المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين الشعبوي في ألمانيا ـ تحولات موازين القوى في أوروبا
يشهد المشهد السياسي الألماني تحولًا لافتًا مع فوز حزب “البديل من أجل ألمانيا” في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، ما يعكس اتساع نفوذ اليمين المتطرف. ولا تقتصر تداعيات هذا الصعود على ألمانيا، بل تمتد إلى التوازنات السياسية الأوروبية، في ظل تراجع القوى الوسطية واقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة. ويضع هذا التحول نموذج الائتلافات التقليدية في ألمانيا والتحالف الوسطي الذي دعم السياسة الأوروبية لعقود أمام اختبار سياسي غير مسبوق.
انتصار كبير لحزب البديل
قد تكون الانتصارات الساحقة لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت بداية أول تصدع حقيقي في هيكل السلطة الذي حافظ على تماسك السياسة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف انتصارًا ساحقًا في انتخابات الولاية الواقعة شرقي ألمانيا في سبتمبر من العام 2026، بعدما حصل على 43.8% من الأصوات. وفي المقابل، انهار حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، الذي يقود الائتلاف الحاكم في برلين برئاسة المستشار فريدريش ميرتس، إلى 17.2%، بينما حصل شريكه الأصغر في الائتلاف، الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، على 9.3% فقط. ولأول مرة منذ الحقبة النازية، قد تتولى قوة يمينية متطرفة قيادة ولاية ألمانية، إذ يمكن لزعيم الحزب المحلي أولريش زيغموند أن يصبح رئيسًا للولاية إذا قرر حزب “تحالف صحرا فاجنكنشت” (BSW) دعمه أو الامتناع عن التصويت في انتخاب رئيس الحكومة المحلية.
وبالإضافة إلى توجيه ضربة جديدة إلى الحكومة في برلين، التي تعاني أصلًا من تراجع كبير في شعبيتها، أثارت النتائج ردود فعل متباينة في أنحاء أوروبا، فيما تسعى قوى اليمين المتطرف إلى الاستفادة من الزخم، بالتزامن مع توجه دول رئيسية في الاتحاد الأوروبي إلى صناديق الاقتراع العام 2027. وقال رينيه أوست، رئيس وفد حزب “البديل من أجل ألمانيا” في البرلمان الأوروبي: “هذه النتيجة ليست حالة استثنائية، بل إنها إشارة إلى بقية ألمانيا وإلى أوروبا”. وأضاف أوست: “نحن نسير على طريق أن نصبح الحزب الحاكم الرئيسي في البلاد، وأنا مقتنع بأنه في الانتخابات الأوروبية المقبلة سنعود إلى البرلمان الأوروبي بأكثر من ضعف قوتنا الحالية”.
التداعيات على أوروبا
حاول أندرياس شواب، عضو البرلمان الأوروبي عن ألمانيا ضمن حزب الشعب الأوروبي (EPP)، التقليل من أهمية نتائج الانتخابات، قائلًا: “ولاية ساكسونيا أنهالت جزء صغير من ألمانيا، فهي واحدة من أصل 16 ولاية. وليس لحزب البديل من أجل ألمانيا سلطة حقيقية في برلين، حيث يتمتع الائتلاف الكبير بأغلبية واضحة”. ويرى شواب أن تأثير الانتخابات في بروكسل سيكون على الأرجح محدودًا، وسيتمثل في تعزيز أجندة الاتحاد الأوروبي الخاصة بتبسيط القواعد والإجراءات، بما في ذلك تخفيف الأعباء عن المزارعين، إلى جانب الدفع نحو ميزانية أوروبية أكثر تركيزًا على المصالح الوطنية. ورددت سفينيا هان، العضو عن ألمانيا في مجموعة “رينيو أوروبا”، الرأي نفسه، قائلة: “لا يمكننا الحفاظ على أغلبية ديمقراطية في عام 2029 إلا من خلال تحقيق النمو الاقتصادي والازدهار أخيرًا، وتخفيف العبء التنظيمي عن الناس والشركات”.
ومع ذلك، من المؤكد أن النتيجة ستثير مخاوف في مختلف أنحاء أوروبا، ليس فقط بسبب تأثيرها في السياسة الداخلية الألمانية، وإنما كذلك لأن تقليد الائتلافات الكبرى في ألمانيا شكّل أساسًا للتوافق السياسي الذي كان في صميم عملية التكامل الأوروبي خلال جزء كبير من حقبة ما بعد الحرب. فقد كان حزب الشعب الأوروبي، المنتمي إلى يمين الوسط، والاشتراكيون والديمقراطيون، المنتمون إلى يسار الوسط، الركيزة الأساسية للسياسة في بروكسل منذ إنشاء البرلمان الأوروبي، بدعم من مجموعة “رينيو أوروبا” الوسطية في بعض الأحيان. لكن صعود الأحزاب المتطرفة والتآكل المستمر للوسط السياسي يطرحان تساؤلات حول هذا النهج، الذي نشأ في ألمانيا وانتقل إلى بروكسل، ويضعه أمام اختبار متزايد.
وفي أغسطس من العام 2026، توقعت مؤسسة “أوروبا إليكتس” أن القوى الوسطية الثلاث لن تتمكن، للمرة الأولى، من تأمين أغلبية مطلقة إذا أجريت انتخابات البرلمان الأوروبي اليوم. وأوضح عضو البرلمان الأوروبي سيرغي لاغودينسكي، عن ألمانيا ضمن مجموعة الخضر/التحالف الحر الأوروبي: “لم يعد الأمر يتعلق بمن يستطيع التحدث مع من، وكيف يمكن للفصائل المختلفة داخل المجتمع الديمقراطي أن تتحد. بل يتعلق بكيفية زيادة حصتنا المشتركة، ليس من خلال انتزاع الناخبين من بعضنا البعض، وإنما من خلال إقناع أولئك الذين أصيبوا بخيبة أمل تجاهنا جميعًا، نحن الديمقراطيين”.
اليمين الشعبوي يقترب من السلطة
أثارت المكاسب الانتخابية المتزايدة للأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا احتمال وصول هذه القوى إلى الحكم بشكل مباشر. وفي ساكسونيا أنهالت، لم يتمكن حزب “البديل من أجل ألمانيا” من الحصول على أغلبية تتيح له الحكم منفردًا، لكنه قد يصل إليها من خلال ائتلاف مع حزب “تحالف صحرا فاجنكنشت”. ويختلف حجم تقاسم السلطة الذي تسمح به الأحزاب التقليدية باختلاف السياق الوطني، وكذلك بحسب استعداد القوى الرئيسية للتحالف مع اليمين المتطرف. ففي إيطاليا، على سبيل المثال، قادت جورجيا ميلوني حكومتها الائتلافية باتجاه الوسط، ما جعل حزبها الأوروبي، “المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون” (ECR)، أكثر اندماجًا في التيار السياسي الرئيسي. ونتيجة لذلك، تواجه ميلوني الآن منافسة من قوة يمينية متطرفة جديدة يقودها روبرتو فانّاتشي، وهو جنرال سابق في الجيش وعضو في البرلمان الأوروبي عن مجموعة “أوروبا ذات السيادة للأمم” (ESN).
وفي إسبانيا، تحالف حزب الشعب، المنتمي إلى يمين الوسط، مع حزب “فوكس” اليميني المتشدد لحكم عدة أقاليم، من بينها الأندلس وقشتالة وليون، وهو نموذج يرغب بعض الأطراف في نقله إلى بروكسل. وقالت هيلديغارد بنتيله، عضوة البرلمان الأوروبي عن ألمانيا ضمن حزب الشعب الأوروبي: “في كل دولة، يعتمد الأمر فعلًا على مدى تطرف اليمين المتطرف وحجم التعاون الممكن معه. لكن بشكل عام، لم يكن التعاون مع اليمين المتطرف جيدًا بالنسبة لنا. لقد بقينا ضعفاء”. وعلى مستوى البرلمان الأوروبي، اتبعت مجموعة حزب الشعب الأوروبي، بقيادة الألماني البافاري مانفريد فيبر، طوال الدورة التشريعية الحالية نهجًا مرنًا في تشكيل أغلبيات متغيرة، وسعت في بعض الأحيان إلى الحصول على دعم أحزاب اليمين المتشدد بشأن ملفات محددة.
وقد عززت استراتيجية فيبر القدرة التفاوضية لحزب الشعب الأوروبي وأثارت غضب القوى الوسطية الأخرى، إلا أن الانتقال من الاصطفاف على أساس كل قضية على حدة إلى تحالف أكثر هيكلية من شأنه أن يؤدي إلى إعادة تشكيل جوهرية لتقاسم السلطة على مستوى الاتحاد الأوروبي. وحتى سبتمبر من العام 2026، استبعد فيبر دائمًا إقامة تعاون منظم مع قوى اليمين المتطرف، رغم أن بعض الأحزاب المنضوية تحت حزب الشعب الأوروبي كانت ترغب في ذلك في كثير من الأحيان. وفي عام 2027، سيتوجه الناخبون في فرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وإستونيا واليونان وفنلندا ومالطا وسلوفينيا إلى صناديق الاقتراع في انتخابات وطنية عالية الأهمية.
وفي فرنسا على وجه الخصوص، تشير التوقعات إلى أن مرشحة اليمين المتطرف للرئاسة، مارين لوبان، ستفوز على أي مرشح آخر في الجولة الثانية. ومن شأن هذه الانتخابات المقبلة أن تعيد تشكيل الخريطة السياسية الأوروبية قبل انتخابات الاتحاد الأوروبي المقبلة في عام 2029، والتي قد تكون، إذا استمرت الاتجاهات الحالية، الأولى التي لا تمنح الأحزاب الرئيسية أغلبية حاكمة. وقالت بنتيله: “إن انتخابات ساكسونيا أنهالت تمثل إشارة تحذير قوية جدًا، لكن أمامنا ثلاث سنوات قبل الانتخابات، ولذلك لدينا الكثير من الوقت لنصبح أقوى مجددًا. لقد وصلت إشارة التحذير، وعلينا أن نعمل على نقاط قوتنا”. وحددت بنتيله درسين رئيسيين من نتائج الانتخابات: ضرورة تعبئة الأشخاص الذين لم يشاركوا في الانتخابات الأخيرة، والذين شكّلوا العامل الرئيسي وراء صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا”، إلى جانب ضرورة اختيار مرشحين أكثر ملاءمة.
في المقابل، أشار أوست إلى أن الناخبين الذين تزيد أعمارهم على 70 عامًا وحدهم هم الذين منعوا حزب “البديل من أجل ألمانيا” من تحقيق أغلبية مطلقة على مستوى الولاية، معتبرًا أن ذلك يمثل دليلًا واضحًا على أن المستقبل سيكون للقوى الوطنية، وأن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي سيصبح قريبًا “حزب الأمس”، على غرار الحزب الديمقراطي المسيحي الإيطالي “ديموكرازيا كريستيانا”. أما لاغودينسكي، فيرى أن التحدي المقبل لا يقل عن استعادة ثقة الناخبين الذين أصيبوا بخيبة أمل في الديمقراطية الليبرالية. واختتم قائلًا: “إذا لم نرتب أوضاعنا ونعالج هذا الأمر، فإن ديمقراطيتنا محكوم عليها بالفشل”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124140
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

