المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين المتطرف ـ إلى أي حد يؤثر على استقرار المجتمع الألماني؟
تتشكل مبادرات من أجل الديمقراطية في جميع أنحاء ألمانيا، ومناهضة التطرف اليميني. ونتيجة لذلك، يواجه العديد من المشاركين عداء، كما يظهر تحليل أجرته مؤسسة أماديو أنطونيو. تتركز الهجمات على مراكز الشباب، وتهديدات في الشوارع، وتشهير في البرلمانات: وفقا لتحليل أجرته مؤسسة أماديو أنطونيو، تواجه مبادرات المجتمع المدني ضغوطا ممنهجة من اليمين المتطرف. وقالت ليا لوخاو، خبيرة المؤسسة في شؤون التطرف اليميني، إن الهدف هو “شل المشاركة المدنية تماما”. سجل تحليل بعنوان “المجتمع المدني كصورة عدو” 112 حادثة العام 2025، 56 منها في الولايات الألمانية الشرقية و14 في برلين. ووفقا للتقرير، وقعت 42 حادثة في ألمانيا الغربية. وأوضحت لوخاو أن هذا الرقم يشمل الحالات التي تم الإبلاغ عنها في وسائل الإعلام، لكنها تشتبه كذلك في وجود عدد كبير من الحوادث غير المبلغ عنها. وتشمل هذه الحوادث “التدخلات السياسية” كالحملات والتشهير، بالإضافة إلى “الاعتداءات العنيفة” بما فيها التهديدات والاعتداءات الجسدية.
المؤسسة نفسها تتعرض لضغوط
تعمل المؤسسة ضد التطرف اليميني والعنصرية ومعاداة السامية منذ عام 1998، وهي في صراع دائم مع حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD). في نهاية عام ٢٠٢٥، قدم حزب البديل من أجل ألمانيا اقتراحا إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) لقطع التمويل عن المؤسسة بالكامل بسبب “احتمالية وجود صلات لها ببيئة سياسية متطرفة”. كما تتأثر المؤسسة كذلك بتخفيضات برنامج “الديمقراطية باقية!” الفيدرالي، التي أعلنتها وزيرة الأسرة كارين برين من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU. من وجهة نظر المؤسسة، تسعى قوى اليمين المتطرف إلى تشويه سمعة المبادرات الممولة من الدولة عمدا، ووصفها بأنها يسارية أو متطرفة. ومع ذلك، تنص الوثيقة المكونة من 16 صفحة على ما يلي: “أقل من 2% من منظمات المجتمع المدني في ألمانيا تعتبر نفسها فاعلة في صنع القرار السياسي. أما الأغلبية فتنشط في مجالات الرياضة والثقافة والتعليم والخدمات الاجتماعية”. تنتقد الورقة البحثية محاولات الترهيب في البرلمانات، كالتحقيقات أو المقترحات. ويشير التحليل إلى أن هذه المحاولات تسهم في حالة عدم اليقين واحتمالية فرض رقابة ذاتية داخل المبادرات. وعلى الصعيد المحلي، يلجأ بعض الفاعلين إلى العداء، بل وحتى الاعتداءات الجسدية، ضد الجماعات الناشطة ضد المتطرفين اليمينيين. وقال لوخاو: “هذا صراع واسع النطاق؛ فهو يؤثر على جميع المستويات ويمتد على مستوى البلاد”.
الاعتداءات أصبحت أكثر حدة
على وجه التحديد، تشمل المشكلات رسائل تهديد بما في ذلك تهديدات بالقتل وملصقات تحمل صور الموظفين، ومضايقات في الشارع، كما أوضح باستي دروم، وهو موظف في مركز هولر للتواصل في كوسيل، راينلاند بالاتينات. وأضاف: “أصبحت هذه الاعتداءات أكثر شيوعا”. ووفقا له، يعد المركز مصدرا للمعلومات للاجئين، وكذلك للسكان المحليين ذوي الموارد المالية المحدودة. أفادت كاثارينا كونيغ، من جمعية “لوسماشن” في لوساتيا، بتلقيها تهديدات بالقتل واعتداءات جسدية. ويتعرض أعضاء المبادرات المناهضة للتطرف اليميني للإهانة. وقالت: “هذا أمر طبيعي نسبيا”. وأضافت كونيغ أنها ترغب في الحصول على المزيد من الدعم من الأحزاب الديمقراطية. وتعد التخفيضات التي يعتزم برين إجراؤها على حملة “الديمقراطية تعيش!” “جزءا آخر من خيبة الأمل التي أشعر بها لأن عملنا لا يقدر فحسب، بل يشوه سمعته كذلك”. أوضحت برين إعادة هيكلة برنامج “ديمقراطية مباشرة!” قائلة إنها أرادت الوصول إلى “الوسط الصامت” بشكل أكثر فعالية. وصرحت لصحيفة “تاز”: “لقد ترسخ انطباع بأن البرنامج يميل أكثر نحو الوسط اليساري الليبرالي”. ومع ذلك، صرحت السياسية المنتمية إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في البوندستاغ: “أنا كذلك ما زلت أرى أن التطرف اليميني هو أكبر تهديد لديمقراطيتنا”.
النتائج
تشير المعطيات إلى اتجاه مقلق في تصاعد الضغوط على مبادرات المجتمع المدني، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة استشرافية لمستقبل العلاقة بين الديمقراطية والتيارات المتطرفة. من المرجح أن يستمر هذا التصعيد في المدى القريب، خاصة في ظل تنامي حضور الخطاب الشعبوي وتزايد الاستقطاب السياسي داخل المجتمعات الأوروبية.
في حال استمرار هذه الضغوط دون استجابة مؤسسية قوية، قد نشهد تراجعا تدريجيا في مساحة العمل المدني، حيث تميل بعض المبادرات إلى تقليص أنشطتها أو اعتماد قدر من الرقابة الذاتية تجنبا للمخاطر. هذا السيناريو قد يضعف من قدرة المجتمع المدني على أداء دوره الرقابي والتوعوي ضد التطرف، وهو ما قد ينعكس سلبا على الحياة الديمقراطية.
في المقابل، يمكن أن يؤدي تصاعد التهديدات إلى نتيجة عكسية، تتمثل في زيادة التضامن بين الفاعلين المدنيين وتعزيز شبكات الدعم بينهم. كما قد تدفع هذه التحديات الحكومات والأحزاب الديمقراطية إلى إعادة تقييم سياساتها وتوفير حماية وتمويل أكبر لهذه المبادرات، خاصة إذا تم إدراك حجم المخاطر التي يشكلها التطرف اليميني على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
على المدى البعيد، سيتوقف المسار على عدة عوامل، من بينها قدرة المؤسسات الديمقراطية على التكيف، وفعالية السياسات التعليمية والإعلامية في مواجهة خطاب الكراهية، إضافة إلى دور القضاء في ردع الاعتداءات. إذا تم التعامل مع هذه التحديات بشكل جاد، فقد تتحول الأزمة إلى فرصة لتعزيز الديمقراطية وتحصينها. أما في حال الإخفاق، فقد نشهد تآكلا تدريجيا في الثقة بالمؤسسات، وهو ما قد يفتح المجال أمام مزيد من التطرف وعدم الاستقرار.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116765
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
