الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

اليمين الشعبوي ـ المعالجات السياسية في الاتحاد الأوروبي

مايو 11, 2024

 بون ـ  إعداد: داليا عريان ـ  باحثة في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ECCI

أربكت الصراعات العالمية والأزمات الاقتصادية الأخيرة، خطط الاتحاد الأوروبي على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وجعلتها في مرمي انتقاد الأحزاب المعارضة وفي مقدمتها أحزاب اليمين الشعبوي، التي وجدت لنفسها مكاناً من جديد داخل الساحة السياسية في عدد من دول التكتل الأوروبي، بعد تحقيق نتائج غير مسبوقة في الانتخابات العامة والمحلية خلال العامين الماضيين، وبتصاعد الأحداث بين روسيا والغرب من جهة، والصين والولايات المتحدة من جهة ثانية، وتجدد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، زادت انتقادات اليمين الشعبوي للحكومات الأوروبية، ما دفعها لاتخاذ إجراءات سريعة لتحسين المنظومة الأمنية والوضع الاقتصادي وسياساتها الخارجية.

برامج للإصلاح السياسي

رغم إدراك الاتحاد الأوروبي أن فاتورة الإصلاح السياسي ستكون باهظة، وسيترتب عليها تبعات كثيرة قد تصطدم برفض بعض الدول الأعضاء، إلا أن رؤيته لسيناريو الانتخابات المقبلة حتمت عليه اتخاذ استراتيجيات مغايرة، وفي يناير 2024 أعلنت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين عن إعداد مخطط لإصلاح الاتحاد، ومن قبلها قادت فرنسا وألمانيا والبرتغال مقترحات لإصلاحه، وكمحاولة لإبقائه قابلاً للحكم عبر (30) عضواً أو أكثر في حال انضمام دول البلقان ومولدوفا وأوكرانيا. تطرقت خطة بروكسل إلى الجمع بين التوسع والإصلاح، والتركيز على مسألة تمويل برامج الاتحاد وسداد ديونه، وأن تضمن أن البلدان المؤيدة للتوسع والمتشككة في الإصلاح مثل دول البلطيق ودول الشمال، سيكون لديها حافز لدعم إصلاح التكتل.

حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتأكيد في 17 يناير 2024، على وعده بأن “فرنسا ستصبح أقوى” بسلسلة إصلاحات في القانون والهجرة والتعليم، ومشروع قانون اقتصادي يعزز النمو ويخفض الضرائب على الطبقات المتوسطة. واعتبر محللون أن خطاب ماكرون، يستهدف تعزيز إرثه وتحدي لهيمنة حزب التجمع الوطني اليميني، خاصة وأنه حذر من اتجاه الناخبين في جميع أنحاء أوروبا لليمين الشعبوي. وركز ماكرون على خطته الإصلاحية بشأن الحفاظ على النظام الصحي، وتجاوز التغيرات في نظام التقاعد ومكافحة البطالة والسيطرة بشكل أفضل على حركة اللجوء، ما يعني استهداف خطابه للناخبين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض.

وافق مؤتمر الأساقفة الألمان بالإجماع في 4 مارس 2024، على ورقة أدان فيها بشدة موقف اليمين الشعبوي، وأكد أن المعارضة لليمين لا تعني التقليل من أهمية معالجة أسباب صعوده، ومواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية القائمة. وصاغت أبرشيتا برلين وفورتسبورغ قوانين تنص على أن الأشخاص الداعين للعنصرية أو يدعمون أحزاب تحمل هذه الأفكار، لا يصبحون جزءاً من آراء الكنيسة، بهدف الحفاظ على القوانين والأنظمة الأساسية. ودعا أستاذ القانون الكنسي توماس شولر من مونستر، إلى وضع لوائح لجميع لجان الأبرشيات لمنع أي شخص من الترشح للانتخابات إذا ثبت تصرفه المعادي للأجانب أو السامية.اليمين المتطرف في ألمانيا ـ تدابير وسياسات للحد من المخاطر

خطوات للإصلاح الاقتصادي

أتفق البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء في 11 فبراير 2024، على إصلاح قواعد تحكم موازنة الاتحاد الأوروبي، لتحفيز الاستثمارات مع إبقاء الإنفاق تحت السيطرة. وتحديث ميثاق “الاستقرار والنمو” الذي يحدد سقفاً لديون الدول عند (60%) من الناتج المحلي الإجمالي، وللعجز بالميزانية العامة عند (3%). ورحبت الرئاسة البلجيكية والمفوضية الأوروبية بإصلاحات الحوكمة الاقتصادية. وتأتي الخطوة بعد جهود عامين لتعزيز الموارد المالية العامة للاتحاد وتطوير المنظومة الاقتصادية، رغم تحفظ دول مثل ألمانيا بشأن الإنفاق ومطالبة دول كفرنسا وإيطاليا بالمرونة، وبعد مناقشات بين باريس وبرلين، توصلت الدول الـ 27 إلى اتفاق في ديسمبر 2023، لتبدأ المحادثات مع المفاوضين من البرلمان الأوروبي، رغم وصف مسؤولون الاتفاق بأداة للتقشف مليئة بالتعقيدات.

دعا المستشار الألماني أولاف شولتز في 18 مارس 2024، للثقة في ضوء التهديدات التي تواجه الديمقراطية، والتأكد من عدم توظف موظفين حكوميين تابعين للتيار اليميني، مشيراً إلى أهمية التقدم التكنولوجي لصالح التحول الاقتصادي المحايد للمناخ لمعالجة صعود اليمين الشعبوي. ويرى المحلل المشارك بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومعهد فيلنيوس لتحليل السياسات جوستيناس ميكوس، أن الدورة السياسية (2024-2029) بغض النظر عن الانتخابات الأوروبية، سيواجه فيها الاتحاد تحديات طويلة المدى، مثل الحرب الأوكرانية، والمنافسة الممنهجة بين بكين وواشنطن، وتصاعد الأزمة الاقتصادية العالمية، والتحولات التكنولوجية وتغيرات المناخ، فالإصلاحات الواسعة تتعلق بالبنية التحتية المؤسسة للاتحاد والميزانية والسياسة المالية.

اعتمد المجلس الأوروبي في 29 أبريل 2024، (3) تشريعات في إطار الحوكمة الاقتصادية والمالية، لضمان المالية العامة المستدامة وتعزيز النمو الشامل بالاستثمار وضمان أمن الطاقة، ودعم الاستقلال الاستراتيجي بتطبيق المرونة الاقتصادية والاجتماعية. ومن المفترض أن تقوم كل دولة عضو بوضع خطة هيكلية مالية متوسطة الأجل، على مدى (4-5) سنوات لخفض الديون وتحقيق نمو شامل مستدام، ومن الممكن السماح للدول بتمديد فترة التصحيح المالي لـ (7) سنوات، إذا قامت بإصلاحات واستثمارات معينة تعمل على تحسين النمو. وحافظ المجلس على قواعد إجراء العجز المفرط، بحيث أن يكون مسار صافي الإنفاق التصحيحي متسقاً مع حد أدني من التعديل الهيكلي السنوي، ولا يقل عن (0.5%) من إجمالي الميزانية العامة. وجدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 25 أبريل 2024 دعوته، لمواجهة المخاطر الاقتصادية والعسكرية، في إطار رؤيته لاتحاد أوروبي أكثر حزماً على الساحة الدولية. وطالب بتعزيز الصناعات الدفاعية وتعزيز الاستثمارات ورفع قدرات أوروبا في الأمن السيبراني.

إصلاح ملف الهجرة واللجوء

محادثات استمرت لـ (3) سنوات حول “ميثاق الهجرة واللجوء”، انتهت باتفاق مبدئي للبرلمان الأوروبي في 25 ديسمبر 2023، بشأن إصلاح واسع لسياسة الهجرة، بتشديد المراقبة على المهاجرين الوافدين للاتحاد، وإنشاء مراكز قرب الحدود لإعادة الذين لا يحق لهم اللجوء، ووضع آلية الزامية بين الدول الأعضاء للتضامن مع الدول المعرضة لموجات لجوء أكثر، وتطبيق تدقيق إلزامي قبل دخول المهاجر لدول التكتل، ومن الممكن أن تستمر مسألة التحقق من الهوية لـ (7) أيام، ويتم أخذ صورة الوجه وبصمات الأصابع من الأطفال اعتباراً من (6) أعوام، لتقرر الدولة استكمال إجراءات اللجوء، أو إعادته للبلد الأصل أو العبور. وفي 10 أبريل 2024 صادق البرلمان الأوروبي على هذه التعديلات، رغبة في إفشال خطط اليمين الشعبوي، الذي يستغل ملف الهجرة لكسب أصوات في الانتخابات الأوروبية.

عملت ألمانيا على تشديد قواعد الهجرة واللجوء، بوضع ضوابط على الحدود مع دول الجوار مثل بولندا والتشيك، والمساعدة على تشديد الرقابة للحدود الخارجية للتكتل الأوروبي. وفي 9 فبراير 2023، خططت ألمانيا لنقل إجراءات اللجوء لدول إفريقية، بإرسال المهاجرين الذين يتم إنقاذهم في البحر المتوسط إلى شمال إفريقيا. وفي 27 سبتمبر 2023 أكد المستشار الألماني أولاف شولتز على إتمام المفاوضات بشأن “مرسوم الأزمات” كإجراءات إضافية مرنة ومحددة لمواجهة الهجرة. وأجرت الداخلية الألمانية في 2 أكتوبر 2023، مناقشات مع (6) دول حول “شراكات الهجرة”، لتشديد الرقابة على الحدود.

أقرت فرنسا في 11 مارس 2023 اتفاقاً حول تدفق طالبي اللجوء انطلاقاً من الأراضي الفرنسية، بتأسيس مركز احتجاز بشمال فرنسا لطالبي اللجوء، والتنسيق على الحدود الفرنسية البريطانية للتصدي لمشكلة المعابر. وأعلنت باريس في أبريل 2023 أنها ستعمل على تعبئة (150) شرطياً على الحدود مع إيطاليا، وأوضحت الداخلية الفرنسية في 20 يونيو 2023 أنها ستقدم (25.8) مليون يورو لتونس لوقف قوارب المهاجرين القادمة من البحر المتوسط. وفي 20 ديسمبر 2023 أقر البرلمان الفرنسي تشريعاً لتشديد سياسة الهجرة، بعد تأييد حزب النهضة (ذي الميول الوسطية) ويتزعمه إيمانويل ماكرون، وحزب التجمع الوطني اليميني بزعامة مارين لوبان. ويستهدف التشريع منع المهاجرين المقيمين بفرنسا من إحضار أفراد عائلاتهم للبلاد، وحظر احتجاز القاصرين في مراكز الاحتجاز.اليمين المتطرف في ألمانيا ـ كيف يستثمر حزب البديل AFD ملف الهجرة؟

السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي

الحرب الأوكرانية: إدارة الاتحاد الأوروبي للصراع المحتدم بين أوكرانيا وروسيا مرت بمراحل مختلفة، لاعتراض أحزاب من اليمين الشعبوي على دعم الحكومات لأوكرانيا، وقدمت دول على رأسها ألمانيا وفرنسا أسلحة متطورة وثقيلة لدعم كييف في العام الأول. وبزيادة الضغوط المالية على الاتحاد تراجع الدعم العسكري الأوروبي نوعاً ما لأوكرانيا في العام الثاني، ما وضعها في محل انتقاد  لأحزاب أخرى من اليمين الشعبوي، لذا أبرمت فرنسا في 16 فبراير 2024 اتفاقية أمنية مع أوكرانيا، لدعمها بـ (3) مليارات دولار وفتح شراكة في مجال الدفاع وإنتاج أسلحة متطورة في 2024. ورفضت برلين تزويد كييف بصواريخ توروس بعيدة المدى، مع التأكيد على استمرار الدعم. وأعلن الاتحاد الأوروبي في 15 مارس 2024 تخصيص ملياري يورو، من بينها (500) مليون لإنتاج مليوني قذيفة مدفعية سنوياً بحلول 2025، مخصصة للقوات الأوكرانية.

العلاقة مع الولايات المتحدة: قال وزير الخارجية النمساوي ألكسندر شالينبيرغ، إنه يجب الامتناع عن التعامل مع الانتخابات الأوروبية أو الأمريكية، أنها مصدر لانعدام الأمن وعدم الاستقرار. ويحرص الاتحاد على تأمين احتياجاته العسكرية في حال فوز المرشح الأمريكي دونالد ترامب بالانتخابات، بطرح تأسيس جيش أوروبي موحد والاتفاق على استراتيجية دفاعية مشتركة.

العلاقة مع الصين: منذ أبريل 2023 أعاد التكتل الأوروبي العلاقات مع الصين، بالزيارات المتبادلة بين المسؤولين الأوروبيين والصينيين، وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أهمية اتباع أوروبا استراتيجية مستقلة بشأن مسألة تايوان. وفي أبريل 2024 زار المستشار الألماني أولاف شولتس الصين، بعد إطلاق دعوة فرنسية ألمانية لإعادة توازن العلاقات التجارية بين الصين وأوروبا، وتحفيز القدرة التنافسية الأوروبية. وأجرى الرئيس الصيني شي جينبينغ زيارة لفرنسا في مايو 2024 بالتزامن مع الذكرى الـ (60) لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين بكين وباريس.أمن دولي ـ ماذا بعد توسع الصين وروسيا في إفريقيا؟

تقييم وقراءة مستقبلية

– ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الانتخابات المقبلة كنقطة فاصلة في مستقبل التكتل، ويتضح هذا الأمر من خلال السياسات الإصلاحية التي تم الإعلان عنها، للحفاظ على أصوات الناخبين الداعمين للأحزاب اليسارية والوسطية والليبرالية، ومحاولة لتقليل فرص أحزاب اليمين الشعبوي من الحصول على مقاعد داخل المؤسسات الأوروبية، ومن هنا تضع هذه الخطط الإصلاحية الحكومات الحالية في مأزق، لاعتراض بعض الأحزاب التقليدية عليها، واعتبارها تغيير في ثوابت التكتل الأوروبي خاصة فيما يتعلق بملفي الاقتصاد والهجرة.

– يستهدف الاتحاد من هيكلة الميزانية وسداد الديون، إعادة التوازن للاقتصاد الكلي الذي قد يؤثر على الاقتصادات الوطنية للدول الأعضاء، خاصة بعد جائحة “كوفيد-19” والحرب الأوكرانية، والتوترات الأخيرة في البحر الأحمر جراء التصعيد الإسرائيلي الراهن في غزة، تجنباً لاندلاع أي اضطرابات في القطاعات الحيوية، والتي قد يستغلها اليمين الشعبوي لصالحه.

– إن ملف الهجرة واللجوء مازال شائكاً داخل الاتحاد الأوروبي، وربما يظل ثغرة في خطط الإصلاح التي تقوم بها الدول، لمواجهة مواقف التيارات اليمينية الشعبوية، حيث تعارض بعض الأحزاب التقليدية الإجراءات المشددة ضد طالبي اللجوء والهجرة، نظراً لأنهم يرون أن استقبال اللاجئين والمهاجرين هي مسؤولية إنسانية تقع على عاتق الاتحاد، بينما ترفض أحزاب أخرى هذه التعديلات على ميثاق “اللجوء والهجرة” لانصياع الحكومات لأفكار اليمين الشعبوي، ما يزيد المخاوف على مكانة الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية.

– أجبرت العلاقة السابقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، أن يعيد الأخير التفكير في سياساته الخارجية، وأن يتجنب تكرار خطأ الاعتماد على شريك واحد في بعض الملفات، كنموذج روسيا في مصادر الطاقة قبل فبراير 2022، لذا يسعى الاتحاد إلى فك الارتباط بشكل تدريجي مع الولايات المتحدة في الأمور الدفاعية، تحسباً لأي متغيرات قد تطرأ على مستقبل حلف الناتو، في حال طول أمد الحرب الأوكرانية، أو وقوع صدام مباشر بين الصين والولايات المتحدة في تايوان، أو تنفيذ المرشح الرئاسي الأمريكي دونالد ترامب تهديده في حال وصوله للبيت الأبيض، بشأن ترك أوروبا وحيدة لأي هجمات محتملة ضدها.

– يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الانتقال بالعلاقات مع الصين، من مرحلة الاضطرابات إلى الشراكة، بهدف تعزيز الجانبين الاقتصادي والتكنولوجي، ووضع دول التكتل في مرتبة متقدمة عالمياً بين الدول الاقتصادية الكبرى، لاسيما وأن وضع أوروبا الاقتصادي مثار تساؤلات داخل وخارج القارة العجوز، لدخوله مرحلة “هبوط ناعم” وتباطؤ في معدلات النمو في بعض القطاعات.

– موقف الاتحاد من الأزمات المندلعة، كشف عن تراجع دوره في الأزمات الدولية، وهو الأمر غير المعتاد طوال الأعوام الماضية، وربما حرب غزة كانت فرصة لأن يستدرك هذا الخطأ، وأن يكون له دوراً حاسماً مستقلاً عن موقف الولايات المتحدة، ما يفسر ظهور الانقسامات الداخلية على السطح.

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=93735

 

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...