اختر صفحة

بعد اعتراض ناقلة النفط الايرانية في جبل طارق.. هل تسعى الولايات المتحدة الامريكية للسيطرة على مسالك الملاحة البحرية  الاستراتيجية

اعداد : اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علوّ مستشار المركز الاوربي لدراسات مكافحة الإرهاب

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

المقدمة

في أول اعتراض من نوعه بدعوى عقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا، أعلنت حكومة إقليم جبل طارق احتجاز ناقلة نفط عملاقة للاشتباه في كونها تنقل نفطا خاما إلى ميناء بنياس.. وبالتزامن مع هذا الاعتراض للناقلة الايرانية ، صدرت اشارات قوية من واشنطن عبرت عن سعي الولايات المتحدة الامريكية لقيادة تحالف عسكري بحري في مناطق ( الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عمان  وبحر العرب)  ، الامر الذي يجعل أهداف وطبيعة مثل هذا التحالف مثيرة للجدل، خاصةً مع تصاعد التطوّرات في موضوع العقوبات الاقتصادية الامريكية ضد طهران على خلفية الملف النووي الايراني ، في وقت تختلف فيه وجهات النظر بين دول المنطقة على خلفية مواقفهم من طهران، بين من يرغب في حصارها، ومن يرتبط بعلاقات معها تجعله مترددا أو حتى رافضا لأيّ مبادرة ضدها.

إعلان سعي واشنطن لتشكيل هذا التحالف البحري جاء على لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دانفورد، غير أن هذا الأخير لم يعط تفاصيل كثيرة باستثناء أن التحالف سيركز على المراقبة والاستطلاع، دون تحديد الدول الراغبة في المشاركة في هذا التحالف.

وقد سبق للولايات المتحدة الامريكية ان شكلت مثل هذا التحالف البحري في 6حزيران 2012 عندما اعلن وزير الدفاع الاميركي الاسبق ليون بانيتا  خلال قمة في سنغافورة ان الولايات المتحدة ستعيد نشر القسم الاكبر من اسطولها البحري باتجاه المحيط الهادئ بحلول العام 2020 في اطار استراتيجية عسكرية جديدة تتمحور حول اسيا.  وقال بانيتا ان قرار نشر مزيد من السفن في المحيط الهادئ بالتوازي مع تعزيز الشراكات العسكرية في المنطقة يندرج في سياق جهد “متعمد” يرمي الى تفعيل الدور الاميركي في منطقة حيوية لمستقبل الولايات المتحدة.

واوضح بانيتا في ذلك الوقت  انه “بحلول العام 2020، فان حجم القوة البحرية الامريكية في المحيط الهادئ سيرتفع بنسبة 50% ، وذلك بتحويل ما نسبته  60%-40%  من القوة البحرية الامريكية في المحيط الاطلسي لصالح المحيط الهادئ ” بما يشمل ست حاملات طائرات، اضافة الى اكثرية سفننا وغواصاتنا” ، بحسب تصريح بانيتا .. وتضم البحرية الاميركية حاليا حوالى 285 قطعة بحرية متنوعة ومتطورة  ينتشر نصفها حاليا في المحيط الهادئ ، أي على مقربة من المناطق التي سيغطيها التحالف البحري الجديد( الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عمان  وبحر العرب) ، وتعد الترسانة البحرية الاكبر في العالم سواء من حيث العدد أو من حيث التطور التكنولوجي فضلا” عن القدرات التدميرية الكبيرة التي تتمتع بها منظومات التسليح التي تتمتع بها القطع البحرية الامريكية .

 وكان تقرير سابق نشره معهد السياسة الاستراتيجي الأسترالي((Australian Strategic Policy Institute    ( (ASPI ، قد أشار إلى سباق التسلح الجاري في آسيا: “يجري اليوم تحديث وتوسع عسكريان ملفتان للنظر على مدى قوس يمتد من باكستان والهند حتى اليابان مروراً بجنوبي شرقي  آسيا.” مشيرا” الى تصاعد متدرج للقوة البحرية الامريكية حول الصين، خصوصاً أساطيل الغواصات في منطقة آسيا- المحيط الهادئ. في مؤشر استراتيجي على نوايا امريكية للضغط على العملاق الاسيوي وذلك بإبقاء مسافة من التفوق الاستراتيجي لصالح الولايات المتحدة الامريكية من خلال سيطرة اساطيلها على الطرق البحرية المحاذية للسواحل الشرقية والجنوبية للصين وهي طرق وصول النفط الى الصين ! وهو ما سنحاول القاء الضوء عليه في هذه الدراسة الموجزة .

أهمية مسالك الملاحة البحرية

سوف تبقى معاضل ايصال النفط الخام من منابعه في الشرق الاوسط الى مختلف المناطق الصناعية في العالم المتقدم الشغل الشاغل للمخططين الاستراتيجيين وصناع القرار في العالم . وتستحوذ طرق ومسالك نقل النفط البحرية على الاهتمام الاكبر والابرز لاسيما بعد التهديدات التي تتعرض لها المضائق والممرات المائية الدولية ذات الأهمية الإستراتيجية من اخطار مختلفة قد تؤدي الى عرقلة انسيابية النفط الى المراكز الصناعية في اوربا غربا” واليابان والصين وكوريا الجنوبية شرقا” . فالتهديد بإغلاق مضيق هرمز وأخطار الحرب في اليمن قرب مضيق باب المندب ، باتت أمور لا يمكن السكوت عليها من قبل القوى الكبرى المستفيدة وصاحبة المصالح الدولية في استمرار الانسياب الآمن للنفط الى الأسواق الاوربية والآسيوية .  ولا يخفى على أحد أن التزود بالطاقة شديد الارتباط بالأمن القومي للدول كافة وبنموها وبقدراتها العسكرية. فلو توقف، أو أعيق، التزود بالنفط ، لأي دولة من الدول اليوم لوقعت في وضع حرج وتعرضت للشلل والاختناق. ومن هنا فان تأمين الطرق والمسالك والممرات والمضائق البحرية عاد  ليفرض أهميته الاستراتيجية على القوى البحرية العالمية ، حيث أن التجارة العالمية عبر البحار والطرق البحرية هي أيضاً هدف لنظام سيطرة تعمل تلك القوى البحرية على  ترسيخه.

إن التصور العسكري العالمي للأطماع الامريكية الجيوسياسية تكشفه أكثر فأكثر التحركات والتطورات العسكرية الامريكية في الشرق الاوسط ومنطقة الخليج العربي منذ العام 1991 ومرورا” بالعام 2003 (احتلال العراق) وصولا” الى ما يجري اليوم من تحركات عسكرية ازاء ايران وسورية ، بالإضافة الى منظومة الاتفاقيات الامنية مع عدد من دول المنطقة (دول مجلس التعاون الخليجي)  ،وزيادة حدة التسلح وتنوع التحالفات العسكرية ، مستند الى شبكة اتفاقيات عسكرية قائمة في المنطقة . كل ذلك يؤكد أن المستهدف من خلف ذلك كله عمالقة أوراسيا: روسيا والصين، وربما الهند ، وهو ايضا” صراع متصاعد بين منتجي النفط(امريكا ودول المجلس التعاون الخليجي) ومنتجي الغاز(ايران قطر وروسيا) . ومن هنا يمكننا فهم اسباب التمنع الصيني والروسي والحياد الهندي ازاء ما يجري من تحركات دولية بقيادة الولايات المتحدة ازاء سوريا وايران . لذلك تقف الصين وروسيا، وإيران اليوم، على رأس محور أورو آسيوية في طور التشكل لمواجهة الولايات المتحدة والقوى المتحالفة معها لمنعها من الوصول والسيطرة على قلب آسيا.

وتحاول الولايات المتحدة قطع جميع الطرق التي تزود التنين الصيني بالنفط من خلال التعاون النفطي عبر- الآسيوي والتي تصل مباشرة إلى الصين من خارج الممرات البحرية التقليدية العطوبة والمراقبة من جانب البحرية الأميركية. فكل الاتفاقات عبر- الآسيوية حول الطاقة، كأنبوب غاز إيران- باكستان- الهند، تعتبر متعارضة مع المصالح الأنكلو- أميركية وبرنامج حلف الأطلسي للتحكم بأوراسيا. ويولي الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ أهمية إستراتيجية لجزيرة غوام  في المحيط الهادئ، ولهذا فإنها تعزز تعاونها مع أستراليا وسنغافورة والفيليبين واليابان من أجل استكمال تطويق الصين. وفي هذا الصدد فإن قضية صواريخ كوريا الشمالية النووية تستخدم كذريعة مثالية لمزيد من تطويق الصين.

اسطول الألف سفينة

لغرض التحكم بالبحار والتجارة العالمية و تطويق عملاقي أوراسيا الصين وروسيا تسعى الولايات المتحدة اليوم لتشكيل ما بات يعرف بـ (القوات البحرية المعولمة) بقيادة الولايات المتحدة. فقد صرح الأميرال مايك مولن، رئيس الاركان المشتركة الأميركية، أن الولايات المتحدة تحاول بناء “أسطول من ألف بارجة” للتحكم بالمياه الدولية . و هذه الإستراتيجية في نهاية الأمر تعني اندماج القوات البحرية لحلف الأطلسي وقوات البحرية للحلفاء الآخرين في “شراكة بحرية عالمية”- العبارة للبحرية الأميركية – توحد “الأساطيل والشرطة البحرية والقوات البحرية ومستثمري المرافئ والمؤسسات التجارية البحرية وكثيراً غيرها من المنظمات الحكومية وغير الحكومية.” وهي استراتيجية هدفها الاساسي تطويق مراكز القدرة الاسيوية المتمثلة بالصين وروسيا وربما الهند ..  وهذا ما يهدد تزود الصين بالطاقة، كما يهدد التجارة الدولية بين إفريقيا و أوراسيا عبر المحيط الهندي.

أما أولى المناطق التي شهدت تطبيق هذه الإستراتيجية فهي الخليج العربي ومياه إفريقيا الشرقية وبحر عُمان. ولقد أشار الأميرال مولن أيضاً إلى أن هذه القوة البحرية العالمية تضم في عدادها 45 عمارة حربية تعود بغالبيتها إلى حلف الأطلسي، وهي منتشرة في الخليج العربي ومياه الشرق الأوسط . وقد اطلق على هذه القوة تسمية (القوة الواجب المشتركة 152) ( Joint Task Force (JTF) تضم قطعاً حربية إيطالية وفرنسية وألمانية، وتعمل في الخليج العربي ، ومقر قيادتها في البحرين . ومما له دلالته أن تكون وحدة “القوة المشتركة”152 ( (JTF وهي بإمرة قيادة البحرية الأميركية والقيادة المركزية سانتكوم  اللتين تقودان العمليات البحرية في الخليج العربي وكل الشرق الأوسط . فعملية “الحرية للعراق” في الخليج العربي وعملية الحرية المطلقة في عرض القرن الإفريقي هما بالتحديد عمليتان استخدمت فيهما “القوة المشتركة”152 ( (JTF. ولقد تجمعت كل هذه الأساطيل تحت ذريعة “الحرب العالمية على الإرهاب.”

الرد الصيني

مما لاشك فيه أن الصين تدرك نقطة ضعفها إزاء التحركات العسكرية البحرية الامريكية التي تستهدف تجارتها وطرق تزودها بالنفط . ولذلك اندفعت الصين في سياسة بحرية مؤثرة هدفها أمن بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي . وهذه المناطق البحرية تطابق جميعها الممرات البحرية الدولية التي تنقل نفط إفريقيا والشرق الأوسط نحو الصين . ولهذا طور الصينيون اساطيلهم وقواعدهم البحرية في تلك المناطق وعلى طول الممرات البحرية الحيوية. ومن هنا فان الصين بحكم علاقاتها المتوترة مع الهند ووقوع الباكستان على طرق امدادات النفط ، فقد سعت الى الاتفاق مع الباكستانيين على بناء قواعد للبحرية الصينية في  مرفأ غوادار في الباكستاني على ساحل بحر عُمان . كما سعى الصينيون الى توقيع اتفاقية مع سريلانكا تحصل الصين بموجبها على حق استخدام مرفأ هاماباتوتا جنوبي  الجزيرة. كما أن الصين صممت بناء مرفأ في ميانمار، وهي حليفة للصين على أهمية جيوستراتيجية. وبناء هذا المرفأ من شأنه القضاء على أي عقبة أو تهديد للحركة في مضيقي تايوان وملاقا. والصين متصلة بماينمار عبر شبكة من السكك الحديدية وطرق للنقل، ما يصل بين سواحل ماينمار وجنوبي  الصين . وتبذل الصين الجهد لبناء مرافئ نفطية وممرات نفطية برية تصل مباشرة بين آسيا الوسطى والصين عبر الاتحاد الروسي . إن التعاون بين الصين وروسيا وإيران وجمهوريات آسيا الوسطى يهدف إلى فتح ممر أطلسي- آسيوي يضمن استمرار تزود الصين بالطاقة عندما تعمد الولايات المتحدة إلى فرض حصار بحري في المحيطات. وثمة مباحثات دائرة اليوم بالتعاون مع روسيا حول مد أنبوب للغاز من إيران إلى الصين، مروراً بباكستان  والهند.

 استراتيجية بولتون للسيطرة الشاملة على المياه الدولية

بلور جون بولتون [John Bolton] مستشار الامن القومي الامريكي استراتيجية للسيطرة الشاملة على المياه الدولية ، يوم كان مساعداً لوزارة الخارجية الأميركية ومكلفاً بمراقبة عمليات التسلح والأمن الدولي تحت ذريعة إيقاف تهريب مكونات وتكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل وأنظمتها، يهدف إلى السيطرة على نقل المواد الأولية والتجارة العالمية باستخدام القوات البحرية التي أسستها الولايات المتحدة مع حلف الأطلسي، وتم تطوير هذه الإستراتيجية للسيطرة على التجارة العالمية والمياه الدولية. وأعدّ البيت الأبيض هذه الإستراتيجية في 31 أيار 2003، وفيها قرر السماح بانتهاك القوانين الدولية. فالقوانين الدولية لا تسمح لبحرية الولايات المتحدة وحلف الأطلسي بتفتيش واستجواب البحرية التجارية الأجنبية المتواجدة في المياه الدولية. وبالتالي فعمليات الولايات المتحدة هذه هي غير شرعية بموجب القسم السابع من “اتفاقية الأمم المتحدة حول حق البحار” “1982”، إلا في حال وافق عليها البلد الذي تأتي منه السفن التجارية. فالقوات البحرية لا يحق لها تفتيش غير سفن بلدها بالذات، أللهم إلاّ إذا كانت هناك اتفاقيات ثنائية مع بلد آخر يسمح لها  بذلك.

الولايات المتحدة تنتحل الحق بالمراقبة التعسفية للسفن الأجنبية: لا يحق تفتيش واستجواب السفن الأجنبية في المياه الدولية إلاّ إذا كانت تلوث المياه على مقربة من بلدان القوات البحرية، أو في حال الشك المبرر بالقرصنة. وعلاوة على ذلك فالسفن العائدة لبلد ما والموجودة في المياه الدولية تتمتع بالحصانة: لا يحق توقيفها وتفتيشها أو القبض عليها من قبل بحرية أخرى. وعليه، تبعاً لهذه القواعد الدولية، يكون قيام البحرية الأميركية بتوقيف سفينة تعود لإيران أو لكوريا الشمالية أو سورية أو الصين عملاً غير شرعي. ولكن مع النظام الجديد الذي طرحته وطبقته الإدارة الأميركية إزاء كوريا الشمالية بدأ كل شيء يتغير، خصوصاً في مياه المحيط الهندي والهادئ. ولهذا فإن العديد من حكومات البلدان الآسيوية، ومنها ماليزيا، انتقدت علناً هذه العمليات وشككت بشرعيتها.

وهكذا تم بشكل غير شرعي توقيف وتفتيش الناقلة الايرانية العملاقة قرب مضيق جبل طارق وسبق ذلك توقيف وتفتيش عدة سفن كورية شمالية منذ تطبيق هذه المبادرة؛ وايران اليوم كغيرها من البلدان عرضة للتهديد بعمليات عالمية غير شرعية تذكر بمناطق الحظر الجوي التي فرضتها الولايات المتحدة وفرنسا بشكل غير شرعي على العراق فبل اجتياحه في عام 2003. وهذا الأمر يعتبر سابقة خطيرة تزيد من حدة التوتر في المنطقة فيما لو تكررت عمليات اعتراض السفن الايرانية  ومنع التجارة مع ايران .

التداعيات على العراق

يبدو أن العراق الذي تربطه علاقات قوية مع إيران، يرى في أيّ خطوة لإغلاق مضيق هرمز او لتشديد الرقابة والتفتيش على السفن في منطقة الخليج العربي “عقبة كبيرة” لاقتصاده الهش، الامر الذي سيجعل بغداد تجد نفسها في وضع صعب إزاء أيّ تحالف يستهدف محاصرة إيران، في وقت ، لا يزال فيه العراق يحتاج للدعم الأمريكي، خصوصاً مع استمرار القوات الأمريكية في هذا البلد، وفي نفس الوقت يحتاج ايضا” الى استيراد الغاز والطاقة الكهربائية من جارته الشرقية ايران ، لذلك فأن الحكومة العراقية ستكون في وضع محرج لعدم رغبتها بإغضاب طهران، وهو ما ظهر عندما وجه الرئيس العراقي برهم صالح لوما كبيرا” لدونالد ترامب، عندما صرّح أنه يريد مراقبة إيران من الأراضي العراقية.

رابط نشر مختصر..https://www.europarabct.com/?p=53185

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علوّ