقة بين الحزب وهذه المؤسسات منذ سنوات.
“جيل ألمانيا” لا يختلف فعليًا عن “البديل الشبابي”
صرّح ستيفان كرامر، رئيس مكتب حماية الدستور في ولاية تورينغن، في الثاني من ديسمبر 2025 في ضوء الحدث التأسيسي الذي عُقد في مدينة غيسن: “ربما يجب علينا أن نفترض أن هذه منظمة خليفة، هذه المرة تحت حماية امتياز الحزب الدستوري كمنظمة شبابية لحزب البديل لألمانيا”. هذا التصريح يعكس حالة الشك العميقة التي تسيطر على الأجهزة الأمنية تجاه أي محاولة من الحزب لتنظيم جناح شبابي جديد، خصوصًا أن التجربة السابقة انتهت بتصنيف المنظمة youth wing السابقة ككيان يميني متطرف. تابع كرامر موضحًا: “أن مراجعة أولية للمساهمات والتصريحات والأشخاص الحاضرين في الفعالية التأسيسية، بما في ذلك أولئك المنتمين إلى الطيف اليميني المتطرف، لم تُظهر أي مؤشرات على حدوث تحول أو اعتدال في التوجهات الفكرية للمنظمة الجديدة”. أضاف كرامر: “أن جيل ألمانيا لا يختلف فعليًا عن البديل الشبابي الذي صنفه مكتب حماية الدستور سابقًا على أنه مسعى متطرف من أقصى اليمين، مما يعزز فرضية الاستمرارية التنظيمية والفكرية بين الهيئتين، رغم محاولات الحزب لإعادة الهيكلة وتغيير الاسم”.
موجة انتقادات واسعة
أثارت إحدى الحوادث في الاجتماع التأسيسي موجة انتقادات واسعة، إذ ظهر مرشح مجلس الإدارة ألكسندر آيشفالد بخطاب يحمل تلميحات واضحة للطابع النازي، مستخدمًا لهجة قريبة من خطاب أدولف هتلر. قد شكل هذا الظهور محور نقاش خاص داخل الاجتماع وخارجه، ما دفع زعيم حزب البديل من أجل ألمانيا، تينو شروبالا، إلى الإعلان عن فتح تحقيق داخلي في الحادثة. غير أن كرامر أكد أن المشكلة ليست في خطاب واحد، بل في مجمل الخطابات والمداخلات التي حملت طابعًا قوميًا عرقيًا وتلميحات تُذكّر بالمبادئ التوجيهية لشباب هتلر. لفت كرامر إلى أن اختيار أعضاء القيادة الجديدة والرسائل المركزية التي قدموها تعكس بوضوح استمرار التعاطف مع حركة الهوية اليمينية المتطرفة، وهي إحدى الحركات المعروفة بتوجهاتها الراديكالية داخل أوروبا. وأشار إلى أن هذه العناصر مجتمعة لا تترك مجالًا للشك في استمرار التطرف داخل المنظمة الجديدة، رغم محاولات الحزب تقديمها كهيكل شبابي حديث ومنفتح.
موقف المكتب الاتحادي لحماية الدستور أكثر حذرًا
أما على المستوى الاتحادي، فيأتي موقف المكتب الاتحادي لحماية الدستور أكثر حذرًا، إذ يخضع لتحفظ قانوني يمنعه من التصنيف المسبق لمنظمة لم تتضح أنشطتها بالكامل بعد. فقد ورث “جيل ألمانيا” موقع “البديل الشبابي” السابق، وهي المنظمة التي صنفها المكتب الاتحادي كمنظمة يمينية متطرفة مؤكدة، والتي كانت تعمل آنذاك بشكل مستقل كجمعية مسجلة، ما سهّل إمكانية حظرها من قبل وزارة الداخلية الاتحادية. وبعد انفصال الحزب عنها خلال العام 2025، تم حل المنظمة نهائيًا، ليأتي تأسيس “جيل ألمانيا” كخطوة تجعل الجناح الشبابي الجديد جزءًا رسميًا من الحزب، الأمر الذي يضع عراقيل قانونية أمام أي محاولة لحظره مستقبلًا.
رغم الأسئلة المتزايدة حول ما إذا كان “جيل ألمانيا” سيُصنف تلقائيًا كمنظمة يمينية متطرفة مشتبه بها، تجنب المكتب الاتحادي لحماية الدستور الإدلاء بأي تعليق حاسم. وقال في نوفمبر 2025: “لا يمكن تقييم التوجه الأيديولوجي وأنشطة منظمة شبابية لم تُؤسَّس بعد”، مؤكدًا أن عملية المراجعة مستمرة لتحديد ما إذا كانت الشروط الأساسية للمراقبة متوافرة. وعندما طُرحت الأسئلة ذاتها مجددًا بعد التأسيس، أكدت الهيئة أنه “لا توجد معلومات جديدة بشكل أساسي” وأنها لا تُعلق في الوقت الحالي.
تكشف النتائج والتحليلات التي ترافق هذا التطور عن استمرار حالة التوتر بين حزب البديل لألمانيا ومؤسسات الأمن الداخلي. فظهور “جيل ألمانيا” لم يُحدث أي تحول في الصورة الذهنية التي تملكها الأجهزة الأمنية عن الحزب، بل بدا استمرارًا لهيكل شبابي يحمل الخطاب ذاته ويجذب الفئات نفسها التي تندرج في الطيف اليميني المتطرف. وتمثل الإشارات المرتبطة بالنازية، واستحضار مصطلحات قومية عرقية، وتعاطف بعض الأعضاء مع حركة الهوية، مؤشرات خطيرة بالنسبة للأجهزة التي ترى في ذلك تهديدًا مباشرًا للنظام الدستوري.
من المتوقع أن تتصاعد هذه المواجهة خلال الفترة المقبلة، إذ ستستمر هيئة حماية الدستور في تكثيف المراجعات والرقابة على المنظمة الجديدة، بينما قد يلجأ الحزب إلى تحويل هذه المواجهة إلى ورقة سياسية، زاعمًا أن الدولة تستهدفه لأسباب سياسية. وستعتمد نتائج هذه المواجهة على قدرة مؤسسات الدولة على تقديم أدلة قانونية واستراتيجية واضحة تُبرر خطواتها، وعلى قدرة الحزب على تعبئة قاعدته الانتخابية عبر رواية المظلومية السياسية. وفي ظل استمرار الاستقطاب داخل المشهد الألماني، تبدو هذه القضية مرشحة لأن تكون محورًا مؤثرًا في النقاش العام حول حدود الشرعية السياسية ومخاطر التطرف في ألمانيا.
النتائج
يشير المشهد الذي تكشفه التطورات المتعلقة بتأسيس منظمة الشباب الجديدة لحزب البديل من أجل ألمانيا إلى استمرار حالة التوتر المتصاعدة بين مؤسسات الأمن الداخلي الألمانية والحزب اليميني الشعبوي، خاصة في ظل التقييمات المتكررة التي تصدرها هيئات حماية الدستور بشأن مؤشرات التطرف داخل الهياكل التنظيمية المرتبطة بالحزب. فظهور منظمة “جيل ألمانيا” كبديل رسمي للمنظمة السابقة التي صُنِّفت ككيان يميني متطرف، لم يؤدِّ في تقدير الأجهزة الأمنية إلى أي تحول جوهري في الخطاب أو التوجهات، بل على العكس؛ أظهرت المراجعة الأولية أن العديد من الرموز والحضور والخطابات يعيدون إنتاج أنماط معروفة في خطاب اليمين المتطرف، بما في ذلك الإشارات القومية العرقية واستدعاء رموز وتلميحات مرتبطة بفترة النازية والشباب الهتلري.
تعكس التصريحات الصادرة عن رئيس مكتب حماية الدستور في تورينغن مستوى عالياً من القلق المؤسسي، فالجهاز الاستخبااتي لا يرى فقط غياب الاعتدال، بل يتحدث بوضوح عن استمرارية تنظيمية وفكرية بين المنظمة الجديدة وسابقتها، رغم محاولة الحزب تغيير الهيكل والمسميات. ويبدو أن الخطر من وجهة نظر الأجهزة لا يتعلق بحادثة فردية، مثل خطاب المرشح الذي قلد لهجة هتلر، بل بالجو العام المسيطر على الفعالية التأسيسية، وما تخللها من رسائل وتقارب مع طيف يميني متطرف معروف بولائه لحركة الهوية ومجموعات قومية راديكالية.
تعد العلاقة بين حزب البديل وأجهزة حماية الدستور مرشحة لمزيد من التوتر القانوني والسياسي. فكون “جيل ألمانيا” منظمة شبابية داخل الحزب يجعل حظرها أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية، وهو ما قد يدفع الأجهزة الأمنية إلى تكثيف المتابعة بدلاً من الحل الإداري المباشر. وفي المقابل، قد يستثمر الحزب هذا الوضع لصياغة سردية سياسية تعزز قاعدته الانتخابية، عبر اتهام المؤسسات الأمنية بـ”التسييس” وهو أسلوب سبق أن تبناه في انتخابات محلية وفيدرالية.
من المرجح أن تستمر ألمانيا في تشديد الرقابة على أنشطة الحزب ومنظماته الفرعية، خاصة إذا أظهرت المؤشرات استمرار اندماج الحزب مع شبكات اليمين المتطرف. كما أن أي تصاعد في الأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية قد يوفر بيئة خصبة لانتشار الخطابات الشعبوية التي يوظفها الحزب بمهارة. وفي المقابل، فإن قدرة مؤسسات حماية الدستور على تقديم أدلة واضحة ومتابعة قانونية دقيقة ستحدد مسار المعركة بين الدولة وهذه التيارات، ومسار النقاش العام حول حدود حرية التعبير والعمل السياسي داخل النظام الديمقراطي الألماني.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112270
