المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين الشعبوي في ألمانيا ـ هل يكشف ثغرات حلف الناتو أمام موسكو؟
يضغط حزب اليمين المتطرف على الحكومة للحصول على معلومات حول مناورة أجريت في إستونيا العام 2025 كشفت عن نقاط ضعف قوات الناتو. وقد أثار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) مخاوف أمنية في برلين بعد أن طلب رسميا معلومات حول نقاط الضعف في دفاعات الناتو وهي معلومات من شأنها أن تثبت فائدتها للكرملين. وقد أبدى حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يتخذ في كثير من الأحيان مواقف مواتية لروسيا، اهتماما بتمرين “القنفذ 2025” الذي جرى العام 2025، وهو عملية رئيسية لحلف الناتو في إستونيا، حيث استخدم متخصصون أوكرانيون في الطائرات بدون طيار تكتيكات تعلموها في ساحة المعركة “لتدمير” وحدات الناتو في لعبة حربية.
الأمن والقدرات الدفاعية معرضة للخطر
طلب روديجر لوكاسن، المتحدث باسم حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) لشؤون الدفاع، من الحكومة في 19 فبراير 2026 تقديم إحاطة للجنة الدفاع في البرلمان حول الدروس المستفادة من التدريب. تساءل لوكاسن في رسالته: “ما هي الثغرات في القدرات التي تم تحديدها، لا سيما في مجالات الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وقدرات القيادة، وحماية القوات المتنقلة؟” كما طلب توضيحا بشأن “الثغرات المتبقية في القدرات، وموعد سدّها”. ليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها حزب البديل من أجل ألمانيا مخاوف بشأن التحقيقات التي من شأنها أن تستخلص معلومات تهم روسيا، وقد دق الائتلاف الحاكم في البلاد ناقوس الخطر.
يقول فلوريان دورن، عضو لجنة الدفاع في الكتلة الديمقراطية المسيحية الحاكمة في البلاد، ردا على سؤال حول تحقيق “هيدجهوج 2025”: “مع بعض مقترحات حزب البديل من أجل ألمانيا واستفساراته، يتزايد التساؤل حول الغاية الحقيقية منها، ومن هي الجهة التي تسعى لتحقيق مصالحها. وإذا ما وقعت هذه المعلومات في الأيدي الخطأ، فإنها تعرّض أمننا وقدراتنا الدفاعية للخطر”.
استغلال المعلومات المتاحة لتكوين صورة شاملة
في ظل النظام السياسي الألماني، تتمتع أحزاب المعارضة بصلاحيات واسعة لمطالبة الحكومة بالإجابات. ويحق للوزارات حجب المواد السرية، ولكن يتعين عليها عموما الرد على الاستفسارات الرسمية. لا تقتصر تقييمات التدريبات العسكرية على وصف الأخطاء التي حدثت، بل يمكنها أن تكشف مدى انكشاف وحدات معينة، وسرعة تحييدها، والمدة التي قد تستغرقها معالجة أي مشاكل تم تحديدها. يفترض مسؤولو الأمن الأوروبيون أن روسيا وغيرها من الخصوم يستغلون المعلومات المتاحة للعموم لتكوين صورة شاملة عن أنماط العمليات. وفي حرب الطائرات المسيّرة على وجه الخصوص، حيث تتطور التكتيكات بسرعة وتكون دورات التكيف قصيرة، فإن معرفة مدى استمرار نقاط الضعف قد توفر مزايا استراتيجية.
حذر توماس إرندل، المتحدث باسم الحزب الديمقراطي المسيحي لشؤون السياسة الدفاعية، من المخاطر التي تنطوي عليها هذه المسألة، بما في ذلك “خطر وقوع المعلومات ذات الصلة بالأمن في الأيدي الخطأ”. وأضاف أن الوزارات أصبحت معتادة على تقييم هذه المخاطر عند صياغة ردودها على الاستفسارات البرلمانية. قال مسؤول عسكري كبير في حلف الناتو إن التحقيق لم يثر أي “قلق بالغ” داخل الحلف، لكنه أضاف أن أعضاء الناتو “يرغبون دائما في توخي الحذر بشأن المعلومات التي يتم نشرها علنا”. يأتي الجدل الدائر حول مشروع “القنفذ 2025” في أعقاب نزاعات سابقة قدم فيها نواب حزب البديل من أجل ألمانيا أسئلة مفصلة حول طرق النقل العسكري وحماية البنية التحتية وأنظمة الأمن.
التركيز على البنية التحتية والعسكرية الحساسة
في العام 2025، اتهم وزير الداخلية لولاية تورينجيا في شرق ألمانيا، جورج ماير، حزب البديل من أجل ألمانيا باستخدام الأسئلة البرلمانية “لاستكشاف البنية التحتية الحيوية بشكل منهجي”، زاعما أن الحزب كان يعمل بشكل فعال على تنفيذ ما وصفه بأنه “قائمة مهام الكرملين”. وبحسب تقرير نشرته صحيفة “فيلت” الألمانية، قامت وزارة الداخلية في الولاية بتجميع قائمة تضم 58 تحقيقا أجرتها حركة “البديل من أجل ألمانيا” منذ أكتوبر 2024، والتي قالت إنها تركز على البنية التحتية الحساسة، بما في ذلك أنظمة تكنولوجيا المعلومات الخاصة بالشرطة، وقدرات الدفاع ضد الطائرات بدون طيار، وطرق النقل العسكرية، وشبكات الطاقة، وإمدادات المياه، والحماية المدنية. رفض لوكاسن التلميح بأن الحزب لديه دوافع خفية، واصفا طلبه بأنه أداة روتينية للرقابة البرلمانية. وقال إنه يتعين على المشرعين الاعتماد على التقييمات العسكرية الرسمية بدلا من التقارير الإعلامية من أجل دعم القوات المسلحة من خلال التشريعات وقرارات الميزانية.
النتائج
يثير الجدل حول طلب حزب البديل من أجل ألمانيا معلومات عن تمرين “القنفذ 2025” دلالات أوسع تتجاوز الواقعة نفسها، ليعكس توترا متصاعدا داخل ألمانيا بين متطلبات الشفافية البرلمانية واعتبارات الأمن القومي في بيئة استراتيجية شديدة الحساسية. ومع استمرار حرب أوكرانيا وتزايد الاعتماد على الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، ستزداد حساسية المعلومات المتعلقة بنقاط الضعف العملياتية، حتى وإن وردت في سياق تدريبات.
من المرجح أن تتجه الحكومة الألمانية إلى تشديد آليات تصنيف المعلومات المرتبطة بالتدريبات المشتركة مع حلف الناتو، مع تطوير صيغ إحاطة أكثر عمومية للبرلمان توازن بين حق الرقابة وضرورات السرية. وقد نشهد كذلك تعديلات إجرائية داخل لجان الدفاع تتيح الاطلاع المقيد على المعلومات الحساسة ضمن أطر مغلقة، بما يقلل احتمالات تسربها أو توظيفها سياسيا.
على المستوى الأوروبي، قد تدفع مثل هذه السجالات نحو بلورة معايير موحدة داخل الناتو بشأن ما يمكن نشره علنا بعد المناورات الكبرى، خاصة تلك التي تتناول الدفاع ضد الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية. فخصوم الحلف، وفي مقدمتهم روسيا، يعتمدون بشكل متزايد على تجميع البيانات المفتوحة لبناء صورة تراكمية عن أنماط الانتشار والاستجابة.
سياسيا، قد يستمر توظيف قضايا الأمن والدفاع في الاستقطاب الداخلي الألماني، لا سيما مع صعود التيارات الشعبوية. وإذا تصاعدت الشكوك حول دوافع بعض الاستفسارات البرلمانية، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة نقاش أوسع حول حدود الرقابة في القضايا العسكرية الحساسة.
يكشف هذا الملف عن معادلة دقيقة ستلازم الديمقراطيات الأوروبية في السنوات المقبلة: كيف تحافظ على انفتاحها المؤسسي، من دون أن تمنح خصومها نافذة غير مقصودة على نقاط ضعفها الدفاعية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115633
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
