المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اليسار المتطرف في ألمانيا ـ ضغوط سياسية وتحديات أمنية
أثار فوز حزب اليسار في انتخابات برلين انتقادات بشأن تعامله مع قضايا كالجريمة المرتبطة بالعشائر. وتزامنت هذه الانتقادات مع ضغوط سياسية متزايدة قبل بدء مشاورات تشكيل الائتلاف الحكومي. كما أثارت علاقات بعض أعضاء الحزب وشخصيات شاركت في احتفالات الفوز تساؤلات إضافية حول مواقف الحزب وحدوده السياسية.
تنامي شعبية حزب اليسار
حصل حزب اليسار في انتخابات مجلس نواب برلين، التي جرت خلال سبتمبر من العام 2026، على 25.7% من الأصوات، ليصبح أقوى قوة سياسية، بعدما ضاعف تقريبًا نتيجته مقارنة بعام 2023. وجاء بعده حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بنسبة 18.8%، وحزب البديل من أجل ألمانيا بنسبة 16.3%، وحزب الخضر بنسبة 14.3%، والحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة 12.1%.. وفي البرلمان المحلي، يحصل حزب اليسار على 47 مقعدًا، والاتحاد الديمقراطي المسيحي على 34 مقعدًا، والبديل من أجل ألمانيا على 29 مقعدًا. ويحصل حزب الخضر على 26 مقعدًا، بينما يرسل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بعد أسوأ نتيجة له على الإطلاق في برلين، 22 ممثلًا فقط إلى مجلس النواب. وبذلك فقد الائتلاف الكبير الذي كان يحكم برلين، والمكون من الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، أغلبيته. وأصبح من الممكن تشكيل ائتلاف ثلاثي بين اليسار والخضر والاشتراكي الديمقراطي، أو بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والخضر والاشتراكي الديمقراطي. ولا يرغب أي طرف في تشكيل ائتلاف مع حزب البديل من أجل ألمانيا. ووفقًا لما أعلنه حزب اليسار، فقد دعا كلا الشريكين المحتملين إلى إجراء محادثات تمهيدية.
انتقادات الأحزاب
بعد الفوز الانتخابي في برلين، يواجه حزب اليسار انتقادات بسبب تعامله مع قضايا الجريمة المرتبطة بالعشائر. شددا رئيسا الحزب الاشتراكي الديمقراطي على المستوى الاتحادي، باربل باس ولارس كلينغبايل، على وسائل التواصل الاجتماعي على أنه لا ينبغي لحزب اليسار أن يترك “أي مساحة، ولو بمقدار ملليمتر واحد”، للمجرمين المرتبطين بالعشائر داخل صفوفه. وجاءت انتقادات مماثلة من مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي في برلين، شتيفن كراخ. وقال: “إن الوقائع التي حدثت في الحفل الانتخابي أثارت استغرابي بالفعل، وعلي أن أقول ذلك بصراحة”. وقالت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر في البوندستاغ، كاتارينا دروغه، إن حزبها سيدخل الآن محادثات الائتلاف مع “خطوط حمراء واضحة”. وتحدث المرشح الرئيسي للحزب في العاصمة، فيرنر غراف، عن ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة.
العلاقة مع العشائر الإجرامية
شارك في حفل انتخابي نظمه فرع حزب اليسار في حي نويكولن خلال سبتمبر من العام 2026، شخصية معروفة من إحدى العشائر. كما تعرض النائب البرلماني عن حزب اليسار، فرات كوتشاك، لضغوط، بسبب تواصله عبر المحادثات مع أحد أبناء عائلة ريمو، المنتمية إلى أوساط العشائر ذات الأصول العربية. وقد أدين عدد من أفراد هذه العائلة بارتكاب جرائم وأعمال عنف عديدة. نشر ابن عائلة ريمو سجلًا لمحادثة، يفيد بأن كوتشاك طلب منه المساعدة من “جميع أفرادكم” في نشر مقطع فيديو، فرد عليه ريمو قائلًا: “بكل سرور يا أخي”. وفي الفيديو، الذي يحمل عنوان “الجدل الهستيري المستمر: العشائر”، ينتقد كوتشاك استخدام مصطلح “جريمة العشائر”. ويرى منتقدون أن هذا المصطلح يوصم الأشخاص لمجرد انتمائهم إلى أصل أو عائلة معينة. وقال كوتشاك إن ما حدث كان خطأ، وقدم اعتذارًا. وأعلنت الكتلة البرلمانية لحزب اليسار في البوندستاغ أنه سينسحب مؤقتًا من الظهور العلني، وسيعلق مهامه البرلمانية، إلا أن مخصصاته المالية كنائب ستستمر في صرفها. كما نأت الرئيسة الاتحادية لحزب اليسار، إينيس شفردتنر، بنفسها عن الوقائع التي ظهرت إلى العلن، وكذلك فعلت المرشحة الرئيسية للحزب في برلين، إليف إيرالب.
العشائر الإجرامية السورية
تشكّل الجماعات الإجرامية المنظمة تهديدًا مرتفعًا ومستمرًا، وفقًا لتقرير اتحادي ألماني. وتضم بعض الولايات، ومنها ساكسونيا، “فرقة عمل العشائر” لمواجهة هذه الظاهرة، بعد أن جذبت إحدى المجموعات اهتمامًا متزايدًا مؤخرًا. تركز عمل “فرقة عمل العشائر” في ولاية ساكسونيا شرقي ألمانيا على 4 عائلات سورية، وفقًا لرئيس الوحدة. وفي حين لا تزال قضايا ما يسمى بجرائم العشائر عند مستوى مرتفع ومستقر، ازدادت حدة التهديد بشكل خاص في منطقة لايبزيغ، بحسب كبير مفتشي الشرطة. يحذر المكتب الجنائي لولاية ساكسونيا من تنامي نشاط العشائر الإجرامية العائلية، التي ينحدر معظم أفرادها من سوريا. ووفقًا للسلطات، ينتمي حتى أغسطس من العام 2026 ما بين 700 و1000 شخص في ساكسونيا إلى عشائر سورية، حسبما أفاد متحدث باسم المكتب لمجلة “فوكوس”. وبحسب التقرير، تعرف الشرطة 130 شخصًا على خلفية ارتكاب جرائم.
يقول رايكو ميرتينس، من المكتب الجنائي في ساكسونيا: “تشمل هذه الجرائم أعمال عنف، والاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، والجرائم الضريبية، والجرائم المرتبطة بتهريب الأشخاص، وجرائم الوثائق والمرور، والمعاملات المالية غير القانونية، إضافة إلى أشكال مختلفة من الاحتيال”. يرأس ميرتينس قسم الجريمة المنظمة في المكتب الجنائي لساكسونيا، وكذلك “فرقة عمل العشائر” التابعة له. ووفقًا للتقرير، صادرت السلطات أسلحة نارية، بينما تضمنت حالات أخرى جرائم احتيال في نظام الضمان الاجتماعي، بما في ذلك ما يتعلق بالمساعدات الأساسية للدخل. تحقق السلطات في أنشطة مزعومة لتهريب الأشخاص. وخلال مداهمة في أبريل من العام 2026، جرى تفتيش 50 شقة ومنشأة تجارية في لايبزيغ والمنطقة المحيطة بها. ويُعتقد أن نحو 50 سوريًا أرسلوا وثائق هويتهم إلى سوريا، حتى يتمكن أشخاص يشبهونهم في المظهر من دخول ألمانيا بهويات مزيفة.
هياكل إجرامية جديدة
يوضح ميرتينس إن العشائر تموّل حياتها بالكامل من خلال أنشطة تجارية غير قانونية. ويرى أنها لا تقبل النظام القضائي الألماني، وتفضل تسوية كل شيء داخل العائلة. وأضاف: “هم يحتقرون دولتنا ونظامنا بأكمله بشكل أساسي. والعزلة داخل هذه التحالفات العائلية هائلة”. وبحسب ميرتينس، ينشئ أفراد هذه العشائر شركات يمكن استخدامها من وراء الكواليس لتنفيذ أعمال إجرامية، “وأحيانًا باستخدام أشخاص يعملون كواجهات”. وفي منطقة لايبزيغ، يتعلق الأمر بشكل رئيسي بأربع عائلات سورية كبيرة، يضم بعضها أكثر من 60 فردًا. وترتبط أفراد العائلات ببعضهم بعضًا أو يعتمدون على بعضهم، إذ يقدمون، على سبيل المثال، الدعم لبعضهم من خلال الإدلاء بإفادات غير كافية أمام السلطات، أو تسجيل المركبات والحسابات المصرفية باسم أفراد آخرين. تابع ميرتينس إن أحد الرجال متزوج من ثلاث نساء على الأقل. ولديه من هؤلاء النساء 32 طفلًا على الأقل، بعضهم أصبح بالغًا بالفعل. إضافة إلى ذلك، نعرف ما لا يقل عن 25 حفيدًا في ساكسونيا. موضحًا أن بعض أفرادها ملتزمون بالقانون ويعيشون حياة هادئة، مثل غالبية السوريين الذين قدموا إلى ألمانيا.
مع ظهور هياكل إجرامية جديدة، يرى خبراء أن صراعات بدأت تنشأ كذلك مع العشائر التي استقرت في ألمانيا منذ فترة أطول. لاحظ عالم السياسة محمود جرابا اتجاهًا متزايدًا للأنشطة الإجرامية لدى ما يسمى بالعشائر الجديدة، ولا سيما داخل الجاليات السورية”. وجاء ذلك في مذكرة مكتوبة قدمها خلال جلسة استماع في برلمان ولاية شمال الراين وستفاليا. وتجلى مدى إمكانية تصاعد هذه الحوادث والتوترات في مدينة إيسن في يونيو 2023. وحذر جرابا صراحة من التعميم بشأن هذه الحوادث. فالغالبية العظمى من السوريين المقيمين في ألمانيا لا علاقة لهم بالبنى الإجرامية. كما لا ينبغي أن تُنسب جرائم أفراد من عائلة كبيرة تلقائيًا إلى العائلة بأكملها. وقد يؤدي هذا الاشتباه الجماعي إلى تعزيز الإقصاء الاجتماعي وجعل الاندماج أكثر صعوبة. كما أن أسباب هذه الصراعات معقدة. ووفقًا لجرابا، فإن التوترات بين العائلات الممتدة التركية والعربية التي استقرت في ألمانيا منذ فترة أطول والمجموعات الأحدث ذات الأصول السورية لا ترجع فقط إلى التنافس الإجرامي. ففي بعض الحالات، تلعب الصراعات السياسية والعرقية في سوريا ولبنان دورًا، ويتم نقلها إلى ألمانيا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124898
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

