المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين الشعبوي في ألمانيا ـ متي متى يمكن تفعيل أداة “الإكراه الاتحادي”؟
أثارت نتائج انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، التي حققت فيها حزب البديل من أجل ألمانيا نحو 44% من الأصوات، نقاشًا حول حدود صلاحيات الحكومة الاتحادية تجاه حكومة ولاية محتملة يقودها الحزب. ويتركز الجدل على المادة 37 من القانون الأساسي الألماني، المعروفة باسم “الإكراه الاتحادي”، التي تتيح للحكومة الاتحادية التدخل في حال عدم التزام إحدى الولايات بالتزاماتها الدستورية.
ما هو “الإكراه الاتحادي”؟
قد تشهد ساكسونيا أنهالت مستقبلًا حكومة يشارك فيها حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يصنفه جهاز حماية الدستور في الولاية على أنه “يميني متطرف بشكل مؤكد”. وفي ظل هذا الاحتمال، تدرس الحكومة الاتحادية إمكانية اللجوء إلى ما يعرف بـ”الإكراه الاتحادي”. حيث حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على نحو 44% من الأصوات في انتخابات برلمان ساكسونيا أنهالت التي جرت في سبتمبر من العام 2026، في نتيجة انتخابية كبيرة لحزب يصنفه جهاز حماية الدستور في الولاية على أنه “يميني متطرف بشكل مؤكد”. ولم يتمكن مرشح الحزب لمنصب رئيس حكومة الولاية، أولريش زيغموند، من الحصول على الأغلبية المطلقة، لكنه قد يصبح رئيس حكومة الولاية في ماغديبورغ، على سبيل المثال إذا ساعد تحالف “ساهرا فاغنكنخت” (BSW) في توفير الأغلبية اللازمة.
يطرح ذلك تساؤلات حول ما يمكن أن يحدث إذا حاول حزب البديل من أجل ألمانيا تنفيذ سياسات تعتبرها القوى السياسية الأخرى متطرفة، مثل إلغاء إلزامية التعليم المدرسي أو اتباع سياسة أكثر تشددًا تجاه اللجوء، بما في ذلك “الترحيل منذ اليوم الأول”، وفقًا لما صرح به أولريش زيغموند سابقًا. كما يثار تساؤل آخر بشأن احتمال وصول معلومات سرية من جهاز حماية الدستور إلى موسكو، في حال قيام ممثلين عن حزب البديل من أجل ألمانيا، الذين تربط بعضهم مواقف مؤيدة لروسيا، بنقل مثل هذه المعلومات. فهل تستطيع الحكومة الاتحادية أو يتعين عليها قبول ذلك؟
القانون الأساسي يسري في ساكسونيا أنهالت
يبدو أن الحكومة الاتحادية لا ترى نفسها مضطرة إلى قبول مثل هذه التطورات. فبعد الانتخابات بوقت قصير، أشار عدد من السياسيين البارزين في برلين إلى إمكانية اللجوء إلى ما يسمى “الإكراه الاتحادي”، ومن بينهم المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس. أكد ميرتس عقب الانتخابات في برلين: “إذا تم تجاوز الحدود، يمكنني أن أقول لكم إننا، من وجهة نظر الحكومة الاتحادية، سنفعل كل ما بوسعنا لتصحيح ذلك. القانون الأساسي يسري في ساكسونيا أنهالت.” وأضاف أن الدستور يتضمن مبدأ الالتزام بالاتحاد، موضحًا أن ذلك يشمل، على سبيل المثال، “سياسة الهجرة والأجانب بأكملها”. وتنص القواعد الدستورية بالفعل على إمكانية تدخل الحكومة الاتحادية في الولايات التي تتبع سياسات تتعارض مع القانون الأساسي. غير أن هذه الآلية لم تستخدم على الإطلاق طوال تاريخ ألمانيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية. وفي مختلف النزاعات بين الحكومة الاتحادية والولايات، تمكن الطرفان عادة من التوصل إلى حلول عبر مؤسسات وآليات متعددة، بما يسمح للولايات باتباع سياسات خاصة بها، مع مراعاة الاتجاهات والمبادئ الأساسية المشتركة بين الولايات الألمانية الـ16.
توضح آنا بييتينا كايزر، أستاذة القانون في جامعة هومبولت في برلين، أن المادة 37 من القانون الأساسي، التي تنظم “الإكراه الاتحادي”، لا تستخدم إلا في الحالات بالغة الخطورة. وتقول كايزر إن وصف هذه الحالات بأنها “دراماتيكية” هو أمر دقيق بالفعل، وهو أحد أسباب عدم استخدام الإكراه الاتحادي مطلقًا في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية، إذ ينظر إليه باعتباره “الإجراء الأخير”. وشهدت ألمانيا مرارًا نزاعات حادة بين الحكومة الاتحادية والولايات، إلا أن القاعدة المعتادة، وفقًا لكايزر، هي اللجوء إلى المحكمة الدستورية الاتحادية عند وجود نزاع قانوني محدد، ثم تلتزم الولاية بالحكم الصادر عن المحكمة الدستورية.
ماذا يمكن أن يحدث؟
من بين الخيارات التي تسمح بها المادة 37 تعيين شخص من جانب الحكومة الاتحادية، بموافقة مجلس الولايات “البوندسرات”، ليتولى بعض جوانب إدارة شؤون الولاية. ويمكن لهذا المفوض أن يمتلك صلاحيات إصدار التعليمات. كما يناقش الخبراء إمكانية وقف التحويلات المالية التي تقدمها الحكومة الاتحادية إلى الولاية. أما استخدام الجيش الألماني، فهو سيناريو مختلف، إذ توضح كايزر أن اللجوء إلى الجيش في مثل هذه الحالة يتطلب أولًا إعلان “حالة الطوارئ الداخلية”. لا تقتصر المناقشات العلنية بشأن إمكانية اتخاذ إجراءات ضد حكومة محتملة يقودها حزب البديل من أجل ألمانيا في ساكسونيا-أنهالت على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ينتمي إليه المستشار ميرتس، بل يشارك فيها أيضًا ممثلون عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي.
يقول المدير البرلماني للحزب الاشتراكي الديمقراطي في البرلمان الألماني، ديرك فيزه، لشبكة التحرير الألمانية “RND”: “إذا نجح تحالف البديل من أجل ألمانيا وحزب ساهرا فاغنكنخت، الذي وصفه بأنه تحالف مؤيد لبوتين، في إيصال يميني متطرف إلى منصب رئيس حكومة الولاية للمرة الأولى، فمن الجيد معرفة أن القانون الأساسي يوفر آليات يمكن من خلالها، عند الضرورة، فرض التزام إحدى الولايات بالتصرف وفقًا للدستور عبر إصدار التعليمات.” وتوجد أمثلة في أوروبا على استخدام السلطة المركزية لصلاحياتها في مواجهة حكومة إقليمية تتبع مسارًا سياسيًا مختلفًا بشكل كبير. ومن أبرز هذه الأمثلة إسبانيا خلال أزمة كتالونيا عام 2017، عندما أقالت الحكومة الإسبانية الحكومة الإقليمية الكتالونية في أكتوبر من ذلك العام، مستندة إلى مادة في الدستور الإسباني تشبه في بعض جوانبها المادة الخاصة بـ”الإكراه الاتحادي” في القانون الأساسي الألماني. ومع ذلك، فإن تطبيق “الإكراه الاتحادي” في ألمانيا يتطلب حدوث تطورات كبيرة، إذ لم تستخدم هذه الآلية حتى الآن منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124864
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

