المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا،ECCI
اليمين الشعبوي في ألمانيا ـ تباين في مواقف الدعم العسكري لأوكرانيا
تتصاعد داخل ألمانيا الخلافات بشأن استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، في ظل تمسك الحكومة الألمانية بمواصلة المساعدات. ويأتي ذلك بالتزامن مع تنامي أصوات داخل حزب البديل من أجل ألمانيا وأحزاب أخرى تدعو إلى التركيز على الدبلوماسية واستئناف العلاقات الاقتصادية مع روسيا.
التمسك بالدعم العسكري لأوكرانيا
يتمسك المستشار الألماني فريدريش ميرتس بالمساعدات العسكرية لأوكرانيا في حربها مع روسيا. وقال ميرتس في التاسع من سبتمبر من العام 2026 خلال نقاش في البوندستاغ، مجلس النواب الألماني: “نحن ندعم أوكرانيا، وسنواصل دعمها، لأنها تدافع أيضًا عن حريتنا”. وكان يرد على الرئيسة المشاركة لحزب البديل من أجل ألمانيا، أليس فايدل، التي دعته إلى “البدء أخيرًا في الدفع نحو محادثات السلام، كما تفعل الولايات المتحدة”. وقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنه سيقدم تنازلات بعيدة المدى لروسيا خلال مثل هذه المفاوضات، وهو ما وصفه منتقدون في ألمانيا بأنه سلام مفروض. وفيما يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة في ألمانيا، قالت فايدل: “نحن بحاجة إلى الغاز الطبيعي الرخيص من روسيا. وهذا ما سنعمل من أجله”. كما ألمحت إلى أن الحكومة الأوكرانية مسؤولة عن تفجير خطوط أنابيب الغاز نورد ستريم بين روسيا وألمانيا في سبتمبر 2022. وقالت: “إنهم يواصلون مكافأة العقول المدبرة المشتبه بها للهجوم في كييف بدفعات بمليارات الدولارات على حساب ألمانيا”. ويشتبه في وقوف فريق تخريب أوكراني وراء الهجوم. أظهر النائب عن حزب البديل من أجل ألمانيا يورغن كوجل خلال النقاش بوضوح مدى قرب موقف الحزب من روسيا، رغم حربها ضد أوكرانيا. وتحدث عن “الرئيس فلاديمير بوتين المقدر”، وقال إنه لا يشكل أي تهديد بحرب ضد حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
انقسام بشأن المساعدات لأوكرانيا
موقف حزب البديل من أجل ألمانيا من الحرب في أوكرانيا ليس جديدًا. لكن منذ فوزه الكبير في انتخابات برلمان ولاية ساكسونيا أنهالت في السادس من سبتمبر من العام 2026، بعدما حصل على نحو 44% من الأصوات، أصبح الحزب يعبر عن موقفه بلهجة أكثر حدة. وبجمع أصوات حزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب اليسار الاشتراكي، وتحالف ساهرا فاغنكنخت الشعبوي، يتضح أن نحو 60% من الناخبين في ساكسونيا أنهالت صوتوا لأحزاب تعارض دعم أوكرانيا أو تتخذ موقفًا متشككًا منه. ووفقًا لأحد استطلاعات الرأي، أثرت مخاوف المواطنين بشأن السلام في أوروبا في اختياراتهم الانتخابية. ووضع المشاركون هذا الموضوع في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، بعد “الأمن الاجتماعي”، وبفارق كبير عن “الهجرة” أو “البيئة والمناخ”. إضافة إلى ذلك، أظهر استطلاع “ARD Deutschlandtrend” الذي أجري قبل الانتخابات بوقت قصير وجود انقسام بين شرق ألمانيا وغربها بشأن مسألة الدعم العسكري لأوكرانيا. ورأى نحو 39% من الألمان الغربيين، أي من المنطقة التي كانت تشكل ألمانيا الغربية قبل إعادة التوحيد، أن المساعدات العسكرية تجاوزت الحد، بينما بلغت النسبة 54% لدى الألمان الشرقيين.
يقول يوهانس فارفيك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مارتن لوثر هاله فيتنبرغ بولاية ساكسونيا أنهالت: “المسار الذي تتبعه الحكومة الألمانية بشأن أوكرانيا لا يحظى بدعم الأغلبية في الشرق”. وأضاف: “لن أصف ذلك بأنه مؤيد لروسيا؛ بل إنه نابع من الرغبة في التركيز أكثر على الدبلوماسية بدلًا من إرسال المزيد من الأسلحة باستمرار لتغذية حرب لا تستطيع أوكرانيا الانتصار فيها”.
المخاوف من التهديدات الروسية
في الثاني من سبتمبر من العام 2026 سبتمبر، حملت الحكومة الألمانية روسيا مسؤولية هجوم فاشل بطائرة مسيرة مسلحة وقع في مطلع أغسطس من العام 2026 في مطار لايبزيغ، وهو مركز رئيسي للمساعدات العسكرية المقدمة إلى أوكرانيا. ووصف بوتين ذلك بأنه “خطأ جسيم”، بينما وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الاتهام بأنه “بداية حرب حقيقية”. وقد مثل هذا التبادل في التصريحات مستوى جديدًا من التصعيد في علاقة متوترة أصلًا. ووفقًا لأحدث استطلاع لـ”ARD Deutschlandtrend”، يرى غالبية الألمان، بنسبة 56%، أنهم يواجهون حاليًا تهديدًا روسيًا قويًا أو قويًا جدًا. لكنه أظهر كذلك أن الألمان الشرقيين وناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا يشعرون بتهديد روسي أقل. ويبدو أن نتائج الانتخابات في ساكسونيا أنهالت تعكس ذلك. ولدى عالم السياسة سفن لويغ، من جامعة فريدريش شيلر في يينا بولاية تورينغن، تفسير خاص لرد فعل الألمان الشرقيين، ولا سيما بعد حادثة لايبزيغ.
يقول لويغ: “الأمر يتعلق بدرجة أقل برفض مبدئي لدعم أوكرانيا، وأكثر برد فعل قائم على الخوف. إنهم يريدون الابتعاد عن الصراع حتى لا ينجرفوا إليه بصورة أكبر. وهذا بالطبع يعزز أحزابًا مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، وتحالف ساهرا فاغنكنخت، وحزب اليسار، التي تستوعب هذه المشاعر”. كما يتعرض الدعم لأوكرانيا لضغوط لسبب آخر. فبحسب حزب البديل من أجل ألمانيا وتحالف ساهرا فاغنكنخت، كان من الأفضل إنفاق الأموال التي تحصل عليها أوكرانيا على الخدمات الاجتماعية الألمانية التي تعاني من ضغوط متزايدة. فعلى سبيل المثال، اتهم النائب عن حزب البديل من أجل ألمانيا غوتفريد كوريو الحكومة الألمانية بخفض المساعدات الاجتماعية ورفع الضرائب “للاستمرار في تقديم مليارات الدولارات إلى دول أجنبية”، من أجل تمويل “حروب أجنبية” مثل الحرب في أوكرانيا.
تراجع الدعم لأوكرانيا
لا يزال المستشار ميرتس يرى أن مساره السياسي يحظى بدعم سياسي وشعبي. وخلال نقاش البوندستاغ، رد على اقتراح حزب البديل من أجل ألمانيا باستئناف إمدادات الطاقة من روسيا وإنهاء الدعم الألماني لأوكرانيا، قائلًا: “هذا المسار الذي تصفونه لا يحظى بدعم الأغلبية في البرلمان الألماني، كما أنه لا يحظى بدعم أغلبية سكان جمهورية ألمانيا الاتحادية. وسندافع عن حريتنا، مستقبلًا أيضًا”. لكن دعم أوكرانيا، كما تظهر استطلاعات “ARD Deutschlandtrend” على مدى السنوات، أصبح أقل قبولًا لدى الرأي العام. وترتفع نسبة الأشخاص الذين يرون أن الدعم العسكري تجاوز الحد ببطء ولكن باستمرار، وقد بلغت الآن 42%. ويرى لويغ أن الحكومة الألمانية لا تتعرض بعد لضغوط تدفعها إلى إعادة النظر في سياستها تجاه أوكرانيا، مشيرًا إلى أنها لا تزال تحظى “بدعم واضح” لمسارها الحالي. وأضاف: “إلى جانب ذلك، أصبح التهديد القادم من روسيا يحظى باعتراف واسع أيضًا. وبالطبع، إذا تراجع الدعم الشعبي على المدى الطويل، فسيتعين على الحكومة أن تستجيب لذلك”.
هل أصبحت أوكرانيا “أفغانستان أخرى”؟
من ناحية أخرى، يدعو زميله يوهانس فارفيك إلى تصحيح المسار الآن، ولكن ليس بسبب المزاج العام في ألمانيا بالدرجة الأولى. وقال: “نعم، ينبغي أن نقف إلى جانب أوكرانيا، لكن الوقوف إلى جانب أوكرانيا لا يعني تغذية حرب استنزاف عقيمة من دون استراتيجية سياسية قابلة للتنفيذ. فهذا يدفع أوكرانيا إلى الانهيار، حتى لو جرى تقديمه على أنه موقف مؤيد لأوكرانيا”. وأجرى منتقدون مقارنات بين الوضع الحالي والتدخل الغربي في أفغانستان، الذي انتهى بعد 20 عامًا، وإنفاق مليارات الدولارات ومقتل نحو 3500 جندي غربي، باستعادة طالبان السلطة. لكن لويغ يرى الأمر بصورة مختلفة. وقال: “أعتقد أن الحالتين غير متطابقتين. ففي أفغانستان كان هناك تدخل عسكري مباشر من جانب الدول الغربية بقوات برية وجوية. أما في أوكرانيا، فيتمثل الدعم في إمدادها بالأسلحة. لكن الخوف الشعبي من أن تستمر الحرب لفترة طويلة، هنا توجد بالطبع أوجه تشابه مع أفغانستان، وكذلك الخشية من أن تضطر أوكرانيا في النهاية إلى التخلي عن بعض أهدافها”.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن الحكومة الألمانية تعيد النظر في موقفها. وخلال زيارة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو” مارك روته الأخيرة إلى برلين في 10 سبتمبر من العام 2026، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول: “ستواصل ألمانيا السير على المسار نفسه خلال هذه الفترة”، رغم الجدل الداخلي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124560
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

