المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين الشعبوي في أوروبا ـ شبكات التمويل وأدوات توسيع النفوذ السياسي
تشهد الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا توسعًا سياسيًا وتنظيميًا متزايدًا، مستفيدة من الدعم الانتخابي والتمويل العام والخاص، إلى جانب التعاون العابر للحدود. تواجه بعض هذه القوى تحقيقات تتعلق بإساءة استخدام الأموال العامة، بينما تواصل المؤسسات الأوروبية مراقبة أنشطتها وسط تصاعد المخاوف بشأن تأثيرها في الديمقراطية والاستقرار السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.
إساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي
كانت السلطات القضائية تنفذ مداهمات في كل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا، في إطار تحقيق يتعلق بشبهات إساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي من قبل تكتل “الهوية والديمقراطية” (ID) اليميني المتطرف السابق. وأعلن مكتب المدعي العام الأوروبي (EPPO) في الأول من 30 يونيو من العام 2026 أنه ينفذ مداهمات في أربع دول، للتحقيق في شبهات اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي من قبل تكتل “الهوية والديمقراطية” (ID) السابق داخل البرلمان الأوروبي. كما أوضح المكتب أن عمليات التفتيش “تأتي في إطار تحقيق مستمر بشأن استخدام أموال الاتحاد الأوروبي من قبل مجموعة سياسية سابقة في البرلمان الأوروبي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2024”.
كان تكتل “الهوية والديمقراطية” قد حل رسميًا عقب انتخابات عام 2024، وخلفه تكتل جديد يحمل اسم “وطنيون من أجل أوروبا” (Patriots for Europe). وضم التكتل السابق أعضاء في البرلمان الأوروبي من عدد من الأحزاب المشككة في الاتحاد الأوروبي، من بينها حزب التجمع الوطني الفرنسي (RN)، وحزب الرابطة الإيطالي (Lega)، وحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD). وكتب جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني ورئيس تكتل “وطنيون من أجل أوروبا”، عبر منصة “إكس” في 30 يونيو من العام 2026، أن “عمليات تفتيش تجري في مكاتب ومنازل مقدمي خدمات الاتصال الذين عملوا معنا”.
وكان مكتب المدعي العام الأوروبي قد أعلن فتح تحقيقات رسمية في يوليو من العام 2026، بعدما نقلت وسائل إعلام عن تقرير للبرلمان الأوروبي أن تكتل “الهوية والديمقراطية” يشتبه في إنفاقه بصورة غير قانونية مبلغًا قدره (4.3) مليون يورو خلال الفترة بين عامي 2019 و2024. وفي ذلك الوقت، اعتبر بارديلا أن التحقيق يمثل “عملية مضايقة جديدة من قبل البرلمان الأوروبي”. ويطمح حزب التجمع الوطني إلى تحقيق أفضل فرصة له للفوز برئاسة فرنسا في العام 2027، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أنه سيتصدر الجولة الأولى من الانتخابات بفارق كبير.
إلا أن زعيمة الحزب والمرشحة الرئاسية ثلاث مرات، مارين لوبان، قد تضطر إلى الانسحاب من السباق، وإفساح المجال أمام بارديلا للترشح بدلًا منها، إذا أيدت محكمة في باريس خلا يوليو من العام 2026 قرارًا يقضي بمنعها من تولي أي منصب عام لمدة خمس سنوات، في قضية منفصلة تتعلق بشبهات وظائف وهمية داخل البرلمان الأوروبي خلال الفترة الممتدة من عام 2004 إلى عام 2016.
اليمين الشعبوي ضد الهجرة والمجتمع الحديث
تقول كاترين فانجن، أستاذة علم الاجتماع بجامعة أوسلو في النرويج والخبيرة في الشبكات العابرة للحدود الوطنية لليمين المتطرف “إن القضايا السياسية الرئيسية التي توحد شبكات اليمين المتطرف هذه تشمل معارضة الهجرة، والقومية، والقيم الأسرية التقليدية، ومناهضة العولمة”. وأوضحت أن “هذه الشبكات لا تسعى من أجل المزيد من النفوذ السياسي فحسب، بل أيضا من أجل الهيمنة الثقافية. وهدفها النهائي هو إعادة تشكيل المشهد الأيديولوجي العالمي لصالح القومية والمحافظة الاجتماعية ومعارضة الديمقراطية الليبرالية”.
ويتعلم اليمين الشعبوي بسرعة من بعضه البعض. ووفقًا لتوماس غريفين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برلين الحرة، فـ”إن الاستراتيجيات والنجاحات التي تحققت في بلد ما سرعان ما تتبناها حركات أخرى، وهو يعتبر أن مدى شبكات اليمين الشعبوي غير مسبوق تاريخيًا”. ويصف غريفين هذه الاستراتيجية: “على سبيل المثال، استراتيجية كبير خبراء دونالد ترامب الاستراتيجيين السابقب “ستيفن بانون” المتمثلة الناجحة للغاية على المستوى الدولي: وهذا يعني إغراق الخصم السياسي باستمرار بالأكاذيب والأفكار الجديدة والعداء”، وأضاف: “هذه الاستراتيجية الاتصالية تستخدم الآن في كل مكان من قبل الجهات الفاعلة في اليمين المتطرف”.
ولا يعتبر هؤلاء الفاعلون الديمقراطية مبدأ، بل يرونها أداة يحتاجون إليها للوصول إلى السلطة. ويعتقدون أنه بمجرد تحقيق ذلك “يجب أن يكون الشخص المنتخب قادرًا على الحكم دون قيود”، بحسب قول جريفين. ويشير إلى رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان كمثال، قائلًا إنه زعم أنه ليس بحاجة إلى التصرف وفقًا للقوانين واللوائح الأوروبية، قائلًا: “لقد انتُخبت بتفويض واضح لإبقاء الهجرة خارج المجر، ولا أريد للمؤسسات الأوروبية أو المحاكم أو مقاومة المجتمع المدني أو أي وسيلة إعلام ممولة من الخارج أن تمنعني من الحكم”.
يوضح جريفين قائلًا: “إن أنصار اليمين الشعبوي منزعجون من حقيقة وجود العديد من العقبات التي تعترض إرادة الأغلبية بسبب تزايد التشريعات القانونية والبيروقراطية والهياكل فوق الوطنية. والهدف هو فرض إرادة الأغلبية هذه في ديمقراطية ذات أغلبية مفرطة أو ديمقراطية غير ليبرالية”.
تمويل اليمين الشعبوي
إن اليمين المتطرف يملك الكثير من الأموال تحت تصرفه لتمويل فكره الأيديولوجي. ومن بين رجال الأعمال المليارديرات الذين يدعمون الفكر الأيديولوجي، أغنى رجل في العالم “إيلون ماسك”. وماسك نفسه لاعب في اليمين الشعبوي. وعلى منصته “إكس” ، يشيد بحزب البديل من أجل ألمانيا، ويدعم اليمين الشعبوي في المملكة المتحدة، ويهاجم الأحزاب الليبرالية. وليس المانحون من القطاع الخاص هم وحدهم الذين يدعمون الشبكات اليمينية. بل إن روسيا والصين متهمتان بتغذية الشبكات الشعبوية اليمينية من أجل زعزعة استقرار المجتمعات الليبرالية.
ولكن اليمين المتطرف يستفيد كذلك من أولئك الذين أعلنهم أعداء له. ففي ألمانيا على سبيل المثال، تعد الدولة المانح الأهم لحزب البديل من أجل ألمانيا. ففي عام 2021، وهو العام الذي شهد الانتخابات العامة السابقة، جاءت نحو 45% من عائدات الحزب من خزائن الدولة: أكثر من 10 ملايين يورو. وفي ألمانيا، تحصل الأحزاب السياسية على الدعم المالي اعتمادا على نجاحها في الانتخابات.
تشير كاترين فانجن، الخبيرة في العلوم السياسية، إلى أن “العديد من الأحزاب اليمينية الشعبوية تتمتع بموارد مالية كبيرة بفضل التمويل الحكومي، الأمر الذي يمكنها من توسيع نطاق وصولها. وعلاوة على ذلك، يوفر لها البرلمان الأوروبي مكانًا للتعاون الدولي، بما في ذلك الوصول إلى موارد إضافية تساعد في دعم جهود التواصل”. في أوائل عام 2025، يبدو أن استراتيجية شبكات اليمين الشعبوي تعمل: فقد أعيد انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وتواصل الأحزاب الشعبوية اليمينية اكتساب الدعم في دول مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والنمسا.
هل من الممكن إيقافهم؟
يقول “توماس جريفين” عالم السياسة “إن هذا غير ممكن. ويشير إلى أن العديد من الأحزاب اليمينية الشعبوية استفادت من حقيقة مفادها أنها لم تضطر قط إلى تولي الحكم، وأنها كانت تتمتع بقدر كبير من السهولة في التعامل مع المعارضة السياسية. ويوضح “جريفين” أن نجاحاتها الانتخابية تخدم في التغطية على العديد من الشقوق في الحركات التي لا تتحد في كثير من الأحيان إلا ظاهريا. ويعتقد جريفين أن القوى المعتدلة قادرة على قلب الأمور رأسًا على عقب. ويحذر قائلًا: “ولكن هناك شرط أساسي لتحقيق هذا: أن تعمل المؤسسات الديمقراطية”.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=120412
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
