المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف ـ تنامي الجرائم ذات الدوافع السياسية، تحولات في المشهد الأمني الألماني
استُهدفت عدة أحزاب سياسية بهجمات خلال عطلة عيد الفصح. ويجري جهاز أمن الدولة تحقيقا في الأمر للاشتباه في تورط متطرفين يمينيين في أعمال عنف. فخلال عطلة عيد الفصح، تعرضت مكاتب أحزاب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU، والحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD، وحزب اليسار، وحزب الخضر، وحزب جنوب غرب ألمانيا في فلنسبورغ للتخريب. كما طال التخريب المقر الرئيسي للحزب الاشتراكي الديمقراطي في كيل. وخلال أبريل 2026 شن هجمات تخريبية على مكاتب فلنسبورغ بالطلاء، ووُضعت ملصقات يمينية متطرفة على بعض واجهاتها، وفقا لما أفاد به الحزب الاشتراكي الديمقراطي في فلنسبورغ. كما تضررت نافذة في مكتب حزب الخضر. تم اكتشاف الأضرار في كيل، وأُبلغت الشرطة. كما عُثر على آثار زجاجات مولوتوف في عدة مكاتب. ووفقا للشرطة، لم يندلع حريق كبير، لكن واجهات المباني تعرضت لأضرار طفيفة. ويجري جهاز أمن الدولة تحقيقا في الحادث.
فلنسبورغ: المزيد من هجمات الحرق المتعمد
أفاد الحزب الاشتراكي الديمقراطي بوقوع المزيد من هجمات الحرق المتعمد على مكاتب الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر وحزب اليسار. وقالت أنابيل بيشر، رئيسة حزب الخضر في فلنسبورغ: “هذه الهجمات على مكاتب حزبنا جبانة وتؤثر على كل من يلتزم بمجتمعنا الديمقراطي”. أكدت أوتا وينزل، رئيسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في فلنسبورغ، قائلة: “نحن الأحزاب الديمقراطية نقف صفا واحدا، جنبا إلى جنب. ندين العنف بكل أشكاله ودون استثناء”. وأضافت أن العمل المنسق ضد جميع الأحزاب الديمقراطية يُعد تجاوزا لن يُتسامح معه. وصرحت السياسية المنتمية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي قائلة: “إن محاولة استغلال ألواننا الوطنية لهذا الغرض عمل خبيث للغاية. فالأسود والأحمر والذهبي لا ترمز إلى الإقصاء، بل إلى الحرية والديمقراطية والتنوع”.
يتحدث حزب SPD في فلنسبورغ عن “تصعيد جديد”
كما رد رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الولاية، أولف كامبفر، بشكل واضح قائلا: “إن أولئك الذين يلحقون الضرر بالمكاتب، أو يرتكبون هجمات حرق متعمد، أو يضعون عليها رموزا يمينية متطرفة، لا يهاجمون أحزابا بعينها، بل يهاجمون أساس تعايشنا”. وتابع “إن وقوع هجمات حرق متعمد في فلنسبورغ وتعريض حياة الناس للخطر يُظهر مستوى جديدا من التصعيد. أدين هذا بأشد العبارات الممكنة”، هكذا صرّح كامبفر. أما رد الحزب الاشتراكي الديمقراطي فكان واضحا: “لن نرضخ للترهيب، وسنواصل الدفاع عن ديمقراطية منفتحة ومتنوعة وقادرة على الصمود”. أدانت وزيرة الداخلية ماغدالينا فينكه بشدة أعمال التخريب ومحاولة الحرق العمد. وأكدت السياسية المنتمية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي: “نقف صفا واحدا مع المتضررين. يجب أن نوضح بشكل قاطع أننا لن نقبل أبدا بمثل هذه الاعتداءات على ديمقراطيتنا”. ولذلك، ستتم مقاضاة مرتكبي هذه الاعتداءات ومعاقبتهم بشدة.
الهجمات ذات الدوافع السياسية تتصاعد
أصبح التعامل مع السياسيين في ألمانيا أكثر صعوبة على نحو متزايد، حيث تقدم وزارة الداخلية الاتحادية أرقامًا مثيرة للقلق حول الهجمات السياسية، شهدت الجرائم ضد الموظفين العموميين والممثلين المنتخبين زيادة كبيرة مرة أخرى في ألمانيا خلال العام 2024، وزادت الهجمات خاصة في ولاية سكسونيا السفلى وبريمن. هذه هي نتيجة التقييم الأولي الذي أجرته وزارة الداخلية الاتحادية ردًا على طلب من مارتينا رينر، عضو البرلمان الألماني عن حزب اليسار خلال فبراير 2025، كما ذكرت شبكة التحرير الألمانية (RND). وبناء على ذلك، سجل المكتب الفيدرالي للشرطة الجنائية (BKA) ما مجموعه 4923 جريمة من هذا القبيل في 31 ديسمبر 2024. وبحلول نفس التاريخ من عام 2023، كان هناك 4047 جريمة ضد الموظفين العموميين والممثلين المنتخبين.
يمثل هذا زيادة قدرها أكثر من 20 بالمائة على أساس سنوي. ويشمل المسؤولون والممثلون المنتخبون رؤساء البلديات ومديري المقاطعات وأعضاء مجالس المدن وأعضاء البرلمان. تمكنت قوات الشرطة الحكومية من الإبلاغ عن مثل هذه الجرائم من العام 2024 إلى المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية حتى نهاية شهر يناير. ومن المرجح أن يرتفع هذا العدد، الذي لا يزال مؤقتا حتى الآن. وبحسب المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، تم تسجيل معظم الجرائم في بافاريا (747) وبادن فورتمبيرغ (633)، تليها شمال الراين وستفاليا (540) وبرلين (533). وفي ولاية سكسونيا السفلى، بلغ عدد الجرائم 444 (406 في العام 2024)، وفي بريمن 55. يقول رينر على خلفية التصويت في البوندستاغ على مشروع قانون الهجرة خلال العام 2025: “إن التحريض الدائم ضد المؤسسات الديمقراطية، مثل وضع علامة على نواب الحزب الديمقراطي المسيحي/الحزب الديمقراطي الحر مؤخرًا باعتبارهم منحرفين من خلال صور على غرار مناهضة الفاشية، يغذي موجة واسعة من الهجمات على المسؤولين المنتخبين”.
النتائج
تشير التطورات إلى تصاعد مقلق في الهجمات ذات الدوافع السياسية داخل ألمانيا، وهو ما يعكس تحولا أوسع في طبيعة التهديدات الموجهة للنظام الديمقراطي. فاستهداف مكاتب الأحزاب الرئيسية مثل الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر وحزب اليسار، لا يمثل مجرد أعمال تخريب معزولة، بل يعكس نمطا متناميا من العنف السياسي الذي يستهدف رموز المشاركة الديمقراطية ذاتها.
من المرجح أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعزيز إجراءات الأمن حول المقرات الحزبية والمؤسسات السياسية، إضافة إلى توسيع صلاحيات أجهزة الأمن الداخلي في تتبع الجماعات المتطرفة، خصوصا اليمينية منها. كما قد يدفع ذلك الأحزاب السياسية إلى رفع مستوى التنسيق فيما بينها في مواجهة ما تعتبره تهديدا مشتركا للنظام الديمقراطي.
غير أن هذا المسار الأمني وحده قد لا يكون كافيا لمعالجة جذور الظاهرة. فالمؤشرات المرتبطة بارتفاع عدد الجرائم ضد المسؤولين المنتخبين تعكس حالة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي المتزايد، يغذيها الخطاب المتشدد على منصات التواصل الاجتماعي وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية.
إذا استمرت هذه الاتجاهات دون معالجة سياسية ومجتمعية شاملة، فقد يشهد المشهد الألماني مزيدا من الهجمات منخفضة أو متوسطة الشدة تستهدف الفضاء السياسي. على المدى المتوسط، قد تتحول هذه الأحداث إلى عامل ضغط يدفع نحو إعادة تعريف مفهوم “أمن الديمقراطية” في ألمانيا.
لن تقتصر التدابير الامنية على الحماية الأمنية فقط، بل ستشمل كذلك مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التربية المدنية. كما قد تصبح مسألة حماية السياسيين والعاملين في المجال العام جزءا أساسيا من النقاش السياسي الوطني. في المقابل، فإن استمرار مثل هذه الهجمات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال زيادة التصلب السياسي وتراجع هامش الحوار، ما يضع الديمقراطية الألمانية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الصمود أمام التهديدات الداخلية المتنامية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117068
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
