المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليمين الشعبوي في ألمانيا: هل تدخل برلين مرحلة سياسية جديدة؟
تشهد الساحة السياسية الألمانية تصاعدًا ملحوظًا في شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا. ومع اقتراب الانتخابات الإقليمية في ولاية ساكسونيا أنهالت، تتزايد المخاوف من التداعيات السياسية المحتملة لفوز حزب البديل على ألمانيا وأوروبا، في ظل استمرار الجدل حول توجهات الحزب وبرنامجه السياسي.
احتمالية وصول حزب البديل إلى السلطة
مع تصدر حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) استطلاعات الرأي في ولاية ساكسونيا أنهالت Sachsen-Anhalt ، تتزايد المخاوف داخل الأوساط السياسية الألمانية من احتمال وصول الحزب اليميني الشعبوي إلى السلطة على مستوى إحدى الولايات للمرة الأولى. ويرى مراقبون أن هذا السيناريو، الذي كان يُعد حتى وقت قريب احتمالًا نظريًا، بات أقرب إلى التحقق في الانتخابات الإقليمية المقررة خلال سبتمبر من العام 2026. حيث تشير استطلاعات الرأي إلى حصول الحزب على أكثر من 40% من نوايا التصويت، وسط تراجع الأحزاب التقليدية وتعثر الائتلاف الحاكم في برلين. كما لم تؤدِ الانتقادات الموجهة للحزب بشأن مواقفه من روسيا أو الاتهامات المتعلقة بالمحسوبية والتجسس والفساد إلى إضعاف شعبيته، ما عزز مكانته كأحد أبرز الفاعلين السياسيين في شرق ألمانيا.
تداعيات فوز حزب البديل من أجل ألمانيا
وفي حال فشل الأحزاب الصغيرة مثل حزب الخضر أو الحزب الديمقراطي الحر FDP في تجاوز عتبة 5% اللازمة لدخول البرلمان المحلي، فقد يتمكن حزب البديل من تشكيل حكومة الولاية بمفرده. وحتى إذا تراجعت شعبيته نسبيًا، فإن استبعاده من السلطة قد يتطلب تشكيل ائتلاف واسع ومعقد بين جميع الأحزاب الأخرى، وهو خيار يعتبره كثيرون غير مستقر سياسيًا. يرى محللون أن وصول الحزب إلى رئاسة حكومة ولاية ساكسونيا أنهالت ستكون له تداعيات واسعة تتجاوز حدود الولاية التي يقطنها أكثر من مليوني نسمة. إذ سيؤثر ذلك على عمل المجلس الاتحادي (البوندسرات)، ويعقد آليات التنسيق بين الولايات الألمانية، كما سينعكس على التوازنات السياسية داخل البرلمان الاتحادي والحكومة الفيدرالية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس.
تحول في المشهد السياسي الألماني والأوروبي
ويحذر مراقبون من أن هذا التطور قد يمثل نقطة تحول في المشهد السياسي الألماني والأوروبي، ويمنح دفعة إضافية للأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا. كما قد يُنظر إليه بوصفه نجاحًا للقوى الدولية الداعمة للحزب، وفي مقدمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم تصاعد المخاوف، يرى كاتب المقال أن الساحة السياسية الألمانية لا تبدو مستعدة بالكامل للتعامل مع تداعيات هذا الاحتمال، باستثناء بعض المحاولات التي يقودها المستشار الألماني فيريدريش ميرتس لدفع حزبه وشركائه نحو تنفيذ الإصلاحات خلال العام 2026. وكان المكتب الاتحادي لحماية الدستور قد صنف فرع الحزب في ساكسونيا أنهالت باعتباره “يمينيًا متطرفًا”، إلا أن القضاء أصدر في فبراير من العام 2026 قرارًا مؤقتًا يمنع استخدام هذا الوصف إلى حين صدور الحكم النهائي في القضية.
البرنامج الانتخابي لحزب البديل
يبرز أولريش زيغموند، المرشح الرئيسي للحزب في الولاية، بوصفه الشخصية الأوفر حظًا لتولي رئاسة الحكومة المحلية. ويؤكد زيغموند التزامه بسيادة القانون واختيار المسؤولين على أساس الكفاءة، غير أن منتقديه يشككون في هذه الوعود. وكان زيغموند، البالغ من العمر 35 عامًا، عضوًا سابقًا في الحزب الديمقراطي المسيحي قبل انتقاله إلى حزب البديل قبل نحو عقد من الزمن. ويعد من أبرز الوجوه الصاعدة داخل الحزب، كما يحظى بشعبية كبيرة على منصة “تيك توك”، خصوصًا بين الشباب في الولاية التي تعاني معدلات بطالة مرتفعة نسبيًا. ويتضمن البرنامج الانتخابي الذي طرحه الحزب في أبريل من العام 2026 سلسلة من المقترحات المثيرة للجدل، من بينها ترحيل اللاجئين أو نقلهم إلى مساكن جماعية، رغم أن الولاية تعد من أقل مناطق ألمانيا تنوعًا من حيث الخلفيات المهاجرة.
كما يدعو الحزب إلى تقليص تمويل وسائل الإعلام العامة التي يعتبرها معادية وغير وطنية، وتعزيز ما يصفه بالثقافة الوطنية. كما انتقد الحزب حركة “باوهاوس” الفنية ذات الجذور التاريخية القوية في الولاية. وفي الجانب الاجتماعي، يربط الحزب انخفاض معدلات المواليد بما يسميه “أنماط الحياة غير الإنجابية”، ويقترح حوافز ضريبية ودعمًا للأسر المكونة من أب وأم وعدد كبير من الأطفال، في إطار ما يصفه بالحفاظ على مستقبل الشعب الألماني.
وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة الاتحادية، فإن زيغموند يدعو إلى إنهاء العقوبات المفروضة على روسيا، وإعادة تدريس اللغة الروسية في المدارس، واستئناف برامج التبادل مع الطلاب الروس. كما يطالب بإعادة تصنيف الأوكرانيين من لاجئي حرب إلى مهاجرين غير شرعيين. ويرى مراقبون أن نجاح الحزب في تنفيذ بعض هذه السياسات، أو حتى عرقلتها من قبل القضاء أو الحكومة الاتحادية، قد يعزز روايته السياسية القائمة على أنه ضحية لما يسميه “الدولة العميقة”.
وخلافًا لبعض الأحزاب اليمينية الشعبوية الأخرى في أوروبا، مثل التجمع الوطني في فرنسا أو حزب الإصلاح في بريطانيا، لم يُظهر حزب البديل حتى الآن توجهًا واضحًا نحو الاعتدال، رغم تصاعد الانتقادات الأوروبية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب واستمرار الحرب مع إيران. كما لم تؤثر المواقف الروسية أو الحرب في أوكرانيا سلبًا على شعبيته، خاصة في الولايات الشرقية التي لا تزال تضم أصواتًا سياسية تطالب بعلاقات أوثق مع موسكو. ينظر الكثير من الألمان بقلق إلى احتمال وصول الحزب إلى السلطة في ساكسونيا أنهالت، إلا أن هذا القلق لا يتحول حتى الآن إلى تحرك سياسي فعّال، بل يبدو أقرب إلى حالة من التردد والجمود السياسي.
لم يعد الجدل في ألمانيا يدور حول ما إذا كان حزب البديل من أجل ألمانيا قادرًا على تحقيق مكاسب انتخابية، بل حول كيفية تعامل النظام السياسي مع احتمال انتقاله من موقع المعارضة إلى موقع السلطة. ويعكس هذا التحول أزمة أعمق تتعلق بتراجع ثقة شريحة من الناخبين بالأحزاب التقليدية، واتساع الفجوة بين شرق وغرب ألمانيا، إضافة إلى تأثير ملفات الهجرة والاقتصاد والطاقة والحرب في أوكرانيا على السلوك الانتخابي. وفي حال تمكن الحزب من قيادة حكومة ولاية للمرة الأولى، فإن ذلك لن يقتصر على كونه إنجازًا انتخابيًا، بل سيشكل اختبارًا لقدرة المؤسسات الألمانية على إدارة مرحلة سياسية جديدة، وقد يعيد رسم توازنات المنافسة الحزبية داخل ألمانيا ويمنح الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا دفعة سياسية ومعنوية خلال السنوات المقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120160
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
